من فيضانات شمال المغرب إلى كارثة نيبال: إنذار من عالم تتغير فيه قواعد المناخ
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
من فيضانات شمال المغرب إلى الكارثة التي ضربت سفوح الهيمالايا، تتباعد الجغرافيا، لكن الخيط الذي يصل بين المشهدين أقصر مما يبدو. مياه تخرج عن مجاريها هنا، وجبال تتحرك هناك، ومجتمعات تجد نفسها في مواجهة أحداث تتجاوز في سرعتها وقدرتها على التدمير ما أعدته لها خطط الطوارئ.
في عالم أصبح أشبه بقرية صغيرة، لم تعد الكوارث المناخية شأنا محليا ينتهي عند الحدود. إنذار يصدر من منطقة قد يكون رسالة مبكرة لمنطقة أخرى، وحادثة تقع في أقصى آسيا يمكن أن تعيد طرح أسئلة تبدو بعيدة عن المغرب، لكنها في جوهرها تمس مستقبل المجتمعات والاقتصادات والبيئة في كل مكان.
وفي قلب هذا المشهد، بين جنوب الصين وشمال الهند، تقع نيبال، الدولة الجبلية التي تتكئ على الهيمالايا وتعيش تحت ظلالها ومياهها ومخاطرها. هناك، تحولت كارثة 26 أغسطس 2026 في منطقة لانغتانغ ليرونغ إلى سلسلة مدمرة من الأحداث بدأت بانهيار صخري وجليدي على ارتفاع يقارب 5150 مترا، ثم تحولت إلى انهيار حطامي وفيضان سريع امتد إلى المناطق الواقعة أسفل الجبل.
وقد خلصت دراسة لفريق منظمة إسناد الطقس العالمي (World Weather Attribution – WWA) إلى أن الاحترار المناخي الناجم عن النشاط البشري لعب دورا في تهيئة الظروف التي ساهمت في وقوع الكارثة، من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الجليد وذوبان التربة الصقيعية، مع استمرار تأثير عوامل جيولوجية سابقة، بينها الاضطرابات التي خلفها زلزال 2015. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الكارثة.
تغير المناخ لم يصنع الجبل من جديد، لكنه غير شروط استقراره
فارتفاع الحرارة في المناطق الجبلية العالية يعني تغيرا في العلاقة بين الصخور والجليد والمياه. وعندما تتراجع الكتلة الجليدية التي كانت تسهم في تثبيت بعض المنحدرات، وتذوب التربة الصقيعية التي تعمل كنوع من “الإسمنت الطبيعي” للجبال، يمكن أن تصبح المنحدرات أكثر هشاشة أمام عوامل أخرى، من الزلازل إلى الأمطار والحرارة والتجمد والذوبان.
وقد أظهرت دراسة المنظمة ( WWA) أن درجات الحرارة في المنطقة خلال يوليوز وغشت 2026 كانت أعلى بنحو 1.5 درجة مئوية نتيجة الاحترار الناجم عن النشاط البشري، بينما شهدت المنطقة ظروفا حرارية استثنائية خلال صيف الكارثة. كما أن الأنهار الجليدية في المنطقة تفقد نحو نصف متر من سماكتها سنويا منذ عام 2000، وفقا للتحليل.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحا عند وضع كارثة غشت ضمن سجل أطول. فبيانات المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال (ICIMOD)، المنشورة في 2026، تشير إلى أن الأنهار الجليدية في منطقة هندو كوش والهيمالايا فقدت ما يصل إلى 27 مترا من سماكة الجليد منذ عام 1975، وأن معدل فقدان الجليد تضاعف بعد عام 2000. وبين 1990 و2020 تراجعت المساحة الإجمالية للأنهار الجليدية بنحو 12في المائة، مع تفاوت واضح بين المناطق.
وهذه الأرقام تضيف إلى كارثة نيبال معنى يتجاوز حدود الحدث نفسه. فالخطر لا يكمن فقط في فقدان الجليد، وإنما في تغير وظيفة الجليد داخل النظام الجبلي.
