اخر المقالات: المهرجان الدولي للتمور السودانية قصة نجاح للتعاون بين الامارات والسودان || مسودة نهائية للتقرير التجميعي لتقرير التقييم السادس || قرار مغربي بشأن قناديل البحر لتحقيق الصيد المستدام في البحر الأبيض المتوسط || إعادة تصور روابطنا العالمية || تحليل بيانات الهجرة التابع للمنظمة الدولية للهجرة || الصحة العالمية أفضل استثمار على الإطلاق || الاحتياجات والتدفقات المتعلقة بتمويل العمل المناخي في المنطقة العربية || المهرجان الدولي الرابع للتمور الأردنية بعمّان : حافز للإبداع والابتكار || تمويل “الخسائر والأضرار” للبلدان الضعيفة || قمة المناخ: هل تمخض الجبل فولد فأرا ؟ || أين نجحت قمة شرم الشيخ؟ || الإعلان عن جوائز أبطال الأرض، أعلى وسام بيئي للأمم المتحدة || جائزة خليفة لنخيل التمر والابتكار الزراعي شريك استراتيجي لمعرض أبوظبي للأغذية || نحو عمل مناخي وشراكات حول المناخ من أجل استدامة السلام || الجامعة الملكية المغربية للدراجات ضمن أول الموقعين على ميثاق الاتحاد الدولي للدراجات للعمل المناخي || المساءلة والإنصاف وتقييم التقدم غير الحكومي في قمة المناخ ( كوب 27) || تقييم متكامل لتلوث الهواء وتغير المناخ من أجل التنمية المستدامة في أفريقيا || الطاقة النووية ليست الحل || جهاز التنبأ المناخي المعتمد علي الذكاء الصناعي || نشطاء بنجلادش والعالم تتظاهر ضد الفحم في قمة المناخ بشرم الشيخ  ||
أكتوبر
27

المهندي: مصنع تدوير النفايات «مشكلة»… وتغيير سلوك الناس سيقلص 50 % من القمامة اليومية

دعمت رفض «الأعلى للبيئة» مشروعاً يتبع تقنية الحرق… ودعت لدعم برامج طويلة الأمد لإنهاء الأزمة

آفاق بيئية : الوسط – صادق الحلواجي

اعتبرت رئيسة مجلس إدارة جمعية أصدقاء البيئة البحرينية خولة المهندي، مشروع إنشاء مصنع للتخلص من النفايات في البحرين يعتمد في عمله على تقنية الحرق «مشكلة بحد ذاته وليس حلاًّ»، معللةً ذلك بأنه «خيار له آثار وخيمة على الصحة والبيئة فضلاً عن كونه يستبق إجراءات وخطوات أجدر منه، وكفيلة بالاستعاضة عنه».

ورأت المهندي في لقاء مع «الوسط» أن «أساس كفاءة عمل مشروع تدوير النفايات إضافة إلى أضراره تعتمد على زيادة إنتاج النفايات، ما يعني التشجيع على استمرار السلوكات والثقافة غير الواعية والخاطئة بيئيّاً القائمة على عدم تحمل الأفراد مسئولية أنماط سلوكاتهم الاستهلاكية في المشكلة. وبالتالي في الحل بشأن إدارة النفايات؛ لأن الكميات ستزيد وحجم التلوث البيئي سيرتفع أيضاً لعدم وجود تقنية مثالية تضمن التخلص من النفايات بصورتها الحالية من دون أضرار بيئية وصحية».

وفيما ياتي نص اللقاء الذي أجرته «الوسط» مع رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء البيئة خولة المهندي:

المجلس الأعلى للبيئة أعلن رفضه مشروع تدوير النفايات، الذي كان من المقرر أن ينشأ بالمناطق الجنوبية، ويتضمن عملية الحرق لنسبة كبيرة منها، وأكد أن لا موافقة على أي مشروع من دون توافر ضمانات بيئية، كيف تقيِّمون هذا الموقف الذي يعتبر جريئاً من نوعه؟

– جمعية أصدقاء البيئة تؤيد وتدعم ما نشر عن المجلس الأعلى للبيئة بشأن موضوع محارق النفايات، ونؤكد هنا أن التسميات قد تتنوع، لكن لنركز على ماذا وكيف لنفهم ماهية المشروع المقترح، وهذا ما انتبه إليه المجلس الأعلى للبيئة فيما يبدو لنا، وأعلن فيه المجلس موقفه من المشروع المعروض لدى وزارة شئون البلديات والتخطيط العمراني لإيجاد حل لمشكلة إدارة النفايات وتدويرها في البحرين.

