آفاق بيئية: ميكالا كريشنان؛ أنابيل فار؛ كانماني تشوكالينجام
بوسطن ــ لفترة طويلة، تعلمت البشرية كيف تتعايش مع الظروف الجوية القاسية. فلولا قرون من الزمن من التكيف الـمُبدِع مع التهديد المتواصل المتمثل في الفيضانات، لكان قسم كبير من هولندا مغمورا بالمياه. على نحو مماثل، طورت المجتمعات القديمة على ضفاف نهري دجلة والفرات طرقا لاحتجاز وتوجيه المياه الزائدة لتغذية وحماية الحقول.
لكن عدد الأماكن المعرضة للظروف الجوية القاسية يتزايد على نحو مستمر. وفقا لبحث جديد من معهد ماكينزي العالمي، بعنوان “تعزيز التكيف: تخطيط التكاليف من التبريد إلى الدفاعات الساحلية”، ينفق العالم 190 مليار دولار سنويا على الاستثمارات في عشرين من تدابير التكيف الرئيسية والتي تحمي حوالي 1.2 مليار شخص. لكن 3 مليارات شخص آخرين، يعيش أكثر من ثلاثة أرباعهم في مناطق منخفضة الدخل، لا يتمتعون إلا بحماية محدودة.
يتطلب توسيع نطاق معايير الحماية التي تتبناها الاقتصادات المتقدمة لتشمل الأماكن المعرضة للخطر كافة 540 مليار دولار سنويا. وهذا يعني وجود فجوة قدرها 350 مليار دولار، 60% منها مطلوبة لمساعدة مناطق منخفضة الدخل على بناء قدر أكبر من المرونة والقدرة على الصمود. علاوة على ذلك، سوف ترتفع تكاليف التكيف. وبناء على مسارات الانبعاثات الحالية، من المرجح أن يصل العالم إلى 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة بحلول عام 2050 تقريبا، بما يعرض 2.2 مليار شخص إضافي للإجهاد الحراري و1.1 مليار آخرين للجفاف، على سبيل المثال.
توصل تحليلنا إلى أن العالَم، عند ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين، سيحتاج إلى إنفاق 1.2 تريليون دولار سنويا بحلول عام 2050 لحماية كل المعرضين لمخاطر المناخ وفقا لمعايير الاقتصادات المتقدمة، أو ما يقرب من 1% من الناتج المحلي الإجمالي في الأماكن المتضررة. وسوف يُخصَّص أكثر من ثلاثة أرباع هذا الإنفاق للحماية من الحرارة وموجات الجفاف.
قد تبدو هذه الفاتورة مكلفة، لكن الفوائد المترتبة على جهود التكيف ستتجاوز تكلفتها بنحو سبعة أضعاف. الواقع أن مكيفات الهواء لا تحمي العمال في الأماكن المغلقة فحسب، بل تحسن إنتاجيتهم أيضا. وتنقذ الملاجئ المبردة الحياة أثناء موجات الحرارة. ويمنع الري المحاصيل من الموت في الظروف الحارة والجافة. وتحمي السدود البحرية الأصول على طول السواحل من الفيضانات. وإذا جرى توظيف هذه الحلول بفعالية، فإنها توفر قيمة هائلة.
لكن الاعتراف بأن التكيف استثمار جيد لا يضمن إنفاق الأموال. ففي النهاية، لا ينفق العالم سوى ثلث ما هو مطلوب اليوم، وسوف يتطلب تحقيق الحماية وفقا لمعايير الاقتصادات المتقدمة مع زيادة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين بحلول عام 2050 ما يزيد عن 6.2 أضعاف ما يُـنفَق اليوم. ويهدد الافتقار إلى القدرة على الإنفاق، والأولويات المتنافسة، ومشكلات العمل الجماعي، وعوامل أخرى، بعرقلة جهود التنفيذ.
علاوة على ذلك، قد تبدو تحديات توسيع نطاق التكيف في البلدان المتقدمة مختلفة تماما عن نظيراتها في البلدان النامية. على سبيل المثال، ستكون التكاليف أعلى كثيرا في البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، حيث ستصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في الأماكن المعرضة للخطر، أو أكثر بنحو 50% مما أنفقته حكومات المنطقة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لخدمة ديونها الخارجية في عام 2024. في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهند، تقل نِسَب الناتج المحلي الإجمالي اللازمة للحماية وفقا لمعايير الاقتصادات المتقدمة مع زيادة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ وتقل هذه النسب بدرجة أكبر في أميركا الشمالية، حيث تبلغ حوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي في المناطق المعرضة للخطر.
