اخر المقالات: الطيران والبيئة :إدارة المطارات الخضراء || الفاو يدعو إلى إجراء تحوّل في نظمنا الغذائية || سبل تنظيف المحيطات من البلاستيك || تغير المناخ وحرائق الغابات وشح المياه تسبب تدهور الغابات || منع لحم البقر ؟ || رئيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة يستقيل  || التكيف مع أزمة تغير المناخ || وجوب وضع استراتيجيات متكاملة و تحديد أولويات واضحة لأهداف التنمية المستدامة || ربط النظم المالية مع أهداف التنمية المستدامة || تقرير علمي حول تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية || حوار حصري مع الكاتب والإعلامي البيئي المغربي محمد التفراوتي || أفضل جناح دولي للامارات في الملتقى الدولي التاسع للتمور 2018 بأرفود || اللوجستيك و تنمية سلسلة التمر || اكتشاف أداة مصنوعة من العظام يعود تاريخها إلى 90 ألف سنة بالمغرب || المغرب ينحو نحو شراكة بيئية إفريقية  قوية || تقييم الاجراءات الحكومية المحرزة بشأن تغير المناخ || مشروع نظام للتتبع والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات || مبادرة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها || القضاء على الجوع : أعمالنا هي مستقبلنا || الموارد المائية المستدامة والبيئة النظيفة في البحر المتوسط ||

آفاق بيئية : البيئة والتنمية – عبد الهادي النجار

 أثارت دراسة في مجلة “نيتشر” أن منطقة الخليج هي أولى المناطق المؤهلة لتصبح غير صالحة للسكن بسبب تغير المناخ هلعاً حين نُشرت قبل سنتين. ونظراً لأن هذه المنطقة منبسطة وذات سماء صافية أغلب الأيام، وتحتوي جسماً مائياً ضحلاً، فإن ارتفاع درجات الحرارة، الذي يترافق مع زيادة الرطوبة نتيجة التبخر، يظل خطراً جاثماً يهدد مدن الخليج الكبرى بتجاوز “عتبة البقاء”.

 وتُحدَّد “عتبة البقاء” بمقدار الحرارة والرطوبة التي يستطيع فيهما الإنسان العيش في غياب التبريد الصناعي، وتصل هذه العتبة إلى ست ساعات في منطقة غير محمية تكون حرارتها 35 درجة مئوية. إن الدول الخليجية الغنية قادرة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة إلى حد ما، لكن الدول المجاورة ذات الدخل المنخفض، مثل اليمن، ستكون قدرتها على مواجهة المشكلة محدودة.

 وحتى في دول المنطقة الغنية، توجد حالات يضطر فيها الناس إلى البقاء في العراء لوقت طويل كما في موسم الحج أو في مواقع المشاريع الهندسية، وهذا يؤدي إلى زيادة التعرض لضربات الشمس وارتفاع فرص الإصابة بأمراض وعائية مثل السكتات الدماغية.

 ولكن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة نتيجة الظروف الطبيعية للمنطقة وتغير المناخ العالمي. فهي تشمل أيضاً بقاء درجات الحرارة مرتفعةً إلى ما بعد غياب الشمس، بفعل ظاهرة جزر الحرارة الحضرية التي تعاني منها المدن في دول الخليج وفي جميع أنحاء العالم.

 إن “جزر الحرارة الحضرية” ظاهرة جوية عُرفت مع نشوء المدن الضخمة منذ القرن التاسع عشر، وهي حصيلة الدور الذي تلعبه مواد البناء والرصف الطرقي في الحد من انعكاس أشعة الشمس، بالمقارنة مع ما كان يقوم به الغطاء النباتي في المناطق التي شهدت توسعاً حضرياً. وينتج عن ذلك إنبعاث طاقة مضافة على شكل حرارة إلى الهواء المحيط.

 كلما كان السطح أكثر قتامة، كلما نقص انعكاس الأشعة وارتفعت حرارة الهواء المحيط. وللمقارنة، فإن الطرق الإسفلتية النظيفة تعكس ما نسبته 4 في المئة فقط من ضوء الشمس، في حين تصل النسبة إلى 25 في المئة في المراعي الطبيعية و90 في المئة في السطوح المغطاة بالثلج.

