أركان وأسواق الكربون: نحو نموذج بيئي جديد للاستثمار والتنمية المستدامة

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
أركان وأسواق الكربون: نحو نموذج بيئي جديد للاستثمار والتنمية المستدامة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

الأركان وأسواق الكربون: من التثمين البيئي إلى آفاق التنمية المستدامة

  انعقدت ندوة علمية حول “سوق الكربون وزراعة أركان: فرص الاستثمار والتنمية المستدامة”، في إطار المؤتمر الدولي لأركان في نسخته الثامنة، أدار جلستها رشيد مصدق كاتب عام المعهد الوطني للبحث الزراعي.

استهل الدكتور رشيد مصدق الندوة بمداخلة تمهيدية للملتقى الحواري، أبرز من خلالهأهمية النقاشات المرتبطة بالتغيرات المناخية وآليات التمويل الكربوني، مشيرا إلى أن هذه القضايا أصبحت اليوم في صلب الاهتمامات الدولية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها العالم في مجالات الانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر. وأوضح أن الأسواق المرتبطة بالكربون تفتح آفاقا جديدة أمام النظم البيئية والمجالات الهشة، بما فيها المنظومات الزراعية والغابوية، لتثمين أدوارها البيئية، لاسيما في ما يتعلق بعزل الكربون والمساهمة في تحقيق الحياد الكربوني.

وأشار إلى أن هذه التحولات تطرح في المقابل العديد من الأسئلة العلمية والعملية المرتبطة بمدى قدرة القطاعات الإنتاجية على الانخراط في هذه الدينامية الجديدة، خاصة في ما يتعلق بقياس البصمة الكربونية، وتحديد العوامل التي قد تحد من ولوج المنتجات إلى أسواق الكربون. وفي هذا السياق، تساءل عن موقع زراعة شجر أركان ضمن هذه الرهانات الجديدة، وإمكانية إدماجها في مشاريع التمويل المناخي وآليات التعويض الكربوني.

كما شدد الدكتور مصدق على أهمية التفكير في سبل تمكين الفلاحين والعاملين في سلسلة أركان من الاستفادة من التمويلات المناخية، عبر تطوير مشاريع موثوقة ومستدامة تستجيب للمعايير الدولية، وتضمن في الوقت ذاته مردودية اقتصادية وبيئية حقيقية. وأضاف أن الهدف من هذا اللقاء يتمثل في فتح نقاش جماعي لاستكشاف الفرص التي توفرها أسواق الكربون، ومناقشة الشروط الضرورية لإرساء مشاريع قابلة للتنفيذ وذات مصداقية، بعيدا عن أي مبالغة أو تقديرات غير دقيقة.

وأكد في ختام تقديمه أن هذا النقاش يروم أيضا تعميق التفكير حول آليات التمويل والحياد الكربوني داخل قطاع أركان، وخلق فضاء للحوار وتبادل الآراء بين الباحثين والفاعلين والمؤسسات، بما يسهم في بلورة تصورات عملية حول مستقبل اركان الفلاحي في سياق التحولات المناخية والاقتصادية الراهنة.

أركان وتمويل المناخ: نحو إدماج الفلاحين الصغار في أسواق الكربون العالمية

وفي نفس السياق استعرض الدكتور حكيم بولال مدير برنامج بالمعهد الافريقي لتغذية النبات المعهد الأفريقي لتغذية النبات (APNI) رؤية داعمة لمستقبل أركان الفلاحي من خلال ربطه بأسواق الكربون كآلية لتمكين الفلاحين الصغار من قيادة جهود الاستعادة البيئية. أوضح أن أركان  شجرة ذات قيمة اقتصادية، ونظام اجتماعي وثقافي متجذر في مناطق الوسط الغربي للمغرب، حيث ترتبط معيشة الساكنة المحلية بتنوعه البيولوجي الذي يوفر الغذاء، وعلف الحيوانات، والخشب، فيما تشكل تعاونيات النساء ركيزة أساسية في سلسلة إنتاج زيت أركان، بما يضمن لهن استقلالية مالية وفرص عمل.

