سيادة الطاقة النظيفة الأفريقية لا يمكن أن تنتظر

محمد التفراوتيمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
سيادة الطاقة النظيفة الأفريقية لا يمكن أن تنتظر

آفاق بيئية: فاضل كبوب

 تونس ــ تفرض الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران على الاقتصادات الأفريقية مواجهة حقائق قاسية. فمرة أخرى، تجد معظم القارة نفسها تحت رحمة أسواق النفط والغاز العالمية المتقلبة، بسبب أشكال الاتكالية المرتبطة بأنظمة الطاقة وأوجه القصور البنيوية التي تمتد جذورها إلى عقود من الزمن من الاستعمار الجديد. مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل، تحتاج الاقتصادات الأفريقية إلى تبني دَفعة استراتيجية نحو سيادة الطاقة النظيفة.

يعلم كل من يتابع الأخبار الآن أن مضيق هرمز يشكل نقطة اختناق عالمية حَرِجة، يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية . وسوف تُـفضي أي ارتباكات هناك إلى تداعيات تضخمية تؤثر على الاقتصاد العالمي في عموم الأمر، بما في ذلك اقتصادات البلدان الأفريقية التي ليست حتى مشترية مباشرة للنفط الخليجي.

على سبيل المثال، من المتوقع أن تسجل أسعار الأسمدة ارتفاعا حادا لأن منطقة الخليج تمثل ثلث الإمدادات العالمية من الأسمدة النيتروجينية. والتوقيت بالغ السوء. ذلك أن منتجي الأغذية العالميين في نصف الكرة الشمالي أصبحوا الآن في منتصف موسم الزراعة، حيث تُـستَخدَم معظم الأسمدة بين شهري فبراير/شباط ومايو/أيار. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار أعلاف الحيوانات، والبيض، واللحوم، والذرة، والقمح، والأرز وغيرها من المواد الغذائية الرئيسية خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة. وفي الاقتصادات الأفريقية التي تعتمد بالفعل بشكل كبير على الأغذية المستوردة، ستؤدي الأسعار المرتفعة إلى خلق موجة ثانية من التضخم.

سوف يكون العبء أعظم في الدول الأفريقية المستوردة الصافية للنفط، بما في ذلك كينيا، وجنوب أفريقيا، ومعظم دول شرق أفريقيا، حيث تُستَورَد حصة كبيرة من النفط من الشرق الأوسط. على سبيل المثال، أبرمت كينيا اتفاقية نفطية حكومية مع حكومة المملكة العربية السعودية قبل عامين؛ لكن كل قطرة وقود تستوردها عبر ميناء مومباسا تأتي عبر مضيق هرمز. وما لم تهدأ الأوضاع بسرعة، فسوف ترتفع أسعار الوقود في كينيا بشكل حاد، وهذا من شأنه أن يفرض ضغوطا إضافية على احتياطياتها من العملات الأجنبية، وسعر الصرف، والديون الخارجية، والمالية العامة، وتكاليف المعيشة.

وكأن هذه الدورة المألوفة لم تكن سيئة بما فيه الكفاية، فإذا بهذه الارتباكات تأتي في وقت يتسم بالتقلبات السياسية. لا يزال يفصلنا نحو عام عن الانتخابات العامة المقبلة في كينيا، وقبل عامين فقط، تسببت أزمة تكاليف المعيشة في إشعال شرارة احتجاجات دفعت النظام السياسي في البلاد إلى حافة الانهيار.

ومع ذلك، تظل إمكانات كينيا فيما يتصل بالاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة هائلة، وهذا يوفر مسارا أكثر تبشيرا في المستقبل مقارنة بالاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري. فبمجرد إنشاء البنية الأساسية للطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الأرضية، يصبح من الممكن إنتاج الطاقة بتكلفة هامشية تقترب من الصفر. ولأن مصادر الطاقة هذه من غير الممكن فرض العقوبات عليها، أو حظرها، أو تسعيرها بعملة أجنبية، فإنها تقلل بشكل كبير من التعرض لتقلبات أسعار الصرف، وصدمات الاستيراد، والمخاطر الجيوسياسية ــ وهي العوامل التي تتسبب على نحو منتظم في زعزعة استقرار الاقتصادات الأفريقية.

