اخر المقالات: المؤتمر الإسلامي لوزراء البيئة يعقد دورته السابعة  في مقر الإيسيسكو بالرباط || إدماج المرأة القروية  في المنظومة البيئية والمحيط السوسيواقتصادي || مؤتمر رفيع المستوى لتسريع تفعيل لجنة المناخ لحوض الكونغو || الأستاذ نجيب صعب في حوار عن واقع المشهد البيئي العربي || التغيرات البيئية خلال العقد الماضي || عدد أكتوبر من مجلة “البيئة والتنمية”: هل نشرب البلاستيك ؟ || استغلال طاقة الشمس || الرأي العام العربي والبيئة || صانعو التغيير الأخضر في حوض المتوسط || هل نشرب البلاستيك؟ || تدابير تنظيمة من أجل قنص مسؤول || نتائج قمة ” فرصة المناخ ” وآفاق قمة المناخ القادمة “كوب 23” || حوار إقليمي لإفريقيا بشأن المساهمات المحددة وطنيا للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة || تقييم تغير أثر تغيُّر المناخ والتكيف معه في المنطقة العربية || المحافظة و تثمين المنتزه الوطني لتوبقال || صدور تقرير منظمة “الفاو ” حول التوقعات حيال حالة المحاصيل والأغذية || وجبة غذاء جيدة من أجل المناخ || إنذار بزوال الجليد البحري قرب القطب المتجمد الشمالي || دعوة عالمية لمكافحة هدر وفقد الأغذية || نحو دمج ثقافة الاستدامة في إدارة المدرسة بفلسطين ||

آفاق بيئية : البيئة والتنمية 

في 28 آذار (مارس) نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربة قاسية في حربه على البيئة، بتوقيعه الأمر التنفيذي المسمى “استقلال الطاقة”، الذي تراجعت الولايات المتحدة بموجبه عن القواعد التي وضعت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما لمواجهة تغير المناخ. وشمل هذا التراجع “خطة الطاقة النظيفة”، والقيود على انبعاثات غاز الميثان، وتجميد إيجار الأراضي الاتحادية للشركات العاملة في استخراج الفحم الحجري.

 وكان ترامب هدد خلال حملته الانتخابية في 2016 بإلغاء وكالة حماية البيئة الأميركية، التي لم يكن يعرف اسمها الرسمي، وقال في مناظرة مرشحي الحزب الجمهوري في 3 آذار (مارس): «وزارة حماية البيئة، سوف نتخلص منها بكل شكل متاح، لن نترك خلفنا سوى الفتات بعد أن نقتطع جزءاً كبيراً منها». وفي وقت لاحق من حملته، خفف ترامب من حدة تهديده بعدما تبيّن أن إلغاء الوكالة غير ممكن من الناحية القانونية.

 يستطيع ترامب خلال أربع سنوات أن يفعل الكثير لتحجيم وكالة حماية البيئة من دون الحاجة لإلغائها، ومن ذلك مثلاً تغيير تشريعاتها وتقليص مواردها البشرية والمادية. فهو قام بتكليف سكوت برويت، المشكك بتغير المناخ، برئاسة الوكالة، على الرغم من خصوماته القضائية ضد الوكالة سابقاً. وفي مشروع موازنة 2018، اقترح ترامب تقليص ميزانية الوكالة بنسبة 31 في المئة، الأمر الذي سيؤدي إلى فقدان الوكالة 19 في المئة من قوتها العاملة والإضرار ببرامجها الرقابية والبحثية ذات الصلة بتغير المناخ وحماية نوعية الهواء والماء.

 في أقل من مئة يوم على دخوله البيت الأبيض، قطع ترامب شوطاً كبيراً في تنفيذ تعهداته المعادية للبيئة، التي تدور حول خطة الطاقة النظيفة واتفاقية باريس المناخية والنزاهة العلمية والتراجع عن التشريعات وأنابيب النفط ومناجم الفحم والتنقيب عن النفط. إنه يحاول الغاء انجازات أوباما البيئية، والعودة ثمانية أعوام إلى الوراء، لاستئناف سياسات جورج بوش المثيرة للجدل، التي وضعها غلاف مجلة “البيئة والتنمية” لشهر أيار (مايو) 2002 تحت عنوان “الارهاب البيئي”.