و ركز على أن التمويل المناخي عبر أسواق الكربون يمكن أن يفتح آفاقا جديدة لأركان، إذ أن حقوله تمتلك قدرة معتبرة على تخزين الكربون سواء في الكتلة الحيوية أو في الكربون العضوي للتربة. لكنه نبه إلى أن الوصول إلى هذه الأسواق ما يزال محدودا بسبب غياب منهجيات ملائمة للسياق المغربي، وضعف البيانات الموثوقة، وغياب نماذج شاملة للدفع مقابل الخدمات البيئية. واستشهد بتجربة ناجحة في أوغندا، حيث مكن مشروع الكربون الخاص بالقهوة من إشراك آلاف الفلاحين، توزيع آلاف الشتلات، وصرف مبالغ مالية مباشرة لهم عبر آليات دفع مقابل الخدمات البيئية، مؤكدا أن هذا النموذج يمكن أن يستأنس به في حالة أركان.  و بين أن المقاربة المطلوبة تستدعي تطوير إطار علمي صارم لقياس الكربون في التربة وإدماجه في تقييم الاعتمادات الكربونية، لأن الكربون تحت الأرض يمثل مخزونا كبيرا لم يستغل بعد. كما دعا إلى تنويع منظومة أركان عبر إدخال نباتات متكيفة مثل الصبار، بما يعزز الأمن الغذائي ويوفر موارد إضافية، مع ضرورة إجراء تحليلات اقتصادية وبيئية لضمان الجدوى.

في ختام مداخلته، طرح الدكتور حكيم بولال فكرة “الاعتماد الكربوني الممتاز لأركان”، وهو نموذج يقوم على إشراك الفلاحين الصغار في برامج الكربون العالمية وفق معايير مثل “Plan Vivo”، مع ضمان موافقة حرة ومسبقة منهم، وربطهم مباشرة بآليات التمويل المناخي. بهذا التصور، يصبح أركان أداة بيئية لمكافحة التغير المناخي، و منصة اجتماعية واقتصادية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والأرض، حيث يقود الفلاحون أنفسهم عملية الاستعادة ويجنون ثمارها عبر أسواق الكربون.