نيبال في مواجهة الجبال المتجمدة
الهيمالايا تمثل أحد أهم مخازن المياه الطبيعية في آسيا. وتنبع منها أحواض أنهار يعتمد عليها مئات الملايين من السكان، بينما يقدر المركز (ICIMOD) أن نحو ملياري شخص يرتبطون بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمياه التي توفرها منطقة هندو كوش والهيمالايا. وهنا تظهر مفارقة المناخ. فقد يؤدي تسارع ذوبان الجليد في بعض المناطق إلى زيادة المياه ومخاطر الفيضانات والانهيارات على المدى القصير، بينما يؤدي فقدان المخزون الجليدي والثلجي على المدى الطويل إلى تقليص قدرة الجبال على تنظيم تدفق المياه خلال المواسم الجافة.
وفي أبريل الماضي، سجلت منطقة هندو كوش والهيمالايا مستوى من الغطاء الثلجي يقل بنسبة 27.8 في المائة عن المتوسط طويل الأمد، وهو الانخفاض الرابع على التوالي، ما دفع المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال (ICIMOD) إلى التحذير من تصاعد المخاطر على الأمن المائي للأحواض النهرية الكبرى. إذن، القضية لا تتعلق بذوبان الجليد وحده. إنها قضية مياه وطاقة وزراعة وأمن غذائي واستقرار اجتماعي.
الكارثة المركبة
تكشف نيبال أيضا عن تطور مهم في فهم الكوارث الجبلية. ما حدث لم يكن حدثا منفردا، وإنما سلسلة متتابعة. انهيار صخري وجليدي، ثم تدفق حطامي، ثم فيضان سريع، ثم تدمير للطرق والجسور والمنشآت، ثم عزل للمجتمعات وصعوبة في الوصول إليها. هذه السلسلة هي ما يجعل مفهوم الكارثة المركبة أكثر أهمية في التخطيط للمستقبل.
وتشير دراسة المنظمة (WWA) إلى أن موجة الحطام والفيضانات تحركت بسرعة كبيرة، بما جعل قدرات التكيف والاستجابة تواجه حدودا صعبة، خصوصا في بيئة جبلية تضيق فيها المساحات الصالحة للسكن وتتركز فيها الطرق والأنشطة الاقتصادية في الوديان. وهنا تحديدا تصبح المقاربة التقليدية لإدارة الكوارث غير كافية. فالتحذير من ارتفاع منسوب النهر وحده لا يكفي إذا كان مصدر الخطر قد بدأ بانهيار جبل في أعلى الحوض. ومراقبة الطقس وحدها لا تكفي إذا كان الخطر جيولوجيا وجليديا في الوقت نفسه.
المشكلة ليست في الجليد وحده
تطرح الكارثة سؤالا آخر يتعلق بالتنمية. تحتاج نيبال إلى الطرق والطاقة والجسور والسياحة والبنية التحتية. لكن هذه المنشآت تتركز في بيئة جبلية شديدة الحساسية. لذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في إعادة تعريف البنية التحتية الآمنة في ظل مناخ متغير. فالجسر الذي صمم استنادا إلى سجلات الفيضانات السابقة قد لا يكون قادرا على تحمل تدفق حطامي يحمل الصخور والجليد. ومشروع الطاقة الكهرومائية يحتاج إلى حساب مخاطر الانهيارات والفيضانات المفاجئة وتغير مجاري الأنهار. والطريق الجبلي يحتاج إلى خرائط مخاطر تأخذ في الاعتبار حركة المنحدرات وتراجع الجليد والتغيرات المستقبلية في الأمطار والثلوج. وبذلك تصبح سياسات التكيف جزءا من سياسة التنمية نفسها.
