آفاق بيئية: محمد التفراوتي
اختتمت مسقط ثلاثة أيام من الحوار المناخي المكثف، جمعت مسؤولين وخبراء وعلماء وباحثين وممثلين عن المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، حول قضايا ترسم ملامح المرحلة المقبلة من العمل المناخي.
تحت شعار «من الرؤية إلى التنفيذ»، حملت النسخة الثانية من أسبوع عمان للمناخ 2026، الذي نظمته هيئة البيئة بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض، رسالة واضحة: تسريع الانتقال من الالتزامات والخطط إلى مشروعات وبرامج ذات نتائج قابلة للقياس، مع توسيع دائرة الشراكات والاستثمار والابتكار.
وجاءت التوصيات الختامية لتضع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والتقنيات منخفضة الكربون في صدارة مجالات الاستثمار المناخي، إلى جانب تطوير أسواق الكربون وآليات التمويل المناخي، وتعزيز التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني.
وتعكس هذه التوجهات طبيعة التحول الذي يشهده النقاش المناخي. فالقضية أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بالاستثمار والتكنولوجيا والبنية الأساسية والاقتصاد والصحة وجودة الحياة، كما ترتبط بقدرة الدول والمجتمعات على بناء حلول طويلة الأمد للتكيف مع آثار تغير المناخ.
منصة تجمع السياسة بالعلم والاستثمار
أهمية أسبوع عمان للمناخ تنبع من تنوع الأطراف التي يجمعها حول القضايا نفسها. المسؤول الحكومي يلتقي بالباحث، والخبرة الدولية تتقاطع مع التجربة الوطنية، والقطاع الخاص يجد مساحة للتعرف على فرص الاستثمار، فيما يحصل الشباب والمبتكرون على منصة لعرض أفكارهم وبناء علاقات جديدة مع المؤسسات والخبراء.
ظهر هذا التنوع بوضوح في برنامج الأيام الثلاثة، الذي تحرك بين المساهمات المحددة وطنيا، والتمويل المناخي، وأسواق الكربون، والطاقة، والمدن الذكية، والتكنولوجيا، والقدرة على الصمود، وحماية الطبيعة، والمياه والصحة، وصولا إلى الابتكار وريادة الأعمال والمشاركة الشبابية.
وتكتسب مثل هذه المنصات أهمية أكبر مع اتساع الفجوة بين حجم التحديات المناخية وسرعة الاستجابة لها. و يساعد الحوار المتخصص على تشخيص هذه الفجوات، وتبادل التجارب، واستكشاف فرص التعاون، فيما تمنح اللقاءات الثنائية والورش والمساحات التفاعلية فرصا لتحويل الأفكار إلى شراكات ومشروعات.
الاستثمار في الطاقة النظيفة
حظي التحول في قطاع الطاقة بمكانة أساسية ضمن مخرجات الأسبوع، مع الدعوة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، ودعم التقنيات منخفضة الكربون.
ويمثل هذا المحور جزءا مركزيا من التحول الاقتصادي المرتبط بالمناخ، خصوصا مع تنامي الحاجة إلى مصادر طاقة أكثر استدامة، وتطوير صناعات جديدة، وخلق فرص استثمارية ووظائف ومهارات مرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
كما ارتبط هذا النقاش بتطوير أدوات تمويلية وأسواق قادرة على دعم المشروعات المناخية، وهو ما جعل تمويل المناخ وأسواق الكربون والمادة السادسة من اتفاق باريس ضمن المحاور البارزة في البرنامج.
المناخ يدخل تفاصيل المدينة
انتقلت النقاشات أيضا إلى الفضاء الحضري، من خلال بحث مستقبل المدن الذكية والبناء المستدام وكفاءة استخدام الطاقة والتنقل المستدام.
وأصبحث المدينة إحدى أهم ساحات العمل المناخي، باعتبارها تجمع السكان والأنشطة الاقتصادية والنقل والمباني والخدمات. ولذلك فإن تطوير مبان أكثر كفاءة، وتحسين أنظمة النقل، واعتماد حلول تقنية ذكية، يمكن أن يجمع بين خفض الانبعاثات وتحسين جودة الحياة.
وتعزز الورش المتخصصة هذا التوجه من خلال التركيز على كفاءة استخدام الطاقة في البيئة العمرانية في عمان، وربط الاستراتيجية الوطنية بالتصميم العملي للمباني.
الطبيعة والمياه والصحة في قلب القدرة على الصمود
خصص اليوم الثالث مساحة مهمة للعلاقة بين تغير المناخ وحماية التراث الطبيعي والثقافي، ودور المجتمعات المحلية والمعرفة التقليدية والنظم البيئية في تعزيز القدرة على التكيف.
كما امتد النقاش إلى المياه والصحة والبنية الأساسية، وهي قطاعات تتأثر بصورة مباشرة بتغير المناخ وتحتاج إلى استثمارات وسياسات تعزز قدرتها على الصمود.