كل كيلوواط/ساعة من الطاقة الخضراء المنتجة محليا يوفر دولارات أفريقية كانت لتُقتَرَض لاستيراد الوقود. الطاقة المتجددة هي السبيل الوحيد الذي تستطيع الاقتصادات الأفريقية الإفلات عبره من القيود التي يفرضها الاعتماد الدائم على الوقود المستورد، والعملات الأجنبية، والدائنين الخارجيين. إنه أكثر من مجرد تدبير لمواجهة تغير المناخ، فهو الأساس الذي تقوم عليه السيادة الاقتصادية البعيدة الأمد.

تتمتع أفريقيا باحتياطيات ضخمة من المعادن الحَرِجة اللازمة لدفع الثورة الصناعية الخضراء على الصعيد العالمي، وهذا يجعلها في وضع يؤهلها لتصبح قوة مُعتبرة اقتصاديا وفي مجال الطاقة. لم يعد المحللون الماليون والصناعيون يتحدثون عن أصول الوقود الأحفوري التي ستصبح عالقة في عام 2040 أو في تاريخ بعيد آخر؛ فقد تسارعت الجداول الزمنية. واليوم أصبحت أصول عديدة معرضة لخطر أن تصبح عالقة، بسبب المخاطر الجيوسياسية وتكاليف التأمين (أو عدم قابلية التأمين صراحة) والقيود المرتبطة بالعملة. الواقع أن أزمة الخليج الفارسي توضح أن حسابات المخاطر من الممكن أن تتغير بين عشية وضحاها.

في الواقع، نشهد اليوم إدراكا متناميا بأن مستقبل الاستثمار في الطاقة يكمن في أنظمة قادرة على الصمود أمام مخاطر المناخ والصدمات الجيوسياسية على حد سواء. وقد ذهبت بنوك أفريقية كبرى ــ بما في ذلك Standard Bank، وNedbank، وFirstRand ــ بالفعل إلى وضع حدود صارمة لعام 2026 على التعرض للفحم والنفط. وأي مستثمر يشرع في تنفيذ مشروع جديد يعتمد على الوقود الأحفوري قد يقع في “فخ نقص السيولة”، لأن لا أحد يعرف ما إذا كان ليوجد أي مشترين لمثل هذه الأصول في غضون خمس سنوات.

بالنظر إلى المستقبل، ينبغي أن تصبح صناديق التقاعد الأفريقية خط الدفاع الأول عن سيادة الطاقة النظيفة في أفريقيا. مع وجود حوالي تريليون دولار من الأصول المدارة، يصبح بوسع هذه الصناديق تمويل بناء مشاريع الطاقة المتجددة المحلية، وبالتالي تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي.

تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اختبار الإجهاد المطلق. يجب على المستثمرين المؤسسيين أن يتجاوزوا مجرد التحقق من المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) إلى إدراك حقيقة مفادها أن الطاقة المتجددة هي فئة الأصول الوحيدة القادرة على التحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة في القرن الحادي والعشرين. ومن جانبها، تحتاج الحكومات الأفريقية إلى اتخاذ خطوات سياسية جريئة واستراتيجية لدعم هذا التحول في العقلية.

إن أفريقيا لا تحتاج إلى زيادة هائلة في الحيز المالي لبدء هذا التحول. بل تحتاج إلى تنسيق سياسي استراتيجي من خلال السياسات الصناعية الإقليمية وتلك التي تشمل عموم أفريقيا، ورؤية التعدين الأفريقية، وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063. لقد حان وقت العمل على برامج مشتريات عامة مشتركة، وتصنيع مكونات الطاقة المتجددة محليا، وتعزيز دور بنوك التنمية العامة، والتنسيق التنظيمي لتسريع عجلة الاستثمارات عبر الحدود، والتصنيع، والنشر، ونقل الطاقة.

لا ينبغي النظر إلى سيادة الطاقة النظيفة على أنها ترف. إنها شرط أساسي للاستقرار والاستقلال السياسي، والتنمية الاقتصادية البعيدة الأمد في مختلف أنحاء القارة.

 ترجمة: إبراهيم محمد علي      

فاضل كبوب أستاذ الاقتصاد الـمُشارِك في جامعة دينيسون، ورئيس المعهد العالمي للرخاء المستدام، هو عضو مجلس الأمم المتحدة الاستشاري الرفيع المستوى المعني بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية في إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، ومؤلف “Global South Perspectives Substack”.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!