ونرى توجهاً حكيماً للمجلس الأعلى للبيئة، يعكس فهماً وتحليلاً بيئيّاً متقدماً، ويُعد قياماً بمهام المسئولية الوطنية الكبرى التي أنشأت حكومة البحرين لأجلها جهة حكومية مختصة بحماية البيئة والحفاظ على الحياة الفطرية والثروات الطبيعية برّاً وبحراً والتزاماً بمبدأ التنمية المستدامة.

المجلس الأعلى للبيئة برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة، يضم عدداً من الوزارات ذات المسئولية المباشرة بموضوع إدارة النفايات وتدويرها، ألا يمكن للمجلس أن يصدر سياسات ملزمة للوزارات بتطبيق قرارات تغير السلوكات وتقلص حجم النفايات، أو لنكن أوضح، الحد ممَّا يسبب زيادة النفايات؟

– فعلاً، من المهم أن نتعلم من الدروس العالمية، وأفضل الممارسات في كل مكان. بنظرة سريعة إلى دول العالم المتقدمة بيئيّاً نجد أنها وجهت جهوداً كبيرة إلى الاستثمار في الإنسان والارتقاء بالمجتمع وتعزيز دوره عبر تغيير أنماط السلوك والذوق العام من خلال تحمل الأفراد لمسئوليتهم تجاه النظافة العامة، وتنمية قدراتهم على فهم المشكلة وحلها من الجذور عبر المبادئ البيئية الأساسية والتي تبدأ برفض ما يسبب النفايات ويزيد من كمياتها دون داعٍ، فترى رفض أخذ أكياس النايلون من دون داع على سبيل المثال، وترى الحرص على شراء الأساسيات وبمعايير عالية لتستخدم لفترات طويلة، ورفض البضائع التي تباع بأسعار قليلة جدّاً لكنها تتلف سريعاً أيضاً، ومن ثم التقليل بقدر الإمكان، وثالثاً إعادة الاستعمال، ورابعاً الإصلاح ثم أخيراً الحرص على التدوير.

ما تقدم أشير من خلاله إلى أن الجهد الآن يجب أن يصب في مشروع متكامل لتغيير النمط العام لدى الجمهور بشأن النفايات، سواء بتغير الثقافة والسلوك أو بالإلزام من خلال فرض تبعات مالية مثلاً 25 فلساً على كل كيس نايلون في الأسواق التجارية الكبرى، والتي ستكون بمثابة رادعٍ للمشتري في أخذ عدد كبير من الأكياس دون اهتمام حين تكون مجانية.

المجلس الأعلى يستطيع عبر مجلس إدارته الممثل من عدة وزراء وضع سياسات تطبقها الوزارات المنضوية تحته، وأن تفرض اشتراطات ومعايير على كل السلع وخصوصاً فيما يتعلق بمشتريات الوزارات والمؤسسات الكبرى، وفيما يتعلق بدعم التوجهات الصحيحة لتدوير النفايات بصورة حقيقية ووفق تقنيات موجهة لحماية البيئة والصحة وتنميتها ومراعاة لأعلى الاشتراطات والمواصفات العالمية.

ماذا تطلبون من المجلس الأعلى للبيئة بشأن مصنع تدوير النفايات، الذي كان من المقرر أن ينشأ في المنطقة الجنوبية؟

– المجلس الأعلى للبيئة مطالب بوضع أعلى معايير واشتراطات وتحري الدقة التامة في دراسة تفاصيل المشاريع المقدمة قبل إعطاء تصريح بإنشائها. وبأهمية إشراك المجتمع المدني في أي قرارات من الممكن أن تؤثر سلباً على البيئة والصحة، مثل قرار إعطاء تصريح بإقامة محارق للنفايات. ولابد من الأخذ في الاعتبار أهمية التعامل مع المجتمع المدني كشريك في الحفاظ على البيئة. وهذا نهج نحيي المجلس الأعلى للبيئة على أنه بدأه وخط نموذجاً لمبادرة مميزة فيه للبحرين إلا أننا نطمح إلى استمراره وتطوره إلى الأفضل لتكتمل المبادرة.