 خطة الطاقة النظيفة

تعتبر “خطة الطاقة النظيفة” حجر الزاوية في جهود الرئيس السابق باراك أوباما لمواجهة تغير المناخ، وهي حزمة من التشريعات التي من شأنها الإقلال من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري عن طريق دفع محطات توليد الطاقة للابتعاد عن الفحم، والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

 نصف الولايات حاولت تحدي هذه الخطة عن طريق القضاء، وقلة من الولايات الأميركية دافعت عنها، وجاء الأمر التنفيذي “استقلال الطاقة” الذي وقعه ترامب ليقضي على خطة الطاقة النظيفة بشكل رسمي. ولايات الساحل الغربي وعدد من المدن الرئيسية أعلنت رفضها لهذا الإجراء، وقررت أنه، بغض النظر عن الإجراءات التي يتخذها ترامب، فإنها ستتابع تنفيذ خطة الطاقة النظيفة، لأثرها في تحقيق صحة وبيئة واقتصاد أفضل.

 من جهتهم، تعهد الناشطون البيئيون الأميركيون بمعارضة الأمر التنفيذي للرئيس ترامب من خلال الدعاوى القضائية. وبغض النظر عن التعقيدات التشريعية والمعارك القضائية، فإن العديد من الولايات بما فيها تلك المعارضة للخطة تحرز تقدماً في تحقيق أهدافها الخاصة بخفض الانبعاثات. الفحم يفقد حصته في السوق لصالح مصادر الطاقة الأرخص والأنظف كالغاز والمصادر المتجددة.

 اتفاقية باريس المناخية

تم التوصل إلى اتفاقية باريس المناخية في كانون الأول (ديسمبر) 2015، ودخلت حيز التنفيذ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 بعد مصادقة عدد كافٍ من الدول بينها الولايات المتحدة. وكان ترامب تعهّد خلال حملته الانتخابية بإلغاء انضمام الولايات المتحدة إلى الاتفاقية، الأمر الذي لا يمكنه القيام به إلا بعد ثلاث سنوات، حسب نص الاتفاقية.

 وقد توقع البعض قيام ترامب بإلغاء انضمام الولايات المتحدة إلى الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة الخاصة بالمناخ، التي تُعتبر اتفاقية باريس متفرعة عنها. لكن هذا الإجراء سيحرم الولايات المتحدة من مقعد على طاولة المفاوضات ويترك دور القيادة في مسألة أخلاقية كالمناخ لصالح الصين، الأمر الذي يتعارض مع مصالح الديبلوماسية الأميركية. كما أنه يتيح للصين توسيع تفوّقها في مجال الطاقة المتجددة، وهي حالياً تسيطر على أسواق الألواح الشمسية في العالم، ما يحقق لها مكاسب اقتصادية كبيرة.

 في مواجهة مواقف ترامب، أكد الاتحاد الأوروبي والهند والصين الالتزام بموجبات اتفاقية باريس المناخية أياً تكن خيارات الولايات المتحدة.

 النزاهة العلمية

وصَف ترامب تغير المناخ بأنه “خدعة صينية”، رافضاً الإجماع الساحق بين العلماء باعتبار القضية المناخية مشكلة خطيرة من صنع الإنسان. وهذا مشابه من حيث ادعاء “النزاهة العلمية” لانضمامه إلى الفريق الذي يعادي اللقاحات، مخالفاً الإجماع الطبي على أهميتها.

 مواقف كهذه جعلت الكثيرين يرون في ترامب وحلفائه من الجمهوريين أعداءً للعلم، خاصةً مع إصرار فريقه على “تطهير” مقالات علماء وكالة حماية البيئة قبل السماح بنشرها في المجلات العلمية. في الاتجاه ذاته، قامت وكالة حماية البيئة تحت إدارة سكوت برويت بإجراء تعديلات على التعابير المستخدمة ضمن موقعها الالكتروني، فاستبدلت مثلاً عبارة “مواجهة التغير المناخي” بعبارة “التكيف مع المناخ”.

