آفاق بيئية: محمد التفراوتي
تشكل خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل ركيزة أساسية في تدبير المجالات الترابية، وذلك من زاوية تلبية الحاجيات الأساسية للسكان، وكذا من منظور بيئي يضع حماية الموارد الطبيعية في صلب السياسات العمومية. فالتحديات المرتبطة بندرة المياه، وتغير المناخ، والضغط المتزايد على الموارد، تفرض اعتماد مقاربات تدبيرية أكثر تكاملا ونجاعة، قادرة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الأنظمة البيئية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تجميع هذه الخدمات التي كانت لسنوات طويلة موزعة بين عدة متدخلين ومؤسسات، بما كان يفرزه ذلك من تشتت في المسؤوليات، وتفاوت في جودة التدبير، وصعوبات في التنسيق والتخطيط الاستراتيجي. إن تجميع خدمات الماء والكهرباء والتطهير ضمن إطار مؤسساتي موحد يشكل خطوة نوعية نحو تعزيز الحكامة الترابية، إذ يسمح بتوحيد الرؤية وتكامل البرامج الاستثمارية، كما يتيح اعتماد مقاربة مندمجة لتدبير الموارد الطبيعية والبنيات التحتية.
ويضمن هذا التجميع البعد التنظيمي و الإداري ، كما يكتسي أهمية بيئية واستراتيجية، لأنه يفتح المجال أمام تطوير سياسات متكاملة تروم الاقتصاد في الموارد، وتحسين مردودية الشبكات، وتعزيز إعادة استعمال المياه المعالجة، والحد من التلوث، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة. كما أن إلتقائية هذه الخدمات ضمن تصور ورؤية تدبيرية موحدة من شأنها أن تزيل العديد من المعيقات التقنية والمؤسساتية التي كانت تحد من فعالية التدخلات، وتضمن تقارب السياسات القطاعية وتكاملها داخل المجال الترابي.
ومن ثم، فإن هذا التحول نحو نموذج تدبيري مندمج يمثل إصلاح مؤسساتي، و يعكس توجها استراتيجيا نحو بناء منظومة خدمات عمومية أكثر استدامة ومرونة، قادرة على مواكبة التحولات البيئية والاقتصادية، وتعزيز العدالة المجالية، وتحقيق تدبير عقلاني للموارد الطبيعية لفائدة الأجيال الحاضرة والمستقبلية.
وفي سياق التحديات البيئية المتزايدة التي تواجه المناطق شبه الجافة، تبرز تجربة الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة (SRM-SM) كنموذج مؤسساتي يسعى إلى الجمع بين تدبير الخدمات العمومية الأساسية وحماية البيئة. فالمؤسسة، التي تأسست في 15 أكتوبر 2024، تضطلع بمهمة توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء، إضافة إلى تدبير خدمات التطهير السائل على مستوى ستة أقاليم تضم حوالي 3,02 ملايين نسمة و175 جماعة. غير أن أهمية هذه المؤسسة تتمثل في تقديم الخدمات، و تمتد إلى تبني مقاربة بيئية متكاملة تقوم على إدارة الموارد الطبيعية، تقليص البصمة الكربونية، وتعزيز الاقتصاد الدائري في قطاع الماء والطاقة.

حماية الموارد المائية ومراقبة جودة المياه
يشكل الماء محورا أساسيا في الاستراتيجية البيئية للمؤسسة. إذ تعتمد الشركة على نظام مراقبة صارم لجودة المياه من خلال مختبر متخصص يقوم بتحليل الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولوجية للمياه على امتداد شبكة التوزيع. ويهدف هذا النظام إلى ضمان سلامة المياه واحترام المعايير الصحية والتنظيمية، مع توفير آلية إنذار مبكر تسمح بالتدخل السريع عند تسجيل أي خلل في جودة المياه.
ويعد هذا التتبع العلمي لجودة المياه عنصرا أساسيا في حماية الصحة العامة والحفاظ على الموارد المائية في منطقة تعاني من ضغط متزايد بسبب التغير المناخي والجفاف.
معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها
من أبرز الأبعاد البيئية لنشاط المؤسسة تطوير منظومة متكاملة لمعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها. وتشرف الشركة على محطات تطهير رئيسية، من بينها محطة لمزار (M’Zar) التي تعالج ما يصل إلى 75 ألف متر مكعب من المياه يوميا، إضافة إلى محطة أورير (Aourir) التي تعتمد تقنية الحمأة المنشطة لمعالجة المياه.
وتندرج هذه الجهود ضمن مشاريع إعادة استخدام المياه المعالجة (REUSE)، حيث يتم توجيه المياه المعالجة لري المساحات الخضراء والملاعب الرياضية والفضاءات السياحية في منطقة أكادير الكبرى ومحطة تغازوت السياحية. ويساهم هذا التوجه في تخفيف الضغط على الموارد المائية الطبيعية وتقليل استعمال المياه الصالحة للشرب في أنشطة الري.