الكثير بإمكانه الانتقاد ومعارضة مشروعات وأفكار مطروحة، لكن هل لديكم أنتم كجمعية قدرة أو مشروع بديل لإدارة النفايات وتدويرها بدلاً من مشروعات الحرق؟

– الانتقاد لا يعنينا في شيء، نحن ننبه إلى أخطار بيئية وصحية تترتب عليها آثار اجتماعية واقتصادية أيضاً قد تكون كارثية على البلد في حال إنشاء محارق نفايات تحت مسمى «إنتاج الطاقة» أو «التدوير» وغيره من أوصاف غير حقيقية لما يقوم به المصنع. يجب دراسة الموضوع بروية وعلمية على يد ذوي الخبرة قبل تسميته مصنع تدوير نفايات كبداية.

وبصورة أشمل، فإن إدارة النفايات لا تتحقق من دون المشاركة المجتمعية، حيث يجب أن ترفض كل المواد والعناصر التي ستكون نفايات لاحقاً قبل شرائها واقتنائها عندما تكون قادرة على ذلك، فالتدوير هو الخطوة الخامسة أو السابعة في إدارة النفايات وليست الأولى. ونحن نتحدث عن التدوير الحقيقي وليس المحارق التي تسمي نفسها مصانع تدوير. وحتى في مجال تحقق ذلك فليست الفكرة إنشاء مصنع فقط، لأنه موضوع سلوكي بحت.

لدينا مشروع بإمكاننا طرحه للتطبيق طالما هناك استعداد حقيقي لتطبيقه وتوفير الدعم السياسي والمالي واللوجستي ليكون مشروعاً وطنيّاً تديره أو تشرف عليه الوزارات المعنية يضمن لنا الاستمرارية لا التوقف بعد أسابيع أو أشهر، ولو بدأنا الآن بجدية وإصرار من قبل الجهات المعنية لإنهاء المشكلة ستكون النتائج واضحة أمام الواقع خلال فترة 5 أعوام. علماً بأننا طرحنا هذه الفكرة وعلاجها منذ أكثر من 5 أعوام، وكان من الممكن أن نرى النتائج اليوم لو تم البدء في المشروع حينها. النظرة المتبعة لعلاج المشكلة يجب أن يكون الحل من الجذور وليس مجرد التعامل مع النفايات المنتجة والدوران في دوائر مفرغة.

ما سبب اعتراضكم على مشروع تدوير النفايات باستخدام تقنية الحرق، وهل حذرتم منها في وقت سابق نظراً إلى حدة الطرح بالرفض حاليّاً؟

– جمعية أصدقاء البيئة وأحلافها في التكتل البيئي لم يغيروا موقفهم الثابت منذ العام 2006 برفض إقامة محارق نفايات في البحرين تحت أي مسمى، لما لهذه التقنية البائدة من أضرار بيئية وصحية وخيمة معروفة عالميّاً. وهناك التزام بموقف البيئيين المتحدين تحت لواء الاتحاد العالمي لبدائل المحارق (الاتحاد العالمي المناهض للمحارق) المعروف باسم «غايا»، والذي انضمت إليه الجمعية قبل 6 أعوام، والتزامها بالتصدي للتكونولوجيا البائدة القائمة على حرق النفايات.

ونحن إذ نُحيي موقف المجلس الاعلى للبيئة في عدم إعطاء تصريح لإقامة محارق للنفايات في البحرين، فإننا نؤكد اعتزاز جمعية أصدقاء البيئة البحرين كبلد كان سبّاقاً في التعليم والثقافة والمعرفة، ولا يليق به إلا أن يكون الأسبق في رد هذه المحاولات لبيعه تكنولوجيا بائدة تكلفه الكثير بيئيّاً وصحيّاً واقتصاديّاً.