 من الواضح أن إدارة ترامب تسعى لتبني “الحقائق البديلة” التي تناسب توجهاتها، في استرجاع لمضامين رواية “1984” التي كتبها جورج أورويل حول الأنظمة الديكتاتورية. المفارقة أن أول من استخدم هذا المصطلح هي كيليان كونواي، مستشارة الرئيس، في معرض دفاعها عن بيان كاذب أدلى به المتحدث باسم البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017.

 التراجع عن التشريعات

لطالما اشتكى ترامب والجمهوريون في الكونغرس من الأعباء التي تقع على الصناعة نتيجة التشريعات البيئية وتشريعات الطاقة. وبعد أن أصبحوا هم الأكثرية في الكونغرس بغرفتيه، مجلس الشيوخ ومجلس النوّاب، صار بإمكانهم استخدام أداة فعالة هي “قانون المراجعة”، الذي يسمح للكونغرس بنقض بعض تشريعات إدارة أوباما.

 كما أن بمقدور ترامب التراجع عن تشريعات أخرى بإصدار إجراءات إدارية ذات طبيعة تنظيمية أو عن طريق أوامر تنفيذية. لكن المجموعات البيئية تستطيع الطعن في إجراءات التراجع أمام القضاء، كما حصل في التجميد القضائي للقرار الذي أصدره ترامب حول حظر سفر مواطني عدد من الدول إلى الولايات المتحدة. ويبدو أن هذا سيتكرر مع الأمر التنفيذي “استقلال الطاقة”، حيث توعدت العديد من مؤسسات المجتمع المدني بالطعن فيه قضائياً.

 أنابيب النفط

شكّل مد أنابيب النفط محور تجاذب سياسي خلال عهد أوباما. فشركات النفط تسعى جاهدة لتنفيذ أنبوب كيستون (Keystone XL) وأنبوب داكوتا (Dakota Access) وسط معارضة الناشطين البيئيين والسكان الأصليين، وهذا ما جعل من وقف هذه المشاريع مسألة ذات رمزية هامة في جهود أوباما لمكافحة التغير المناخي.

 ترامب وعد خلال حملته الانتخابية أن يستكمل مد أنابيب النفط، وهو بادر في يومه الرابع في السلطة بتوقيع أوامر تنفيذية تتيح المضي بهذه المشاريع. وفي 24 آذار (مارس) 2017 أعلنت شركة ترانس كندا أنها تلقت تصريحاً رئاسياً يتيح لها متابعة العمل على أنبوب كيستون. وعلى الفور قامت مجموعات بيئية بالطعن في هذا التصريح أمام القضاء، لأن الدراسات البيئية القديمة للمشروع اعتبرت أن سعر برميل النفط لن يهبط دون المئة دولار طيلة عمر المشروع، في حين أن سعر البرميل حالياً هو أقل من ذلك بكثير.

 يبقى التصريح الرئاسي بمثابة موافقة على السير في إجراءات المشروع وليس تنفيذه، لأن هذا يتطلب موافقة المشرعين في ولاية نبراسكا، التي يعارض سكانها المشروع، وكذلك معالجة الرفض من طرف السكان الأصليين وملاك الأراضي، وغير ذلك من تعقيدات قانونية وقضائية تستلزم وقتاً طويلاً.

 مناجم الفحم

خلال حملته الانتخابية في الولايات المنتجة للفحم مثل وايومنغ وويست فيرجينيا وكنتاكي، تعهد ترامب بإحياء صناعة الفحم المتهالكة في الولايات المتحدة. هذا التعهد يبدو مستحيل التطبيق، إذ ليس بمقدور الفحم الصمود أمام الأسعار المتدنية للغاز ومصادر الطاقة النظيفة. وبالتالي فإن قيام ترامب بإلغاء التجميد الذي وضعه أوباما على إيجار الأراضي الاتحادية لشركات الفحم من خلال الأمر التنفيذي “استقلال الطاقة” لن يكون أكثر من خطوة سياسية.