هل يمكن الاستعداد لكارثة بهذا الحجم؟
وتقول المنظمة (WWA) أن بعض الأحداث الجبلية ذات الحجم الكبير تضع قدرات التكيف الحالية أمام حدود صعبة، خصوصا في المناطق التي تتركز فيها المجتمعات والبنية التحتية داخل الأودية. لكن هذا لا يعني الاستسلام أمام الخطر.
بل يعني أن المطلوب هو تغيير طبيعة الاستعداد. المراقبة المستمرة للأنهار الجليدية. ورصد التربة الصقيعية. ثم استخدام الأقمار الصناعية. ومراقبة حركة المنحدرات. وربط بيانات الزلازل بالأرصاد والأنهار. وكذا تطوير أنظمة إنذار متعددة المخاطر. ووتبادل البيانات بين الدول التي تتشارك الأحواض الجبلية. وهنا تبرز مشكلة أخرى: المراقبة العلمية نفسها ما تزال محدودة مقارنة بحجم المنطقة.
وتشير المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال (ICIMOD) إلى أن شبكة الرصد المباشر لا تزال محدودة، وأن 18في المائة فقط من الأنهار الجليدية الـ38 التي تشكل أساس سلسلة الرصد الطويلة تفي بمعايير الأنهار الجليدية المرجعية المعتمدة دوليا. وهذه ثغرة كبيرة. فكيف يمكن بناء سياسة إنذار مبكر فعالة في منطقة لا نملك فيها بيانات كافية عن جميع مصادر الخطر؟
من نيبال إلى المغرب… ومن الكارثة إلى الإنذار
قد تبدو المسافة بين شمال المغرب والهيمالايا هائلة. لكن الرسالة واحدة: المخاطر تتغير، ولذلك يجب أن تتغير معها طريقة التفكير في إدارة الكوارث. لا تكفي الاستجابة بعد وقوع الحدث. ولا تكفي المساعدات الطارئة.
ولا تكفي إعادة بناء البنية التحتية بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل الكارثة. المطلوب هو الانتقال من إدارة الكارثة إلى إدارة الخطر.
وهذا يعني أن المجتمع الدولي يحتاج إلى الاستثمار في المعرفة والمراقبة والإنذار المبكر والبنية التحتية المرنة، إلى جانب خفض الانبعاثات التي تدفع الاحترار العالمي. فإذا كان العلم قد أصبح قادرا على كشف بعض الشروط التي تجعل الجبال أكثر هشاشة، فإن التحدي السياسي هو تحويل هذه المعرفة إلى قرارات قبل سقوط الجبل.
الهيمالايا كإنذار عالمي
كارثة نيبال تمنح العالم فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين المناخ والجبال والتنمية. فالجبال المتجمدة ليست منظرا طبيعيا فحسب. إنها مخازن للمياه، ومنظمات طبيعية لتدفق الأنهار، وموائل للتنوع البيولوجي، ودعامة لاقتصادات ومجتمعات بأكملها. وعندما تفقد هذه المنظومة استقرارها، فإن آثار ذلك لا تبقى فوق القمم. تنزل إلى الأودية، ثم إلى المدن، ثم إلى الاقتصاد، ثم إلى الأمن المائي والغذائي. ومن هذه الزاوية، فإن نيبال لا تواجه كارثة واحدة فقط.
إنها تواجه اختبارا جديدا لعلاقة الإنسان بجبل يتغير تحت تأثير الاحترار والتنمية والضغط الجيولوجي.
أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المجتمع الدولي، فهي واضحة: الإنذار الذي يأتي من الهيمالايا لا يخص نيبال وحدها.
إنه إنذار إلى كل منطقة جبلية، وكل دولة تبني بنيتها التحتية في مجرى نهر، و كل مجتمع يعتمد على الجليد والثلوج كمخزون طبيعي للمياه. والدرس الأكثر إلحاحا هو أن الوقاية لم تعد خيارا مؤجلا. الجبل الذي يتغير ببطء قد ينتج كارثة في دقائق.