والمحارق هي تقنية غير فاعلة نهائيّاً حتى وإن ادعت الشركات المطورة لها أنها ستوفر الطاقة ومواد بديلة مدورة؛ لأنها في النهاية محارق مرفوضة من البيئيين في كل دول العالم.

ضرر المحارق

حسناً، ما حجم الضرر الذي تخلفه هذه المحارق، ألن تكون البحرين في منأى من مشكلة أكبر بامتلاء مدفن النفايات في عسكر، وبالتالي تكون النتائج وخيمة بنسبة أكثر ممَّا سيخلفه الحرق؟

– المحارق تشكل وسيلة قديمة وغير مستدامة لمعالجة مشكلة النفايات، بل هي مشكلة في حد ذاتها بما تتسبب فيه من تلويث للهواء وما تنتجه من مخلفات بالغة السمية، وفي أنحاء العالم يتم تطوير وتحسين نظريات وتطبيقات خضراء من أجل إدارة مستدامة للنفايات في الوقت الذي تتضاعف فيه المعارضة الشاملة للحرق حول العالم.

الشركات الأجنبية تحاول بيع تقنية المحارق تحت مسميات مضللة مثل «مشروع لتدوير النفايات» أو «إنتاج الطاقة من النفايات». والجمعية سبق وأن قدمت تقريراً مفصلاً إلى وزير شئون البلديات والتخطيط العمراني جمعة الكعبي، يحوي مشاكل محارق النفايات فيما يتعلق بانبعاث الملوثات في الهواء وغيره من الأوساط، التكلفة الاقتصادية والتشغيلية، خسارة الطاقة، عدم الاستدامة، وعدم الملاءمة مع أنظمة أخرى لمعالجة النفايات، متضمنة تحذيرات علمية لكون المحارق مصدراً مهم لملوثات المعادن الثقيلة ولارتباط مواد الديوكسين (أشهر المواد المرتبطة بالمحارق) بمجموعة من العلل الصحية بما فيها السرطان وإتلاف جهازي المناعة والتناسل والإخلال بالنمو، إذ إن مواد الديوكسين تتضاعف في الأنظمة الحيوية، وتنتقل خلال السلسلة الغذائية فتتكثف في اللحوم ومشتقات الحليب، وبالتالي في جسم الإنسان متى دخلت المنظومة الحيوية.

هل الحرق بهذه السوء، ولاسيما أن المصانع التي تقدمت بعطاءاتها تقول إنها لن تخلف أدخنة ومواد محللة ستضر بالبيئة؟

– إن محارق النفايات مصدر أساسي للتلوث بالزئبق، وكما هو معروف أن الزئبق هو سم عصبي فتاك يضرب الوظائف الحركية والحسية والمتعلقة بالإدراك، والتلوث به واسع الانتشار، كما تُشكل المحارق مصدراً مهماً لملوثات أخرى من المعادن الثقيلة كالرصاص والكادميوم والزرنيخ والكروم. كما تبعث ملوثات مقلقة أخرى بعضها معروف والأخرى لاتزال قيد البحث، ومنها الهايدروكربونات الهالوجينية، وغازات الحمض التي تؤدي إلى الأمطار الحمضية، جزيئات تخل بوظيفة الرئتين والغازات الدفيئة.

رقابة «البلديات» على المشروع

وزارة شئون البلديات في تعليقها على استفسارات واعتراضات طرحت من جانب مجلس بلدي المنطقة الجنوبية قالت إنها ستراقب المشروع ولن تقبل بما سيضر البيئة، أليس هذا ضماناً؟

– ربما يكون ذلك تفسيراً غير صحيح لما عنته الوزارة. لا أعتقد أن أية جهة حكومية تريد أن تتعهد بأية ضمانات على هذا النحو، فغالباً مَّا يزعم مشغلو المحارق أن الانبعاثات الهوائية تخضع لرقابة صارمة، غير أن الحقائق تشير إلى غير ذلك، علماً بأن المحارق الحديثة هي الأعلى كلفة على الإطلاق من طرق إدارة النفايات، حيث قد تصل تكاليف بنائها إلى مئات ملايين الدولارات الأميركية، وهي بطبيعة الحال تمثل عبئاً محتماً على الدول التي تقام بها، وخصوصاً أن شركات المحارق وضعت مختلف الخطط المالية المعقدة لتضييق الخناق على الحكومات من خلال دفعات طويلة الأمد ألحقت الكوارث بالحكومات المحلية في مناطق كثيرة من العالم، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال غرقت مدن في الديون بسبب إقامة مثل هذه المحارق.