 مخاطر جزر الحرارة الحضرية

تشغل المناطق الحضرية 2 في المئة من سطح اليابسة، وهي تعاني بدرجات متفاوتة من ظاهرة جزر الحرارة. ووفقاً لوكالة حماية البيئة الأميركية، تزيد درجة حرارة مدينة نيويورك بمعدل 1 إلى 3 درجات مئوية عن درجة حرارة الريف المحيط بها، وتصل هذه الزيادة إلى 12 درجة مئوية في بعض أمسيات الصيف.

 وقد اعتبر بعض المشككين في حصول التغير المناخي أن الاحترار العالمي هو مجرد وهم صنعته آلاف محطات الرصد الجوي الريفية، التي أصبحت مع الزمن محاطة بمناطق حضرية وتأثرت بجزر الحرارة. ولتقييم هذا الأثر، جرت مقارنة اتجاهات الحرارة في المناطق النائية مع تلك في المناطق التي شهدت توسعاً مدنياً، فكانت الفوارق ضئيلة على المستوى العالمي.

 جزر الحرارة الحضرية يمكن أن تتحول إلى ظاهرة قاتلة، خاصةً في الليل عندما يكون كبار السن والمرضى في حاجة للراحة من قيظ النهار. ووفقاً لبحث جديد نشره المجمع الأميركي لعلم أمراض القلب مؤخراً، يمكن لزيادة درجات الحرارة أن تسبب ارتفاعاً حاداً في حصول النوبات القلبية.

 ويبدو أن هذا ما حصل خلال موجة الحر في أوروبا سنة 2003، التي أودت بحياة 70 ألف شخص كان يعيش مجملهم في منازل من دون تكييف. ووفقاً للأطباء، لم تكن درجات الحرارة التي قاربت الأربعين درجة مئوية هي السبب المباشر لوفاة هذا العدد الكبير من البشر، وإنما كانت الوفيات نتيجة لبقاء درجة الحرارة مرتفعة خلال الليل أيضاً، حيث تجاوزت 30 درجة مئوية.

 وتزداد فرص تكرار الكارثة التي عرفتها أوروبا قبل 15 سنة مع مرور الوقت، بسبب تغير المناخ وتوسع المناطق الحضرية. فحسب ورقة علمية نشرت في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” في 2014، من المتوقع أن يؤدي التوسع العمراني في الولايات المتحدة خلال هذا القرن إلى «زيادة درجات الحرارة القريبة من سطح الأرض بمقدار 1 إلى 2 درجة مئوية ضمن مساحات إقليمية واسعة».

 وتوجد تهديدات مماثلة تواجهها مناطق أخرى سريعة التمدن، بما فيها الصين والهند وأفريقيا، التي ستزيد مساحتها الحضرية في 2030 بمقدار ستة أضعاف مقارنة بما كانت عليه الحال في سنة 1970. وهذا سيجعل السكان في هذه المناطق «معرضين بشدة لخطر تغير المناخ المدفوع بتغير استخدامات الأراضي».

كيف تخفض المدن حرارتها؟

تناقش دراسة حديثة، نشرت في دورية “نيتشر جيوساينس”، الفكرة التي تقول إنه إذا كانت الألوان القاتمة لمواد البناء والرصف ترفع درجة حرارة المدن، فهل يساعد استخدام الألوان الفاتحة في خفض حرارتها؟ وتجيب الدراسة أن هذا الإجراء كفيل بإنقاص الحرارة بمقدار 2 إلى 3 درجات مئوية في أيام الصيف الحارة. وهذا من شأنه أن ينقذ أرواح الكثيرين، حين تزداد جدوى الأسطح العاكسة مع زيادة الإشعاع الشمسي.

 هناك العديد من المبادرات الصغيرة لزيادة انعكاس أشعة الشمس عن أسطح المباني. فعلى سبيل المثال، تنص كودات البناء في مدينة نيويورك منذ سنة 2012 على طلي الأسطح العلوية بمواد ذات لون أبيض عاكسة لأشعة الشمس. وكان متطوعون من أبناء المدينة بادروا لطلاء نحو 700 ألف متر مربع من الأسطح القاتمة بالدهان الأبيض ضمن مبادرة “السطح البارد”.