من الممكن أن تساعد التنمية الاقتصادية في تحسين القدرة على الإنفاق، ولكن حتى لو تنامت نفقات التكيف بالتوازي مع نمو الناتج المحلي الإجمالي، فلن يُـغَطى ذلك سوى 60% تقريبا من الاحتياجات العالمية عند زيادة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين. وإذا زادت المناطق الأدنى دخلا إنفاقها بما يتماشى مع نموها الاقتصادي المتوقع، فلن تغطي سوى ربع تكاليف التكيف عند زيادة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين. علاوة على ذلك، من الممكن أن يؤثر وجود أو غياب تدابير التكيف في حد ذاته على وتيرة التنمية الاقتصادية. فقد يتسبب الجفاف أو الفيضانات في إبطاء نمو دخل صغار المزارعين، وقد يؤثر الإجهاد الحراري على إنتاجية العمال في الهواء الطلق.
ما العمل إذن، وما هو الدور الذي من الممكن أن تضطلع به القوى الفاعلة المختلفة؟ الخبر السار هو أن كثيرا من الأسر قادرة على تنفيذ بعض تدابير التكيف بالاعتماد على نفسها، خاصة فيما يتعلق بالحرارة. إذا أصبحت الحلول ميسورة التكلفة، فإن بعض أشكالها، مثل التبريد السلبي (الظل، والتهوية الطبيعية، وما إلى ذلك) أو الأسقف العاكسة، أو المراوح، أو مكيفات الهواء، من الممكن أن توفر حماية ملموسة في كثير من الحالات.
لكن الحكومات أيضا تستطيع أن تضطلع بدور مهم، خاصة في المناطق والمجتمعات الأدنى دخلا. فبوسعها أن تعمل على تمويل البنية الأساسية الحيوية مثل حماية السواحل، وإنشاء ملاجئ التبريد لحماية عامة الناس. بوسعها أيضا أن تعمل على خلق حوافز للتكيف، من خلال وضع وتطبيق معايير تعزز المرونة، مع زيادة الوعي بالمخاطر. وهي قادرة على نشر إعانات دعم أو برامج شراء موجهة لجعل التكيف أقرب إلى متناول الأسر والشركات الصغيرة.
من ناحية أخرى، من الممكن أن تتولى الشركات، ولا سيما الكبيرة منها، إدارة مخاطرها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال سلاسل توريدها الخاصة. ويمكنها أيضا توظيف الإبداع للمساعدة في جعل تدابير التكيف أيسر تكلفة وأكثر فعالية، من خلال تقديم أنظمة تبريد أفضل وأرخص للتعامل مع الإجهاد الحراري، على سبيل المثال.
أخيرا، من الممكن أن تستفيد المؤسسات المالية من الأدوات القائمة لتمويل التكيف، مثل توفير التمويل على مستوى المشاريع للبنية الأساسية مثل السدود البحرية. وقد تكون أساليب التمويل المختلط مفيدة أيضا في سد فجوات الجدوى واجتذاب رؤوس الأموال الخاصة، وإن كنا في احتياج إلى مزيد من العمل لتوسيع نطاق توظيف هذه الأساليب. في الاقتصادات النامية أيضا، الفرص سانحة لدمج التكيف في استثمارات أوسع نطاقا تتعلق بالبنية الأساسية للطاقة، أو أنظمة النقل، أو التوسع الحضري. إن دمج التكيف في مرحلة مبكرة من هذه المشاريع أرخص كثيرا من إعادة التجهيز أو إعادة البناء في وقت لاحق.
التكيف الفعاّل كفيل بتعزيز المرونة والقدرة على الصمود، وحماية المجتمعات المعرضة للخطر، ودعم النمو الاقتصادي. والعالم يملك الأدوات اللازمة، والفوائد لا يمكن إنكارها. والقرارات التي نتخذها اليوم ستشكل قدرتنا على تحقيق الازدهار في الأمد البعيد.
ترجمة: إبراهيم محمد علي
ميكالا كريشنان شريكة في معهد ماكينزي العالمي. أنابيل فار كبيرة زملاء معهد ماكينزي العالمي. كانماني تشوكالينجام كبيرة زملاء معهد ماكينزي العالمي.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.










