 وفي جميع الأحوال، يبدو أن قطاع الفحم لن يحظى بالكثير من المكاسب، خاصةً بوجود مسؤولين في الإدارة الأميركية يؤيدون صناعة الغاز المنافسة، مثل وزير الخارجية القادم من شركة إكسون موبيل ذات الاستثمارات الواسعة في الغاز الصخري ومنشآت تحويل الغاز إلى بلاستيك. ولذلك توصف العلاقة بين صناعة الفحم والإدارة الأميركية الحالية بأنها أشبه بعلاقة الثقة بين الدجاج والثعالب. فرجال النفط والغاز في الإدارة الأميركية يضعون قطاع الفحم في الواجهة لتلقي سهام النقد، كما حصل في مشهد توقيع الأمر التنفيذي “استقلال الطاقة”، بوجود عمال الفحم خلف الرئيس، في حين أن الرابح الأكبر هو قطاع النفط والغاز.

 التنقيب عن النفط

باستخدام سلطات قانونية خاصة، جعل أوباما مساحات واسعة من المياه الأميركية خارج الحدود البحرية التي يُسمح بإيجارها لأغراض التنقيب عن النفط والغاز، ومن المستبعد أن يقوم ترامب بإجراءات معارضة بسبب التجاذبات القانونية التي ستنشأ، إضافة إلى تراجع حماس الشركات للتنقيب في البحار نتيجة انخفاض أسعار الوقود الأحفوري.

 المخاطر الحقيقية تتمثل في التنقيب على أراضي الولايات المتحدة، إذ يوجد تنافس كبير بين الشركات للحصول على حصص أكبر من الأراضي في مناطق ذات جدوى أعلى، هي في أغلبها ذات هشاشة بيئية مرتفعة، ولذلك من المتوقع أن يشهد الكونغرس معركة كبرى حول إتاحة بعض أراضي المحميات في ألاسكا أمام مشاريع التنقيب.

 رجال النفط حول الرئيس

قادة اللجان في مجلس الشيوخ الأميركي يؤيدون بشكل علني قطاع الطاقة على حساب البيئة. فرئيسة لجنة الطاقة، ليزا موركووسكي، هي من ولاية ألاسكا المعروفة بتأييدها القوي للنفط، ورئيس لجنة البيئة، جون باراسو، هو من ولاية وايومنغ أكبر منتج للفحم إلى جانب كونه من المشككين بالتغير المناخي. ومع ذلك، تبقى القضايا البيئية في وضع غير محسوم ضمن مجلس الشيوخ، لأن الكفة تميل بفارق بسيط لصالح الجمهوريين. ولعل فشل إدارة ترامب في إزاحة قانون “أوباما كير” حول الرعاية الصحية لن تكون حالة الفشل الأخيرة، بالرغم من وضع كل ثقلها لتمرير قانون بديل.

أما في السلطة التنفيذية، فنجد أن مراكز القوة تسيطر عليها شخصيات على صلة وثيقة بقطاع النفط والغاز، مثل مجموعة الأخوين كوش الصناعية، وهي ثاني أضخم شركة خاصة في الولايات المتحدة تعمل في مجال الصناعات الكيماوية والغاز والنفط. ويُذكر أن مايك بينس، نائب الرئيس، هو مقرَّب من مجموعة كوش، وكبير موظفي بينس كان يدير “غرفة تجارة شركاء الحرية” التي تموّلها المجموعة.

