اخر المقالات: هل تتخلص الصين من عادة الفحم؟ || بروز الثقافة الأشولية بشمال إفريقيا منذ مليون و 300 ألف سنة || تدبير الموارد الطبيعية من خلال الاستخدام المستدام للمياه والتربة بالأطلس المتوسط || أجندة مناخية بقدر مجموعة العشرين || كيفية تحقيق صفر انبعاثات الغازات || مسؤوليتنا تجاه مهاجري المناخ || مواجهة التحديات العالمية من منطلق حقوق الإنسان || نظام الغذاء العالمي يفقد صلاحيته || فداحة الطرح الإثيوبي لسد النهضة من منظور الاقتصاد الأزرق || تحيين مساهمة المغرب في تخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة || السباق إلى الرخاء المستدام || وبدأ الأحباش فى الملىء الثانى لبحيرة سد النهضة || تباري دولي حول النخلة في عيون العالم و النخلة بألسنة بالشعراء || الجمهورية البيئية || عن الحرية والتآمر والتلقيح || الصحفية فاطمة ياسين تتوج بجائزة الحسن الثاني للبيئة || حفل التتويج بجائزة الحسن الثاني للبيئة   || أحمر الشفاه وكوفيد-19 || مبادرة طموحة بالمغرب لاقتصاد بلاستيكي دائري || المفتاح إلى التنمية ||

 ودرع للوقاية من التصحر… وللناس فيها مآرب أخرى

آفاق بيئية : حسن هرماس (ومع)

يشهد المغرب منذ سنوات دينامية متواصلة إزاء عدد من القضايا التي تكتسي بعدا كونيا، في مقدمتها القضايا البيئية التي حظيت باهتمام كبير تمثل في اتخاذ مجموعة من المبادرات التي تصب في اتجاه المحافظة على البيئة والعناية بها، منها إنشاء هيئات ومؤسسات تهتم بقضايا قطاعية محددة لها صلة بحماية المحيط البيئي. ولم تكن هذه المبادرات التي تكاثرت خاصة خلال العشرية الأخيرة عبارة عن ترف، وإنما هي انخراط جدي ومدروس من طرف المغرب للتعبير عن قدرته على التصدي للمشاكل الكبرى الناجمة عن التلوث البيئي بوسائله الذاتية، وكفاءاته الوطنية كما يبرهن على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، إنشاء “صندوق محاربة التلوث”، وإطلاق “جائزة الحسن الثاني للبيئة”، وإنشاء وزارة مختصة بالقضايا البيئية خلال الحكومات المتعاقبة، وإحداث المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر. ولم تقتصر هذه الدينامية الملفتة للإنتباه على القطاع العمومي فحسب، بل انخرط القطاع الخاص والمجتمع المدني المغربي بدورهما في هذه الأوراش حيث تعرف مختلف مناطق المغرب إطلاق مبادرات كان لها وقع إيجابي رائد ونموذجي ليس على الصعيد الوطني فحسب، ولكن على الصعيد القاري والدولي، كما تبرهن على ذلك نتائج التجارب الميدانية والأبحاث العلمية المغربية التي وجدت طريقها إلى النشر في أشهر الدوريات المتخصصة على الصعيد العالمي، فضلا عن الرغبة التي تبديها بعض البلدان في الاستفادة من التجربة المغربية في مجال حماية البيئة خاصة في الشق المتعلق منها بمحاربة التصحر. ومن ضمن المشاريع الرائدة التي يحق للمغرب أن يفتخر بها في هذا المجال، هناك المبادرة التي أقدمت عليها “مؤسسة الجنوب للتنمية والتعاون”، والمتمثلة في إجراء تجارب على نبتة “جاتروفا” في ضيعة نموذجية بمنطقة أيت عميرة في إقليم اشتوكة ايت باها ابتداء من سنة 2007. ومنذ إطلاق هذه التجربة، اتضحت بالملموس النتائج الباهرة التي تمخضت عنها. ويقول السيد عبد الله بوتي، الكاتب العام للمؤسسة المعترف لها بالمنفعة العمومية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن فكرة إطلاق هذا المشروع يستند إلى ثقة المؤسسة في الكفاءات العلمية الوطنية، إضافة إلى حرصها على أخذ المبادرة إسهاما في تحقيق التنمية على مختلف الأصعدة.

