اخر المقالات: المحيطات في صلب الرهانات المناخية || تعافي أسعار الغذاء العالمية  || كوفيد-19 والثورة الحيوية || المناقشة التي نحتاج إليها في مجال البيانات السلوكية || هل ستنقذ الجائحة البشرية ؟ || من تكون أحزاب الخضر عبر العالم؟ || تطورات نفوق أسماك ببحيرة سيدي بوغابة ـ بالقنيطرة || جائحة البلاستيك || لماذا الاستعداد للكوارث لا يستطيع الانتظار || الحقوق التاريخية لمصر و السودان فى مياه النيل الشرقى || ضاية سيدي بوغابة وإشكالية نفوق أسماكها || حان وقت توسيع ودعم الجدار الأخضر الافريقي || في شأن نفوق أسماك ببحيرة سيدي بوغابة || التنمية المستدامة تبدأ بالاستثمار في الطفل || الجائحة تكشف عن ضرورة تحويل الزراعة العالمية || جائحة البلاستيك || المعهد الوطني للبحث الزراعي واستخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة || الملتقى العربي الأول للتنوع البيولوجي 2020 || الصفقة الخضراء الأوروبية || الإنتقال إلى الطاقات المتجددة بالعالم العربي ليست خيار إنها ضرورة ||

د. حمدي هاشم

يعود ميلاد “نهر النيل” إلى تحركات القشرة الأرضية قبل (30) مليون سنة، وذلك النشاط البركاني الذي تشكلت عنه “مرتفعات الحبشة” بمنطقة القرن الأفريقي (نافورة المياه في شرقي أفريقيا)، ولا يزال النهر يتدفق عبر منطقة جيولوجية مستقرة، عدا المنطقة العليا منه المتقاطعة مع صفيحتي البحرين الأحمر والميت، والتي يحيط بها كثير من الصدوع أو الفوالق الأرضية. ويعود الثبات في مسار النيل السطحي إلى تدرج طبوغرافية المجرى وديناميكية التضاريس، التي تسحب “حوض النهر” إلى الأسفل، حتى دلتا النيل والمصب بالبحر المتوسط، خلال كل هذه الملايين من السنين. وكشفت رتابة تلك البيئة النهرية المثالية عن جوهر “مصر هبة المصريين” في تعظيم الاستفادة من النيل وبناء الحضارة المصرية المستديمة.

تلزم الأماكن مواقعها الجغرافية، ولا تنفك من دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ومن تغير فصول السنة، وتباين عناصر الطقس والمناخ والبيئة، ومقدراتها من الطاقة المتجددة، الشمسية والنهرية، وغير ذلك، التي تتأثر بالتغيرات المناخية المرتبطة بطبيعة الكوكب بين البرودة والدفء، وانعكاس ذلك على الإنسان من كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية. الأمر الذي يخالف أحادية الحكومة الإثيوبية من ناحية السيادة الإقليمية والتحكم في مياه الأمطار، وليدة الغلاف الجوي للأرض، ببناء سلسلة من السدود ومنها سد النهضة المتوقع دخوله الخدمة نهاية (2020)، وحجتها “منبع المجرى المائي” وليس فقه “حوض النهر”، مصدر “الوحدة الطبيعية للشعوب” وتحقيق مصالح دول الحوض المشتركة.

ولا تلتزم ظروف مناخ الأمطار بويترة واحدة في حوض النيل، بل تتفاوت جغرافية التساقط السنوي وتختلف بين منابع النيل الأزرق (إثيوبيا) ومنابع النيل الأبيض (أوغندا)، رافدي نهر النيل. وحسب دستور الطبيعة، لا تؤول ملكية هذه الأمطار مجتمعة لدولة بعينها دون أخرى، لأن ملكية المياه قسمة في الحوض بين دول هذا النهر الدولي، الذي يقوم على مجراه المجمع كل من  السودان (دولة الممر) ومصر (دولة المصب). وتتهيأ فرصة هطول الأمطار خلال شهور فصل الصيف لالتقاء تيارات الكتل الهوائية القادمة من المحيطين الأطلنطي والهندي باتجاه الهضبة الحبشية، التي تشكل سقف أفريقيا لارتفاعها وامتدادها على نحو ثلث مساحة إثيوبيا، والتي تنقسم لأجزاء شمالية غربية، فيها تقع “بحيرة تانا” منبع النيل الأزرق (يمثل 85% من مياه نهر النيل)، وجنوبية شرقية (ينبع منها نهر جوبا في الصومال)، يفصل بينها الاخدود الإثيوبي الرئيسي المسكون بالزلازل والانهيارات الصخرية.

ويحمل معه اختيار موقع “سد النهضة” على الأطراف بالحدود الغربية (داخل منطقة غير مستقرة جيولوجياً) كثيراً من الشكوك، وهل تنفق حكومة إثيوبيا (أكثر من 4 مليارات دولار أمريكي) لمجرد تنظيم الري وحماية السدود بالسودان؟ والخديعة في ذلك التخزين الاستراتيجي من المياه (74 مليار م3) من أجل إنتاج الكهرباء، دون الحاجة لاستخدامها في الزراعة بالري السطحي، حيث تخلو منطقة السد الإثيوبي من تلك الأراضي، تبعاً لطبيعة الصخور فيها ودرجة الانحدار القوية. والأسباب غير معلنة، قد يكون منها استغلال خطر انهيار السد وتجنيد السودان بالمصالح المشتركة لحمايته من أي هجوم عسكري محتمل، مقابل استمرار إثيوبيا في أسر كميات ضخمة من هذه المياه العائدة للسودان ومصر، بحجة حقها الإقليمي في ذلك، بل الإجهار بالاتجار فيها ولا يستبعد حصول إسرائيل على حصة منها.  

تواجه اللجنة الفنية الثلاثية (خبراء من إثيوبيا والسودان ومصر) عقبات كثيرة منذ (2011) للوصول إلى اتفاق يخفف من الآثار البيئية لسد النهضة على دولة المصب. وهناك دراسة مرجعية: وثيقة الاستغلال الرشيد لموارد حوض نهر النيجر بين الدول المشتركة فيه (1963)، تقوم على إعلاء المنظور الدولي المحكوم بقوانين الطبيعة، وبمفاهيم التعاون الدولي، وليس بمفاهيم السيادة الإقليمية الضيقة لكل دولة. بالتوافق مع مكونات الدورة الهيدرولوجية للأمطار، التي تدخل الغلاف الجوي للأرض وترتطم بالجبال والتلال وتواصل تتدفقها وسريانها على سطح وباطن الأرض، في صورة مجاري مائية تنتهي بالاتجاه نحو مصباتها. وعلى ذلك يتأسس مفهوم السيادة الإقليمية المقيدة في مجال الانتفاع المشترك بمياه النهر الدولي، وتحقيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية من أجل رفاهية كافة شعوب دول الحوض.

اترك تعليقاً