وغالباً ما تُصور المحارق بأنها منتجة للطاقة، حيث تولد الكهرباء، غير أن دراسة دقيقة لمسار عمر المحرقة تكشف أن المحارق تهدر الطاقة أكثر مما تنتجه.

إن موضوع محارق النفايات عُرض عدة مرات، وفي عهد ثلاث وزراء للبلديات، وفي كل مرة يعلن فيها أن الموضوع أغلق إلا أنه يعاد طرحه مرة أخرى بعد فترة تحت مسمى آخر.

ما نطالب به كمؤسسة مجتمع مدني حريصة على عدم التخلي عن دورها في دعم توجهات البحرين للتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة والصحة، وذلك من خلال التنبيه للكوارث قبل أن تقع، هو أن يتم اتخاذ خطوات عملية علمية وجادة في دراسة موضوع إدارة النفايات برمته والاتفاق على الحلول المستدامة الصحيحة بيئيّاً وصحيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً، والذي لا يتحقق دون شفافية، وشراكة مع المجتمع المدني، وتقوية للمؤسسة الحكومية المعنية بحماية البيئة، ألا وهي المجلس الأعلى للبيئة، وعدم ممارسة أي ضغوط عليها لإعطاء تصريح لمشروع لا يراعي المعايير والاشتراطات البيئية المعمول بها في البحرين ووفق أفضل الممارسات البيئية الاحترازية العالمية.

تغيير سلوك المواطنين في التعامل مع النفايات

بعض المسئولين صرحوا بصورة غير واضحة بأن عملية تغيير سلوك المواطنين والمقيمين عن النمط العام للتعامل مع النفايات وكيفية إدارتها أمر شبه مستحيل، وأنهم أمام أمر واقع لأن يأتوا بمصنع لرفع المشكلة المتزايدة، كيف تعلِّقون؟

– سمعنا ذلك كثيراً، وفي مواجهة تحديات عديدة، فالتعامل مع الأعراض المرضية دائما أسهل وأسرع من التعامل مع المرض الكامن واجتثاثه من جذوره. أعتقد أن مؤسسات المجتمع المدني البيئية وغير البيئية الهادفة إلى الإصلاح المجتمعي من الداخل غالباً مَّا تواجه بمثل هذه الأفكار التي تدعو إلى الاستسلام لما يبدو أنه حل أسهل وخصوصاً في وجود شركات على استعداد كامل لأن تؤكد من دون وجه حق أن تقنيتها ناجحة، وليس لها أضرار بيئية على الإطلاق، مادامت تعلم أنه لا يوجد من يشكك في أقوالها، وإن وجد لن يتم الاستماع اليه.

الموضوع نفسه يتكرر منذ ستة أعوام على الأقل، ولو فعلاً بدأنا في معالجة حقيقية للمشكلة وفق أفضل الممارسات البيئية على هذا الصعيد؛ لرأينا اليوم نتائج واضحة باتجاه الحل الجذري للمشكلة.

الجهة الرسمية التي ترى أن عملية تغيير قناعات وأنماط التفكير وسلوكات الناس بشأن إدارة النفايات أمر مستحيل وبمثابة معجزة، فاننا ندعوها إلى انجاز وطني ضخم يحسب لها وللبحرين من خلال التعاون الحقيقي معنا لتحقيق هذه المعجزة. سيحتاج ذلك إلى نية صادقة قوية وإيمان كبير بالحلول المستدامة بيئيّاً وصحيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً، وإلى توجيه إمكاناتها، وكامل الدعم للمشروع الواعد الذي تقترحه الجمعية وتمتلك قدرات التخطيط له وتطبيقه في ظل توفير الاحتياجات المطلوبة، بناء على خبراتها في معرفة ما الذي ينجح وما لا ينجح وكيفية الوصول إلى الجمهور العريض، فالعمل يجب ألا يكون عشوائيّاً ولا يتوقف بعد حملة تنفذ لفترة أسابيع أو أشهر وتتوقف، كما أنه بحاجة إلى التزام وتكاتف مختلف المؤسسات والوزارات ذات العلاقة وبصورة جادة.

