آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في لحظة مفصلية بالنسبة لحوكمة المحيطات العالمية، تبنت ست عشرة دولة من إفريقيا وآسيا وأوروبا والكاريبي والمحيط الهادئ “إعلان مومباسا” خلال الدورة الحادية عشرة لمؤتمر “محيطنا” المنعقد بمدينة مومباسا الكينية، في أول نسخة من المؤتمر تستضيفها دولة إفريقية.
ويأتي هذا الإعلان ليشكل تحالفا دوليا جديدا من أجل تعزيز الشفافية في قطاع مصايد الأسماك ومواجهة أحد أخطر التحديات التي تهدد النظم البحرية والأمن الغذائي العالمي، وهو الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم.
لقد أصبح الصيد غير القانوني اليوم أكثر من مجرد مخالفة لقوانين البحر. فهو نشاط عابر للحدود يستنزف المخزونات السمكية، ويقوض جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي، ويحرم المجتمعات الساحلية من مواردها الأساسية، ويهدد سبل عيش ملايين الصيادين التقليديين. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عنه تصل إلى نحو خمسين مليار دولار سنويا، فضلا عن ارتباطه في كثير من الحالات بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والعمل القسري في البحر.
ومن هذا المنطلق، يؤكد إعلان مومباسا أن الشفافية أصبحت أداة استراتيجية لحماية المحيطات وضمان استدامة الموارد البحرية. فالمبادرة تستند إلى “الميثاق العالمي لشفافية مصايد الأسماك”، الذي يقدم إطارا عمليا يساعد الحكومات على تحسين الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالسفن وأنشطة الصيد وتراخيص الاستغلال والملكية الحقيقية للشركات العاملة في القطاع.
وتتجسد أهمية الإعلان في التزامات ملموسة تعهدت بها الدول الموقعة، من بينها تحديث السجلات الرقمية للسفن، ونشر تراخيص الصيد واتفاقيات الولوج إلى الموارد البحرية، واعتماد معرفات فريدة للسفن الصناعية، والكشف عن المالكين المستفيدين الحقيقيين للشركات والسفن المتورطة في أنشطة الصيد. كما يشدد الإعلان على تعزيز المراقبة والتتبع البحري وتبادل المعلومات بين الدول من أجل سد الثغرات التي تستغلها شبكات الصيد غير المشروع.
ويتجاوز هذا الرهان الجانب الرقابي ليشمل بناء اقتصاد أزرق أكثر عدالة واستدامة. فالإعلان يعترف بالدور المحوري للصيادين التقليديين والنساء والشباب والمجتمعات الساحلية في إدارة الموارد البحرية، ويؤكد أن الوصول إلى البيانات والمعلومات الموثوقة يسهم في اتخاذ قرارات أفضل ويعزز الثقة بين مختلف الفاعلين.
ويحمل اختيار مومباسا لإطلاق هذه المبادرة دلالة خاصة، إذ يعكس تزايد حضور القارة الإفريقية في النقاشات العالمية المتعلقة بالمحيطات. فالكثير من الدول الإفريقية تواجه ضغوطا متزايدة بسبب الصيد غير المشروع الذي يستهدف مياهها الإقليمية ويؤثر على أمنها الغذائي واقتصاداتها المحلية. لذلك يمثل الإعلان فرصة لتعزيز التعاون الدولي وتعبئة الدعم التقني والمالي لمساعدة الدول النامية على تحديث أنظمة المراقبة والحوكمة البحرية.
إن إعلان مومباسا ليس مجرد وثيقة سياسية جديدة، بل هو رسالة واضحة مفادها أن حماية المحيطات تبدأ من الشفافية. إن إعلان مومباسا يتجاوز كونه وثيقة سياسية جديدة، ليشكل دعوة جماعية إلى ترسيخ الشفافية كمدخل أساسي لحماية المحيطات وضمان استدامة مواردها. فكلما أصبحت بيانات السفن وأنشطة الصيد أكثر انفتاحا وإتاحة، تراجعت مساحة الإفلات من العقاب، وتعززت فرص الحفاظ على الثروة السمكية للأجيال القادمة.
في ظل الضغوط المتنامية التي تتعرض لها النظم البيئية البحرية نتيجة التغير المناخي والاستغلال المفرط للموارد، قد يشكل هذا الإعلان خطوة مهمة نحو بناء حوكمة بحرية عالمية أكثر مسؤولية، يكون فيها البحر فضاء للعيش والتنمية المستدامة، لا مجالا للفوضى والاستنزاف الخفي للثروات.










