 كما أن رئيس وكالة حماية البيئة سكوت برويت، المدعي العام السابق لولاية أوكلاهوما والمنكر للتغير المناخي، تلقى تبرعات من أصحاب مصالح في الطاقة الأحفورية، خاصةً خلال حملته للترشح مدعياً عاماً في 2010، ورفع عشرات الدعاوى ضد وكالة حماية البيئة، بما في ذلك محاولاته لمنع تطبيق خطة الطاقة النظيفة. وهو كان مديراً لـ “صندوق الدفاع عن القانون” الذي تلقى تمويلاً كبيراً من منظمة “شركاء الحرية”، التي تمولها مجموعة كوش، وسبق له أن ترأس مجلس “الجمعية العامة للمدعين الجمهوريين”، التي دعمت وتلقت في المقابل تمويلاً معتبراً من شركات نفطية عدة، بما فيها مجموعتي كوش وإكسون موبيل.

 وزير الخارجية، ريكس تيليرسون، كان المدير التنفيذي ورئيس شركة إكسون موبيل، وهي أضخم شركة خاصة للنفط والغاز في العالم، ومن كبار المشككين بجدوى الطاقة المتجددة. وزير الطاقة، ريك بيري، كان حاكماً لولاية تكساس النفطية وعضو مجلس إدارة في الشركة التي تقف خلف استكمال تنفيذ أنبوب نقل نفط داكوتا.

 الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي تتبع في عملها وزارة التجارة، التي يرأسها الوزير ويلبور روس المدير السابق والمستثمر في شركة كبرى للنفط والغاز، وهو المالك السابق لـ “مجموعة الفحم الدولية”، صاحبة منجم ساغو في ويست فرجينيا، الذي انفجر في 2006 وأودى بحياة ستة من العمال.

 وزارة الداخلية، التي تتبع لها العديد من الإدارات الخاصة بالموارد الطبيعية مثل مكتب إدارة الأراضي العامة وخدمة المنتزهات العامة وخدمة الحياة البرية والأسماك وخدمة إدارة الموارد المعدنية، يرأسها الوزير رايان زينك، الذي كان مديراً وصاحب أسهم في شركة “كيو إس إنيرجي” العاملة في تكنولوجيا الحقول النفطية.

 وقد يكون سكوت برويت، رئيس وكالة حماية البيئة، أكثر شخص مثير للجدل في إدارة ترامب. فهو أنكر مؤخراً المساهمة الرئيسية لثاني أوكسيد الكربون في الاحترار العالمي، مما جلب عليه الكثير من الانتقادات لتناقض آرائه مع العلم المعمول به منذ سنوات طويلة. وبالرغم من غرابة تصريحات برويت، إلا أنها لا تبتعد كثيراً عن تصريحات رئيسه دونالد ترامب.

من اليمين: مايك بينس، سكوت برويت، ريكس تيليرسون، ويلبور روس ورايان زينك.

تغريدات ترامب المناخية

لعرض وجهة نظر ترامب حول التغير المناخي، قمنا بتحليل تغريداته عبر حسابه الرسمي على تويتر @realDonaldTrump فبلغت بمجملها أكثر من 34,600 تغريدة كانت أولاها في 4 أيار (مايو) 2009. من بين هذه التغريدات، توجد 119 تغريدة تطرقت بشكل مباشر للتغير المناخي، وهي جميعها تغريدات منكرة لحصوله باستثناء تغريدة واحدة.

 أول تغريدة لترامب حول التغير المناخي كانت في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011: «أثلجت بسماكة 4 إنشات (10 سم) في نهاية الأسبوع الماضي في مدينة نيويورك. لا زلنا في تشرين الأول (أكتوبر). هذا كثير جداً بالنسبة للاحترار العالمي». في هذه التغريدة نلاحظ أن ترامب خلط بين مفهوم الطقس كحالة جوية مؤقتة وبين مفهوم تغير المناخ كظاهرة ممتدة على فترة طويلة يتبدى الاحترار كأحد اتجاهاتها العالمية. هذا الخلط بين مفهوم الطقس والمناخ تكرر في 55 تغريدة، أي أن 46 في المئة من تغريدات ترامب المناخية كانت ترى في الأجواء الباردة برهاناً كافياً لعدم حصول تغير مناخي.