أركان وخزان الكربون الأرضي: الرهانات العلمية لاعتماد منظومة أركان في سوق الكربون

و أوضح الدكتور جمال حلام، باحث بالمعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA)، أن اختيار شجرة أركان  رهان استراتيجي على نظام بيولوجي فريد يجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كما أنها تستوفي ثلاثة معايير. التكيف والتخفيف والتنوع البيولوجي كفوائد مشتركة، وهذه المعايير مطلوبة بشدة من قبل سوق الكربون.   وجوابا على سؤال لماذا أركان وليس النخيل الذي يستوفي نفس المعايير مثلا، أبرز السيد حلام أن  قطاع أركان هو  الأكثر تنظيما من بين مشاريع الزراعة والغابات واستخدام الأراضي غير الزراعية، مما يسهل التعاقد مع المستفيدين. وأوضح أنه فيما يتعلق بالمناطق القاحلة وشبه القاحلة، خلافا لأنواع أخرى كالنخيل، يتميز بقدرة عالية على تثبيت الكربون نظرا لطبيعة خشبها الكثيفة للغاية وهذا يسمح بالتخزين على المدى الطويل، على عكس النخيل الليفي الذي يتحلل بسرعة كبيرة بعد موته.
لكن الميزة الرئيسية للشجرة ليست الكربون المخزن في خشبها، نظرا لنموها البطيء نسبيا في الظروف القاحلة، بل رصيد الكربون الناتج عن فوائدها المشتركة.
و أبرز الباحث حلام أن أركان، خلافا لأنواع أخرى كالنخيل، يتميز بقدرة عالية على تثبيت الكربون في التربة، حيث إن مخزون الكربون في الطبقة السطحية من الأرض يعادل سبعة أضعاف ما تختزنه الكتلة الحيوية للأشجار نفسها. هذا المعطى يجعل من التربة في أركان أكبر خزان محتمل للكربون، ويمنح منظومة أركان ميزة خاصة في أسواق الاعتمادات الكربونية.
وأشار إلى أن هذه القيمة لا تنحصر في الجانب المناخي فقط، بل تمتد إلى حماية التنوع البيولوجي والحد من التصحر، ما يضفي على مشاريع أركان بعدا مضاعفا في التنمية المستدامة. غير أن السيد جمال حلام شدد على أن الدراسات العلمية المتوفرة ما تزال غير كافية، وأن هناك حاجة إلى استمرارية في البحث لتأسيس قاعدة بيانات دقيقة تسمح ببناء ميزان كربوني شامل لفلاحة أركان. كما يجب الإشتغال على طرق قياس وتحقق مناسبة وفعالة وأقل تكلفة لضمان دمجها في سوق الكربون
وفي سياق الحديث عن سلسلة إنتاج زيت أركان، بين أن البصمة الكربونية تختلف بين التعاونيات والشركات، حيث تسجل التعاونيات معدلات أعلى خاصة عند إدراج عمليات التصدير، بينما تنخفض القيم بشكل ملحوظ عند الاقتصار على مرحلة الاستخلاص. هذا التفاوت يعكس أهمية ضبط المعايير وتوحيد طرق الحساب لإبراز صورة دقيقة عن الأثر البيئي للقطاع.
وختم السيد جمال حلام بالتأكيد على أن أركان يحمل بالفعل إمكانات واعدة في سوق الكربون، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى اعتمادات معترف بها يتطلب عملا علميا متواصلا، وإطارا مؤسساتيا يضمن المصداقية والشفافية، حتى يصبح أركان رافعة للتنمية المستدامة في مواجهة التغيرات.

الابتكار والطاقات المتجددة في خدمة أركان: من العزل الكربوني إلى الأرصدة الخضراء

وقال أسامة بيسي عن معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة (IRESEN) في أن النظام البيئي لأشجار أركان يتمتع بالقدرة على لعب دور هام في توليد الكربون. ويعد عزل الكربون الطبيعي والاستغلال الحيوي لمنتجات أشجار أركان الثانوية من السبل الواعدة. كما يوفر التحلل الحراري لهذه المنتجات مصدرا لأرصدة كربون عالية الجودة يمكن بيعها بسهولة في سوق الكربون الطوعي في حال وجود نظام راسخ للرصد وإعادة التدوير والقيمة. وسيلعب البحث والتطوير دورا رائدا من خلال تنفيذ مشاريع تجريبية لاستكشاف إمكانات أشجار أركان في توليد أرصدة الكربون.

 يشار إلى أن هذا الندوة العلمية شهدت نقاشا مستفيضا بين الباحثين والخبراء والفاعلين المؤسساتيين حول آفاق إدماج منظومة أركان في أسواق الكربون الطوعية، والرهانات العلمية والتقنية المرتبطة بقياس وتثمين الكربون المخزن في التربة والكتلة الحيوية. كما تناولت المداخلات أهمية تطوير آليات للرصد والتحقق تتلاءم مع خصوصيات النظم البيئية القاحلة وشبه القاحلة، إلى جانب ضرورة إرساء حكامة مؤسساتية وتمويلية تضمن استفادة الفلاحين الصغار والتعاونيات المحلية من عائدات التمويل المناخي. وقد شكل اللقاء مناسبة لتبادل التجارب الدولية واستشراف سبل تحويل أركان إلى نموذج متكامل يجمع بين التكيف مع التغيرات المناخية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمجالات الهشة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!