وأوضح السيد بوتي أن المشروع الخاص بنبتة “جاتروفا” (صنف جاتروفا كيركاس) انطلق بداية بجلب عينات من شتائل هذه النبتة من اللاووس والهند والسنغال ومالي ليتم بعد ذلك استنباتها في المغرب تحت البيوت المغطاة وبإشراف كفاءات مغربية، مشيرا إلى أنه بعد مرور 14 شهرا على انطلاقة هذا المشروع بدأت حبات ثمر النبتة تنمو، ليشرع بعد ذلك في تطوير التجربة حيث ارتفعت المساحة المخصصة للمشروع من هكتارين إلى 16 هكتارا. وتزامنت هذه العملية مع حمى ارتفاع أسعار الذهب الأسود على الصعيد العالمي، الشيء الذي عمق التفكير على الصعيد الكوني حول البحث عن بدائل طاقية، تحل مكان البترول. وفي هذا الخضم، تلقت مؤسسة الجنوب طلبات من العديد من الدول التي أبدت رغبتها في الإطلاع على حصيلة التجارب المغربية في استثمار نبتة “جاتروفا” لاستخراج المحروقات النظيفة. غير أن الهدف الذي وضعته “مؤسسة الجنوب للتنمية والتعاون” نصب أعينها وهي تقدم على هذه التجربة الرائدة، ليس هو تطوير نبتة “جاتروفا” لاستخراج المحروقات من ثمارها، وإنما للتأكد من مدى مقاومة هذه النبتة للعطش وقدرتها على الصمود في وجه التقلبات الجوية القاسية التي تسود في المناطق الجافة وشبه الجافة، إضافة إلى قدرتها على التصدي لزحف التصحر الذي يعاني منه المغرب خاصة في مناطقه الجنوبية.

واستندت المؤسسة في قرارها عدم توظيف هذه التجربة في إنتاج المحروقات لكون استثمار نبتة جاتروفا، التي لا تستهلك سوى نصف لتر من الماء أسبوعيا، في هذا الإنتاج يتطلب على الأقل استغلال مساحة أرضية تتراوح ما بين 50 ومائة ألف هكتار، بمعدل ألفين و500 شجرة في الهكتار الواحد، مما يعني أن الاستثمار في هذا المجال لن يكون منتجا إلا ابتداء من 125 مليون شجرة. واتضح للقائمين على هذا المشروع في المؤسسة أن الإستثمار الزراعي في نبتة جاتروفا بالمغرب، لا يمكن أن يكون على حساب الإنتاج الغذائي للمواطن، لاسيما في ظل محدودية الموارد المائية في بعض المناطق من المملكة، وما تعرفه مناطق أخرى من عجز متفاقم في هذه المادة الحيوية، وهو ما بلور القناعة بأن إمكانية الاستثمار الفلاحي في نبتة جاتروفا بالمغرب لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق اللجوء إلى تحلية مياه البحر، أو تدوير المياه العادمة. ومن خصائص شجرة جاتروفا أن معدل حياتها يتراوح بين 40 و50 سنة، في حين يتراوح علوها بين 7 و8 أمتار مما يجعل اللجوء إلى التشذيب أمر ضروري لتسهيل عملية جني الثمار.

وبخصوص فوائد هذه النبتة، فعلاوة عن كون ثمارها تستخدم في استخلاص “البنزين الأخضر” الذي لا يترتب عن استهلاكه دخان ملوث، وإنما يتحول إلى ماء سائل غير ملوث، فإنها تتميز بقدرتها الكبيرة على النمو في التربة الفقيرة من ناحية المكونات العضوية، فيما يؤدي التساقط المتواصل لأوراق هذه الشجرة إلى تخصيب طبيعي للمساحات الأرضية مع مرور الوقت. ومن الخصائص الإيجابية أيضا لنبتة جاتروفا، قدرتها الكبيرة على التأقلم مع المناخ الجاف وعلى الوقوف سدا منيعا في وجه زحف التصحر. كما أن إنتاجها من مادة الأكسيجين يفوق بنسبة 30 في المائة جميع أصناف الشجر الأخرى، إضافة إلى إمكانية إخضاع ثمارها، بعد استخلاص “البنزين الأخضر” منها، لعملية تصفية من المواد السامة بواسطة آليات تكنولوجية لتصبح كلأ جيدا لتسمين الماشية.

وتفيد معطيات أن بعض الشركات العالمية الكبرى مثل (بوينغ) و(مرسيديس) أجرت تجارب ناجحة على استخدام “البنزين الأخضر” المستخلص من نبتة جاتروفا في محركات الآليات التي تنتجها، إلا أن الإقدام على مغامرة الاستثمار في هذا لمجال لأغراض إنتاج الوقود بالدرجة الأولى لا زال يراوح مكانه على الصعيد العالمي، اللهم التجربة التي أقدمت عليها الهند والمتمثلة في غرس حوالي خمسة ملايين هكتار مستغلة في ذلك الظروف المناخية لهذا البلد المترامي الأطراف، والذي يتوقع أن يكون له مستقبلا شأن كبير في مجال إنتاج الطاقة النظيفة عن طريق نبتة جاتروفا.

اترك تعليقاً