لم أحصل على إجابة شافية، هل تغيير السلوك سيكون فعلاً حلاًّ ناجحاً للاستغناء عن مصنع تدوير النفايات؟

– المشروع الحقيقي لإدارة النفايات يجب أن يكون من خلال علاج المشكلة من بدايتها، من المصدر، من الجذور حيث تكون المبادئ البيئية (RS 5) متشربة في السلوك اليومي للأفراد والمؤسسات. وفي هذه الحالة الحل لن يكون فقط لمعضلة إدارة النفايات لكنه سيمتد إلى مشاكل ومعضلات بيئية ومجتمعية أخرى.

مثال على ذلك، ستقل نسبة النفايات التي تنتج يوميّاً من خلال العمل مع كل فئات المجتمع، وتطبيق المبادئ البيئية المهمة، وهي: الرفض، التقليل، إعادة الاستعمال، الإصلاح والتدوير.

عندما نصل إلى التدوير ستكون هناك وقفة طويلة لفهم معناه الصحيح، وكيفية تحققه ،والحاجة إلى دعمه، فعلى سبيل المثال؛ عملنا مجموعات من أطفال المدارس ودربناهم على فرز النفايات لكن حين يريد الناس تطبيق ذلك في بيوتهم والأطفال في مدارسهم، هل هناك طريقة سهلة لجمع وإيصال المواد المفرزة؟ هل توجد براميل فرز نفايات في كل مكان قريبة من المنازل والمدارس؟ هل يتم تفريغها يوميّاً حتى لا تتراكم؟ هل توجد مصانع تدوير ورق وبلاستيك وغيرها؟ هل تعمل هذه المصانع بطريقة صحيحة بيئيّاً؟ هل هي قادرة على الاستمرار؟

حسناً، إن غيّرنا السلوك والنمط العام والثقافة لدى الجمهور عن إدارة النفايات، كم سيقلل ذلك نسبيّاً من حجم النفايات التي يتحتم علينا التخلص منها بأي حال من الأحوال؟

– متى ما توافرت توعية جذرية وتوجيه لأنماط سلوك الناس ستقل النفايات بنسبة تزيد على 50 في المئة، حيث ستبقى نسبة طفيفة محدودة ومفرزة أصلاً، وفي معظمها مواد قابلة للتدوير بصورة سليمة.

الاستثمار في الإنسان

كيف استطاعت الدول المتقدمة في هذا الجانب إنجاح مشروع تغيير نمط وسلوك الناس إزاء هذا الأمر؟

– سؤال مهم. وبداية جيدة للاستفادة من أفضل الممارسات العالمية. فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إن الدول المتقدمة التي تقوم بالتدوير وبشكل رائع تحقق ذلك من خلال الاعتماد في عملها على الاستثمار في الإنسان أولاً، حيث وصلت مع مواطنيها إلى قناعات تميز سلوكهم اليومي تجاه إنتاج والتعامل مع النفايات. ففي بعض العواصم الأوروبية تتنافس العائلات في إظهار حرصها على فرز النفايات وتدويرها لما يمثله ذلك من تعبير عن تميز اجتماعي وتفوق ثقافي، فتجد الذهاب إلى مركز تجميع النفايات المفرزة برنامجاً أسريّاً ينتظره الأطفال والآباء.

وفي المقابل وفرت لهم بلدياتهم المحلية في تلك المراكز ألعاب أطفال وبرامج تثقيفية داعمة لفكرة الفرز من المصدر فضلاً عن التعليم المدرسي المساند، إلى جانب سياسات تعزز برامج التقشف في استخدام المواد التي ستخلف نفايات من الممكن تجنبها، مثل الأكياس والمغلفات والعلب وغيرها، حيث يوجد نظام عدم توزيع أكياس نايلون مجانية ونظام مسهل جدّاً لإعادة تعبئة العلب بأسعار أخفض من الشراء الجديد، وتقديم عروض ميسرة سهلة التطبيق لشراء العلب الفارغة والصحف المستعملة، بالإضافة إلى التركيز على أمر فرز النفايات التي يتحتم التخلص منها. والمهم جدّا أن البنية التحتية مهيأة لكل ذلك وبصورة محفزة لاستخدامها بالشكل الصحيح، والإسهام في هذه الحلول المستدامة.