 تحاول مدينة شيكاغو السير على خطى مدينة نيويورك. وفي السنة الماضية أطلقت مدينة لوس أنجلس برنامجاً لطلاء شوارعها الإسفلتية بمادة خاصة تعكس أشعة الشمس. وكانت اختبارات أجرتها المدينة أظهرت أن تغطية الإسفلت بهذه الطبقة يقلل الحرارة القريبة من سطح الأرض بمقدار 10 درجات مئوية في أيام الصيف الحارة.

 وتقتصر مبادرات الأسطح العاكسة خارج الولايات المتحدة على تشجيع السكان على طلاء أسطح المنازل من أجل منفعة القاطنين، ولا تهدف المبادرات إلى إنقاص حرارة المدن أو الأحياء داخلها. لذلك تبقى فعالية مثل هذه المبادرات غير ملحوظة، وإن كانت الدراسات حول العالم تتوقع نتائج مؤثرة لها عند تعميمها، لاسيما في البرازيل وشبه الجزيرة العربية.

 ويوجد خيار آخر للحد من ظاهرة جزر الحرارة الحضرية يعتمد على إضفاء اللون الأخضر على المدن، من خلال زراعة النباتات والأشجار. في سنة 2016، كانت مدينة سان فرانسيسكو أول مدينة أميركية تفرض على الأبنية الجديدة أن تكون صديقة للبيئة، بما في ذلك اعتماد الأسقف الخضراء. وفي السنة الماضية، أعلنت نيويورك عن برنامج بقيمة 100 مليون دولار لإحياء التبريد بالأشجار. كما يعمد بعض المهندسين إلى بناء “جدران حية” للأبنية، تغطيها النباتات.

 أيهما أفضل: سقف أبيض أم سقف أخضر؟ الآراء هنا متباينة، لكن زراعة النباتات على الأسطح لها العديد من الميزات المضافة. فإلى جانب مساهمتها في التبريد خلال موسم الصيف، تعمل الأسطح الخضراء كطبقة عازلة تحافظ على حرارة المباني خلال موسم الشتاء.

 يبقى خيار ثالث يمكن أن يدخل على خط المنافسة، وهو تغطية الأسطح بالألواح الشمسية. ومن شأن ذلك أن يخفض درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة خلال فصل الصيف في مدينة مثل سيدني الأوسترالية. لكن بعض الدراسات وجدت نتائج معاكسة لاستخدام الألواح الشمسية، حيث انه في المزارع الشمسية الكبيرة في الصحراء كانت الألواح تعمل كغطاء عازل في الليل يحد من تبريد الرمال.

 إن معالجة جزر الحرارة الحضرية من خلال زيادة الانعكاس ليست كافية لمواجهة تغير المناخ العالمي. فلو تم طلاء كل الأسقف والشوارع في جميع المدن حول العالم بالدهان الأبيض، فإن ذلك قد يؤدي إلى تأخير الاحترار العالمي لمدة 11 سنة فقط. لكن القيام بمثل هذا العمل يساعد من دون شك في تخفيف مخاطر الحرارة الزائدة داخل المدن وينقذ حياة الكثيرين، عدا عن تلطيفه للأجواء.

 في عالم يزداد فيه السكن في المدن، التي ستحتضن 6 بلايين شخص في سنة 2050، من المتوقع أن يكون للتغير المناخي تأثير واسع على ظاهرة جزر الحرارة الحضرية. وفيما يقدر باحثون من مركز الأرصاد الجوية البريطاني أن الفارق في درجات الحرارة بين المناطق الحضرية والريفية سيصل في بعض المناطق إلى ما نسبته 30 في المئة، خاصةً في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا، فإنه من اللافت أن هذه الظاهرة لا تلقى الاهتمام الذي تستحقه في هذه المناطق.

(يُنشر بالاتفاق مع مجلة البيئة والتنمية)

اترك تعليقاً