وفي مؤتمر «هواء نظيف من أجل الصحة والازدهار»، اتخذ الحوار بعدا أكثر ارتباطا بالحياة اليومية، من خلال بحث تلوث الهواء في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وجودة الهواء، والانبعاثات الصناعية، والنقل النظيف، والفوائد المشتركة بين العمل المناخي والصحة العامة.
و يوسع هذا الترابط بين المناخ والصحة وجودة البيئة دائرة الاهتمام بالعمل المناخي، ويجعل نتائجه مرتبطة مباشرة بحياة السكان ورفاههم.
الاقتصاد الدائري.. تحويل الموارد إلى فرص
حضر الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات واسترداد الموارد ضمن الرؤية التي حملها الأسبوع، باعتبارها مجالات تجمع بين حماية البيئة والكفاءة الاقتصادية والابتكار.
وقدمت الورش والفعاليات التفاعلية نماذج عملية لهذا التوجه، من بينها ورشة تناولت الاستدامة والاقتصاد الدائري بأسلوب تفاعلي، إلى جانب تحديات إيكوثون عمان 2026 التي شملت هدر الغذاء وانبعاثات غازات الدفيئة، وزيوت الطهي، والتلوث باللدائن الدقيقة، ومعالجة التربة الملوثة، ورصد الميثان والانبعاثات المتسربة.
وتحمل هذه التجارب قيمة خاصة، لأنها تضع المشاركين أمام مشكلات واقعية وتدفعهم نحو تطوير حلول ونماذج أولية قابلة للاختبار والتطبيق.
الشباب.. من مساحة الحوار إلى مساحة الحلول
كان حضور الشباب من أبرز محطات أسبوع عمان للمناخ، مع استضافة المؤتمر الإقليمي للشباب حول المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (RCOY MENA 2026)، بمشاركة نحو 500 شاب وشابة من أكثر من 22 دولة.

ناقش المشاركون التكيف والقدرة على الصمود، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وخفض الانبعاثات وإزالة الكربون، والاقتصاد الدائري، والمدن المستدامة، والوظائف والمهارات الخضراء، وريادة الأعمال الشبابية، والتمويل المناخي والتنقل المستدام والتقنيات المناخية.
وتعززت هذه المشاركة عبر هاكاثون ريادة الأعمال الخضراء، والجلسات الحوارية وورش العمل ومساحات التواصل مع الخبراء وصناع القرار.
وتمنح هذه المقاربة الشباب فرصة الانتقال من متابعة النقاش المناخي إلى المساهمة في تطوير الحلول والمبادرات والسياسات، مع بناء شبكة إقليمية قادرة على تبادل الخبرات وربط الطاقات الشبابية بالمؤسسات الوطنية والدولية.
المعرفة تتحول إلى أدوات
خصص أسبوع عمان للمناخ مساحة مهمة لبناء القدرات، من خلال حلقات وورش تناولت المادة السادسة من اتفاق باريس وأسواق الكربون، وكفاءة استخدام الطاقة في البيئة العمرانية، والتوعية بتغير المناخ، والمرونة النفسية للمجتمع التربوي، وأدوات دعم القرار في سلسلة قيمة الهيدروجين الأخضر.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية عملية، لأن تنفيذ السياسات المناخية يحتاج إلى كفاءات متخصصة، وإلى معرفة علمية قادرة على التعامل مع البيانات والتقنيات والتمويل وإعداد المشروعات وتقييم نتائجها.
وشكل وبذلك أسبوع عمان للمناخ مساحة متعددة المستويات، تلتقي فيها الرؤية السياسية مع البحث العلمي، والاستثمار مع الابتكار، والطاقة مع المدن، والطبيعة مع الصحة، والشباب مع صناع القرار.
وفي ختام ثلاثة أيام من اللقاءات والنقاشات والورش والتجارب، تبرز أولوية واضحة: تسريع الاستثمار في الحلول المناخية، وبناء شراكات أوسع، وتحويل الأفكار والنماذج الناجحة إلى مشروعات قابلة للتوسع، وربط المعرفة العلمية بالتطبيق العملي.
وتظل قيمة هذه الملتقيات مرتبطة بما تتركه وراءها من تعاون ومشروعات وقدرات جديدة. فقاعة المؤتمر تفتح باب الحوار، والورشة تصقل الفكرة، والشراكة تمنحها فرصة النمو، والاستثمار يحولها إلى مشروع، والقياس يكشف أثرها على الأرض.
بهذه السلسلة من الحلقات يمكن أن تقترب الرؤية من التنفيذ، ويصبح العمل المناخي مسارا عمليا تتقاطع فيه السياسات والاستثمار والعلم والابتكار والمجتمع.
من مسقط، انتهت أيام الحوار، وبدأت مرحلة اختبار الأفكار على أرض الواقع.



