 من بين هذه التغريدات واحدة في مطلع 2013 تقول: «إنها تثلج في القدس وعلى كامل لبنان. احترار عالمي!» هذا الخلط بين مفهوم الطقس والمناخ يبدو متعمداً وليس عن جهل، إذ نجد ترامب مدركاً للفارق بين هذين المصطلحين عندما يضع المبررات لموجة الحر التي تعرضت لها الولايات الجنوبية الغربية في صيف 2013، فيقول: «لأتباع الاحترار العالمي، خلال 150 صيفاً (سنة) كانت هناك 20 موجة حر بسوء الموجة الحالية أو أسوأ. لقد حدث هذا من قبل!»

 آخر تغريدة مناخية لترامب كانت في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2015، وهي أيضاً تتضمن خلطاً بين الطقس والمناخ. ومن الملاحظ أن ترامب نشر تغريدتين فقط تتعلقان بالمناخ بعد إعلانه الترشح لمنصب الرئاسة في تموز (يوليو) 2015. فإذا علمنا أن أغلب الأميركيين بما فيهم 68 في المئة من المسجلين كناخبين يعتبرون التغير المناخي أمراً قائماً، كما ظهر في تقرير صادر عن جامعة يال في خريف 2015 وفي تقارير أخرى، فإن مصلحة ترامب أوجبت التوقف عن إثارة هذه المسألة، والاكتفاء بإطلاق الوعود المؤيدة أمام الفئات المتضررة من إجراءات مواجهة التغير المناخي تحت غطاء دعم الصناعة الوطنية وتوفير فرص العمل.

 تناول ترامب بالنقد سياسات إدارة أوباما المناخية ورآها سياسات خاطئة في 21 تغريدة، كما اعتبر في 20 تغريدة أن إجراءات مواجهة التغير المناخي تضر بالاقتصاد الوطني لصالح الصين، وهي إجراءات مكلفة. وتكررت كلمة “خدعة” بشكل صريح في سبع تغريدات للتأكيد على أن الأمر ليس أكثر من مؤامرة ضد الأميركيين. أكثر تغريدات ترامب شعبيةً كانت في نهاية 2012، ونصّها: «جرى إيجاد مفهوم الاحترار العالمي من قبل الصينيين ولصالحهم بهدف جعل التصنيع الأميركي غير تنافسي». وحازت هذه التغريدة على تأييد غير مسبوق بين متابعيه، فأعجب بها 67 ألف شخص في مقابل 14 ألف إعجاب للتغريدة التي تلتها من حيث الشعبية، وكانت تضم خلطاً بين الطقس والمناخ.

 المؤامرة التي افترضها ترامب امتدت لتشمل علماء المناخ أيضاً، ولذلك نجده في ربع تغريداته المناخية يلمّح إلى وجود تلاعب بالمصطلحات، كما في هذه التغريدة في نيسان (إبريل) 2014: «يوم صقيعي آخر في الربيع. ماذا يجري لـ “الاحترار العالمي”؟ خطوة جيدة بتغيير الاسم إلى “التغير المناخي”. أمر محزن!» معتبراً أن العلماء استبدلوا الاحترار العالمي بالتغير المناخي كون المصطلح الأخير يصلح لاتجاهي الدفء والبرودة. ولكن الحقيقة هي أن مصطلح التغير المناخي شاع استخدامه قبل مصطلح الاحترار العالمي، وهما مصطلحان مختلفان، إذ أن الاحترار العالمي هو أحد أشكال التغير المناخي الذي يضم أيضاً التغيرات في أنماط الهطول المطري والانتشار المتزايد للجفاف والأحوال المناخية المتطرفة وارتفاع مستويات البحار وغيرها.

في جميع تغريداته المناخية التي استمرت بين خريف 2011 وخريف 2015، كان ترامب مدافعاً شرساً عن وجهة نظره في إنكار التغير المناخي، حتى أنه شارك مقالات مضللة وعرض معلومات مجتزأة في 13 تغريدة. التغريدة الوحيدة التي تجاوز فيها حالة الإنكار كانت في 18 شباط (فبراير) 2014 عندما قال: «سواء أكان احتراراً عالمياً أو تغيراً، الحقيقة هي أننا لم نتسبب به. ولا يمكننا تغييره» أي أنه أنكر الدور البشري والقدرة على التأثير بالمناخ.