تطبيق المبادئ البيئية

الكلام النظري كثير، وقد ذكرنا سلفاً عدة مبادئ بيئية، هل بأمثلة عملية من الواقع لديكِ لنسهل الفكرة للقارئ؟

– هذا سؤال مهم، وما سأقوله يجب أن يترجم في برامج التعليم الأساسي والتوعية والتثقيف والإعلام والإعلانات التجارية وغيرها. ولنبدأ بأول مبدأ هو الرفض؛ حيث يجب أن يرفض المستهلك من المواطنين والمقيمين شراء واقتناء أية مادة وسلعة ستخلف نفايات، مثل: الأكياس الزائدة على الحاجة والأطعمة والمواد والأدوات المغلفة دون داعٍ مثل الخضراوات والفواكه والأدوات التي لا تحتاج إلى كتيب لشرح طرق استخدامها، ومثال ثان باستخدام الأكياس القماشية التي بالإمكان استعمالها لعشرات المرات من دون أن تضر بالبيئة وليست بحاجة إلى طرق للتخلص منها.

أما بالنسبة للمبدأ الثاني، فهو التقليل، حيث نقلل استخدام المواد التي ستنتج مخلفات ونفايات مثل عدد أكياس النايلون عند التسوق، وعلب الأكل والشرب التي تستخدم لمرة واحدة فقط.

ومبدأ ثالث هو إعادة الاستعمال، الذي نعني من خلاله مثلاً استخدام الملابس والفوط التالفة لأغرض التنظيم في المنزل وابتكار طرق لاستخدامها عوضاً عن شراء مواد جديدة، أذكر على سبيل المثال أن احد المهتمين بالبيئة نشر عشر طرق للاستفادة من أسفنج تنظيف الأطباق بعد تلفها، وكذلك الحال بالنسبة إلى الزجاج الذي لا يتحلل طبيعيا من خلال إعادة التعبئة أو استثماره في أفكار إبداعية وجمالية.

والمبدأ الرابع هو الإصلاح، بحيث نقوم بإصلاح الأعطاب البسيطة التي تقع فيما لدينا من أحذية وأدوات كهربائية وأجهزة وملابس وأثاث مثلاً على الأخص في وجود أشخاص وأعمال صغيرة متخصصة في ذلك.

والمبدأ الخامس هو التدوير، الذي يعتبر صناعة وينتج عنه تلوث بطريقة أو بأخرى، وهو ما نحاول الاستعجال في الوصول اليه، عبر التركيز على المبادئ الأربعة الأولى أولاً، مثل تدوير الورق فنحاول التقليل وإعادة الاستعمال أولاً ثم عندما نصل للتدوير نكون حققنا أرباحا كبيرة للبيئة إضافة إلى كونه خياراً أفضل من قطع الأشجار لإنتاج ورق جديد.

لكن البعض يفعل الخطأ المضر بالبيئة والمخالف للمبادئ التي ذكرتها، ويزيد حجم النفايات من دون علم، وهو نابع عن حسن نية؟

– كلنا مذنبون في ذلك، أحياناً نختار الخيار الأسهل حتى مع العلم ، عوضاً عن تطبيق المبادئ المشار إليها أعلاه، وخصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالقيمة وانخفاض السعر، إلا أننا سندفع الكلفة لاحقاً، وهناك الكثير ممن يقومون بالمخالفة بحسن نية لذلك كان للتوعية والتعليم والتثقيف والترغيب والترهيب من خلال القوانين دور مهم في تغيير أنماط التفكير والممارسات على أرض الواقع.

العدد 4069 – الأحد 27 أكتوبر 2013م الموافق 22 ذي الحجة 1434هـ

اترك تعليقاً