في رحاب الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM)

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
في رحاب الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM)

حين يسبق العلم القرار… لماذا أصبحت اللجنة العلمية (SAC) ركيزة حوكمة المصايد في البحر المتوسط؟

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

تبدو اجتماعات اللجان العلمية، للوهلة الأولى، أحداثا تقنية لا تستقطب اهتمام الرأي العام، إذ تعقد بعيدا عن عدسات الكاميرات، وتغلب عليها لغة الأرقام والنماذج الرياضية والتقييمات البيولوجية. غير أن هذا الانطباع يخفي حقيقة مختلفة. فداخل هذه الاجتماعات تتشكل، في كثير من الأحيان، الأسس التي ستحدد مستقبل إدارة الموارد الطبيعية لعقود مقبلة. وما ينطبق على المناخ والتنوع البيولوجي، ينطبق أيضا على مصايد الأسماك في البحر المتوسط، حيث أصبحت المعرفة العلمية حجر الزاوية في بناء سياسات الحماية والاستغلال المستدام.

وفي هذا السياق، اكتسبت الدورة السابعة والعشرون للجنة العلمية الاستشارية للمصايد (SAC27)، التابعة للهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط (CGPM)، أهمية خاصة باعتبارها عكست بوضوح التحول الذي تشهده فلسفة إدارة المصايد البحرية، ورسخت مكانتها كفضاء لتبادل الرؤى حول مستقبل القطاع. وقد تجاوز النقاش خلالها مسألة تقدير كميات الأسماك أو تحديد مواسم الصيد، ليركز على كيفية بناء إدارة قادرة على التوفيق بين متطلبات الأمن الغذائي، والمحافظة على النظم البيئية البحرية، والتكيف مع آثار التغير المناخي، وتعزيز التعاون بين دول تتقاسم البحر نفسه، لكنها لا تتقاسم دائما الرؤية نفسها.

ويواجه البحر المتوسط اليوم مرحلة دقيقة من تاريخه البيئي. فهو بحر شبه مغلق، يتميز بتنوع بيولوجي استثنائي، لكنه في الوقت نفسه من أكثر البحار تعرضا للضغوط البشرية. فالصيد المكثف، وارتفاع درجات حرارة المياه، وتدهور الموائل البحرية، والتلوث، والأنواع الدخيلة، جميعها عوامل أعادت تشكيل المشهد البحري خلال العقود الأخيرة، وفرضت على العلماء إعادة النظر في كثير من المسلمات التي كانت تحكم إدارة المصايد.

واتسعت دائرة التساؤلات لتتجاوز مجرد معرفة حجم المخزون السمكي، نحو قضايا أكثر عمقا تتعلق بكيفية تغير البحر نفسه، ومدى تأثير التحولات المناخية في دينامية الأنواع البحرية، والأدوات العلمية الكفيلة بفهم هذه التغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. وفي هذا السياق، انتقل البحث العلمي من موقع المراقب إلى موقع الشريك الأساسي في صياغة السياسات البحرية.

ومن خلال تصريحات رئيس اللجنة العلمية الاستشارية للهيئة، الدكتور محمد ملولي الإدريسي، تتضح ملامح هذا التحول. فالرؤية التي قدمها نطلق من رؤية للمصايد باعتبارها منظومة معقدة تتداخل فيها المعرفة العلمية مع الاعتبارات البيئية والاجتماعية والمؤسساتية، إلى جانب دورها بوصفها قطاعا اقتصاديا حيويا. لذلك، فإن الحديث عن المخزونات السمكية يقود بالضرورة إلى الحديث عن جودة البيانات، وعن النماذج العلمية، وعن تأثير تغير المناخ، وعن قدرة الدول على تحويل نتائج البحث العلمي إلى سياسات فعالة.

وأوضح الدكتور محمد ملولي الإدريسي أن إشكالية المخزون السمكي في البحر المتوسط لا ترتبط فقط بحجم الموارد البحرية، وإنما بجودة المعطيات العلمية المتاحة، ومستوى الالتزام بتدابير الإدارة، والقدرة على فهم التحولات البيئية التي تؤثر في دينامية المخزونات. وأكد أن الإدارة الرشيدة لا يمكن أن تستند إلا إلى تقييمات علمية دقيقة ومستمرة، لأن المعرفة أصبحت اليوم الشرط الأول لأي سياسة ناجحة في مجال إدارة المصايد.

وتحمل هذه الرؤية دلالة تتجاوز مضمون الاجتماع نفسه. فهي تعكس انتقالا تدريجيا من إدارة تقوم على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، إلى إدارة تسعى إلى استباق المخاطر من خلال تحسين جودة المعرفة العلمية، وتطوير أدوات الرصد، وتعزيز التعاون بين الباحثين والمؤسسات والدول. إنها فلسفة جديدة ترتقي بالاستثمار في البحث العلمي إلى مرتبة الركائز الأساسية لحماية الموارد البحرية وضمان استدامتها.

ولعل أهم ما يميز هذه المقاربة أنها تنقل مركز الثقل من النقاش حول كمية الأسماك التي يمكن اصطيادها إلى النقاش حول قدرة البحر على تجديد موارده والحفاظ على توازنه البيئي. فالمخزون السمكي يمثل حصيلة تفاعلات معقدة تشمل المناخ، والموائل البحرية، والضغوط البشرية، والخصائص البيولوجية لكل نوع. ويعد فهم هذه العلاقات شرطا أساسيا لبناء قرارات إدارية تعالج الأسباب الكامنة وراء الاختلالات، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

ومن هنا تكتسب اللجنة العلمية مكانة متزايدة داخل منظومة الحوكمة البحرية في البحر المتوسط، لما تضطلع به من دور محوري في إنتاج المعرفة العلمية التي تشكل الأساس الذي تستند إليه السياسات والقرارات المتعلقة بإدارة المصايد. وكلما ازدادت دقة هذه المعرفة، ازدادت قدرة صناع القرار على رسم سياسات أكثر توازنا بين متطلبات الاستغلال الاقتصادي وواجب المحافظة على الثروات البحرية. غير أن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه سؤالا لا يقل أهمية. إذا أصبح العلم أكثر قدرة على تفسير ما يجري في البحر، فهل أصبحت منظومات الحوكمة أكثر قدرة على الاستجابة لما يقوله العلماء؟ ذلك هو السؤال الذي سيظل حاضرا في خلفية هذه السلسلة، لأن مستقبل البحر المتوسط يتشكل من خلال التفاعل بين ما تنتجه المختبرات العلمية من معرفة، وقدرة المؤسسات والدول على تحويل هذه المعرفة إلى قرارات تتخذ في الوقت المناسب.

يتبع…

في الحلقة الثانية: كيف تتحول البيانات البيولوجية وتقييمات المخزون إلى بوصلة تقود قرارات إدارة المصايد؟ ولماذا أصبحت جودة المعطيات العلمية أحد أهم مفاتيح حماية الثروة السمكية في البحر المتوسط؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!