 تحوّلات تحكمها المصالح

بعد انتخابه رئيساً، أجرت صحيفة نيويورك تايمز حواراً مع ترامب في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، ومما قاله عن العلاقة بين الأنشطة البشرية والتغير المناخي: «أظن أن هناك صلة ما. يوجد شيء ما، وهذا يعتمد على مقدار ذلك. كما يعتمد على مقدار التكاليف التي ستتحملها شركاتنا. يجب أن تعلموا أن شركاتنا غير منافسة حالياً. أنا منفتح الفكر تجاه التغير المناخي».

 هذا التحول في تصريحات ترامب التقطه وزير الطاقة الجديد ريك بيري، المعروف هو الآخر بإنكاره للتغير المناخي، فإذا به يقول: «أعتقد أن المناخ يتغير، وأعتقد أن بعض هذا التغير ناتج عن أسباب طبيعية، ولكن بعضه أيضاً يتسبب به النشاط البشري».

 من الواضح أن مسألة التغير المناخي لدى فريق ترامب ليست قضية مبدئية ترتبط بالعلم والأخلاق بقدر ما ترتبط بالمكاسب السياسية على الصعيد الحزبي وبالمنافع الاقتصادية على المستوى الوطني. ولهذا من غير المستغرب أن نرى في المستقبل تحولات كبيرة في المواقف، إذا كانت هناك مكاسب ومنافع تنسجم مع مواجهة التغير المناخي.

 ترامب نفسه كان في فترة من الفترات مؤيداً لاتخاذ إجراءات عاجلة لوقف التغير المناخي، وهو أحد الموقعين على رسالة نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز قبل انعقاد مؤتمر كوبنهاغن المناخي في 2009 لحث أوباما على اتخاذ إجراءات تشريعية لحماية كوكب الأرض من المخاطر الكارثية لتغير المناخ، وجعل الولايات المتحدة مثلاً يحتذى من خلال الاستثمار في الطاقة النظيفة.

 كما أنه في 2014 قدم منحة مقدارها خمسة آلاف دولار لجمعية غير ربحية تعمل لمواجهة تغير المناخ. وعندما هدد تآكل السواحل ملعب الغولف الذي يملكه في إيرلندا، قامت شركته في 2016 بتقديم طلب للحصول على تصريح من أجل بناء جدار بحري لحماية ممتلكاته من “ظاهرة الاحترار العالمي وتأثيراتها”.

 الكثيرون يصفون ترامب بأنه زعيم ديماغوجي يسعى لكسب الدعم عن طريق مخاطبة الرغبات الشعبية والأفكار المسبقة بدلاً من استخدام الحجة العقلانية. لكن الإجراءات التي طبقها خلال مئة يوم من توليه الرئاسة تؤكد الاصرار على محاولة تنفيذ وعوده المتطرفة بشتى السبل. ومع ذلك، فإن هناك وقائع أصبحت راسخة في الحياة الأميركية بفضل السياسات التي سارت عليها وكالة حماية البيئة خلال السنوات الماضية، وأيضاً بفضل التنافسية التي فرضتها مصادر الطاقة المتجددة حول العالم. هل يستطيع ترامب تجاوز هذه الوقائع؟ الأمر مستبعد في بلد يسوده القانون وتؤثر فيه منظمات المجتمع المدني.

كلام صورة: ترامب يوقع الأمر التنفيذي “استقلال الطاقة” في مقر وكالة حماية البيئة بحضور عمال فحم وبحضور كلٍ من مايك بنس نائب الرئيس، ريان زينك وزير الداخلية، ريك بيري وزير الطاقة، سكوت برويت مدير وكالة حماية البيئة. الحضور الرسمي كان بأكمله على صلات وثيقة مع قطاع النفط والغاز.

ينشر بالتزامن مع موقع البيئة والتنمية 

 

اترك تعليقاً