حصة البيئة من الثورات

محمد التفراوتي17 ديسمبر 2012آخر تحديث :
حصة البيئة من الثورات
بقلــم نجيـب صعـب
لم يحن الوقت بعد لتحديد حصة البيئة من الثورات والانتفاضات التي تجتاح العالم العربي. الاشارات الأولى التي أمكن رصدها متفاوتة. فمع تخفيف التضييق على الجمعيات والأحزاب، بدأ بعض الناشطين البيئيين في مصر وتونس التحضير لتأسيس حركات خضراء مستقلة. ومع الاعلان عن قوانين جديدة للمطبوعات، بدأ البعض الاعداد لاصدار مجلات بيئية، وكان هذا متعذراً في الماضي. أما في تونس، فكانت وزارة البيئة والتنمية المستدامة من أولى ضحايا التغيير،  إذ  تم دمجها في وزارة الزراعـة، ولم تنجح احتجاجات حزب الخضر للتقدم في حمايتها.

najib-saab-00

وإذا كان لنا أن ندّعي بعض حصّـة من الثورات، ففي الحكومة المصرية ثلاثة وزراء من خبراء المنتدى العربي للبيئة والتنمية، ساهموا في اعداد  التقارير عن وضع البيئة العربية، التي أصدرها المنتدى خلال السنوات الثلاث الماضية. نتمنى أن يتاح لهم  أن ينفذوا في الحكم ما  اقترحوه في هذه التقارير، ان كان في التشريعات أو المياه أو  الزراعة  أو المواصلات.
غير أنه علينا انتظار ما يأتي، مع الأمل بأن تكـون البيئـة في أولويات الحكومات الجديدة المنتظرة. ولا بد أن تكون كذلك، إذا جاءت حكومات أكثر تمثيلاً لشعوبها. فحين يكون للناس الكلمة الفصل في تقرير مصيرهم، يتحـول الاهتمام من الصراع على البقاء والحسابات الضيقة، التي تنحصر في تأمين الحفاظ على مواقع التسلّط والتحكّم واستنزاف الموارد لجني مكتسبات سريعة للحاكم والحاشية، إلى الهدف الأهم والأسمى، وهو المستقبل المستدام للجميع.
السلطة التي لا تخضـع لمساءلة شعبية تسمح لنفسها بممارسة أقبح أشكال التدمير والانتهاك، لأنها تتعامل مع الثروات الطبيعية العامة كبقرة حلوب. وما زلنا نذكر فضائح تورّط مسؤولين وأبنائهم في طمر نفايات نووية وسامة في بلدانهم، لقاء حفنة من المال. وذاك المقاول السياسي الذي دمّر الجبال والغابات بمقالعه وكساراته، فكوفئ بوزارة. والذين باعوا ثروات بلدانهم الطبيعية بأرخص الأثمان لقاء بعض العمولات لهم ولذريّتهم. ناهيك عن الذي استنزف ثروة بلاده من المياه الجوفية لبناء «نهر عظيم» في أبشع ممارسة لجنون العظمة، ولم يحاسبه أحد. وماذا عن مشروع توشكي، الذي أضـاع  مياه النيل في رمال الصحراء؟
لذا، نأمل أن تتمخّض الانتفاضات عن أنظمة حكم  أكثر تمثيلاً للشعوب العربية. فحين يمتلك الناس مصيرهم، يصبح المستقبل ذا معنى لهم، ولا يعود اهتمامهم محصوراً بصراع البقاء يوماً بيوم. والعمل للمستقبل يعني الحفاظ على رأس المال الطبيعي، أي ثروات البلد فوق الأرض وفي باطنها، التي هي حق للجميع وللأجيال المقبلة، وليست ملكاً لحاكم أو لحزب أو حتى لجيل بكامله. فالمجتمع استمرار. ولكن هل ننتظر أن يعمل للمستقبل حاكم كلّ همّـه أن يستنزف البقرة الحلوب خلال حكمه الزائل، أو مواطن مقهور يكاد يفقد الشعور بالانتماء إلى وطن سُـلب منه ولم يُـترك له رأي في ادارة مقدّراته؟
غير أن أملنا، أيضاً، ألاّ تقود الانتفاضات إلى الفوضى. فالعمل لمستقبل مستدام يتطلب استقراراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، كما يتطلب الحفاظ على حق الشعوب بالحرية والكرامة واخضاع الحاكم للمحاسبة والمساءلة. ولا يجوز المفاضلة بين الاثنين.
الانتظار لم يعد خياراً، اذ إن كل يوم نخسره لا يمكن تعويضه. وفي حين يمكن للحكومات شراء الوقت بطبع أوراق العملة لمواجهة الانهيارات المالية، لا يمكنها أن تطبع الماء والهواء والتراب للتعويض عن خسارة رأس المال الطبيعي.
البيئة هي الرابحة، إذا أنتجت الانتفاضات الشعبية أنظمة حكم ديموقراطية وعادلة ومستقرة. أنظمة تضع البيئة في طليعة أولوياتها، وتحول وزارة البيئة إلى وزارة سيادية بامتياز، وهي حتى اليوم في عالمنا العربي وزارة من الدرجة الثانية، تُـعطى كجائزة ترضية للأقليات الدينية والحزبية، التي يستكثرون عليها وزارات أخرى.
بعد أن تنتهي الحروب والنزاعات والثورات والانتفاضات، ليس هناك مهرب من استحقاق البيئة. فالثوار أيضاً يحتاجون إلى مياه عذبة يشربونها وهواء نظيف يتنفسونه وتربة خصبة لغذاء يأكلونه.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!