نحو اقتصاد دائري للمياه والطاقة
تعتمد المؤسسة كذلك مقاربة الاقتصاد الدائري عبر تثمين الموارد المتاحة، من خلال استبدال المياه الصالحة للشرب بالمياه المعالجة في بعض الاستخدامات، إضافة إلى تحسين كفاءة الشبكات الطاقية ومحطات الضخ. ويتيح هذا التوجه تقليص الفاقد في الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة البيئية للخدمات العمومية.
خفض البصمة الكربونية والتحول الرقمي
ضمن التزاماتها البيئية، تعمل الشركة على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة من خلال عدة إجراءات، منها التحول الرقمي وتقليص استعمال الورق، وتحسين الكفاءة الطاقية للبنيات التحتية، إضافة إلى تحسين إدارة الصيانة والتنقلات المهنية. وقد أظهرت البيانات الأولية انخفاضا ملحوظا في البصمة الكربونية للمؤسسة بنسبة تقارب 43.5 في المائة خلال سنة واحدة.
إدارة بيئية وفق المعايير الدولية
تعتمد المؤسسة نظام إدارة متكامل ينسجم مع المعايير الدولية، حيث حصلت على ثلاث شهادات رئيسية تشمل ISO 9001 للجودة، ISO 14001 للإدارة البيئية، وISO 45001 للصحة والسلامة المهنية. ويهدف هذا النظام إلى ضمان استدامة الخدمات وتقليل المخاطر البيئية المرتبطة بتشغيل البنيات التحتية للماء والكهرباء والتطهير.

مؤسسة خدماتية في قلب التحول البيئي
في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ في جنوب المغرب، تبدو تجربة الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة مثالا على الدور المتنامي للمؤسسات العمومية في قيادة التحول البيئي. فإدارة الماء والطاقة والتطهير بات ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وحماية الأنظمة البيئية في المناطق الهشة. كما أن توحيد تدبير هذه الخدمات يتيح إمكانات أكبر لتطوير مقاربات مبتكرة في إدارة الموارد، تقوم على التخطيط طويل المدى وتبادل المعطيات بين القطاعات المختلفة. فالتقارب بين قطاعات الماء والطاقة والتطهير يفتح المجال أمام استثمار أفضل للتكنولوجيات الحديثة، وتعزيز الرقمنة في مراقبة الشبكات، وتحسين نجاعة الاستهلاك الطاقي لمحطات الضخ والمعالجة، وهو ما يسهم في تقليص الكلفة البيئية والاقتصادية للخدمات العمومية.
ومن جهة أخرى، فإن هذا النموذج التدبيري يتيح تعزيز الترابط بين السياسات المائية والطاقية والبيئية، بما يسمح بتطوير حلول متكاملة لمواجهة تحديات الإجهاد المائي، مثل دعم مشاريع تحلية مياه البحر، وتوسيع نطاق إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتحسين كفاءة الشبكات للحد من التسربات والهدر. فكل هذه التدخلات تكتسب فعالية أكبر عندما تدار ضمن إطار مؤسساتي موحد قادر على تنسيق الاستثمارات وتوجيهها وفق أولويات بيئية وتنموية واضحة.
كما أن تجميع هذه الخدمات في إطار مؤسسات جهوية متعددة الخدمات ينسجم مع توجهات الجهوية المتقدمة في المغرب، حيث يتيح تعزيز دور الجهات في تدبير مواردها الطبيعية وتطوير سياسات ترابية أكثر ملاءمة لخصوصياتها البيئية والمناخية. فالمجالات الجافة وشبه الجافة، مثل جهة سوس-ماسة، تحتاج إلى حلول تدبيرية مرنة ومبتكرة تأخذ بعين الاعتبار هشاشة الموارد المائية وارتفاع الطلب عليها، سواء في المجال الحضري أو الفلاحي أو السياحي.
وفي هذا السياق، تصبح هذه المؤسسات فاعلا أساسيا في دعم الانتقال البيئي، عبر ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، و من خلال المساهمة في نشر ثقافة الاستهلاك المسؤول للموارد، وتشجيع المبادرات المحلية التي تعزز حماية البيئة وترشيد استعمال الماء والطاقة.
وبذلك، فإن تجربة المؤسسات الجهوية متعددة الخدمات تمثل إطار تقني لتدبير الشبكات والبنيات التحتية، فضلا عن كونها أداة استراتيجية لإرساء نموذج جديد للحكامة البيئية، يقوم على التكامل بين القطاعات، والتخطيط الاستباقي، وتعزيز قدرة المجالات الترابية على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة.
ففي ظل التحديات البيئية التي يعرفها المغرب اليوم، يظل تدبير الماء والطاقة والتطهير في إطار رؤية مندمجة أحد المفاتيح الأساسية لبناء تنمية مستدامة تحافظ على الموارد الطبيعية وتضمن استمراريتها للأجيال القادمة.





































