اخر المقالات: إنذار بزوال الجليد البحري قرب القطب المتجمد الشمالي || دعوة عالمية لمكافحة هدر وفقد الأغذية || نحو دمج ثقافة الاستدامة في إدارة المدرسة بفلسطين || شراكة جديدة تتصدى لمشكلات فقد وهدر الغذاء والتغير المناخي || التعليم من أجل التنمية المستدامة || مسح ميداني وعلمي لإشكالية تغير المناخ بحوض أوريكا || رعاية جميع الحياة تحت الشمس || معدلات الجوع تزداد بفعل النزاع الذي يفاقمه تغير المناخ || المنتخبون الأفارقة يتكثلون لمواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ || انطلاق قمة ” فرصة المناخ ” بالمغرب من أجل التصدى لتغير المناخ || اليابان تحرق نفاياتها || لو كنتُ نيمار || السيارات الكهربائية تغزو العالم والألمان يترقبون || مقاربة تشاركية جديدة تعيد إحياء النظم البيئية بمنطقة واد أوريكا || في يوم عيدنا نحافظ على بيئتنا   || ظلام دامس بمنتصف النهار في أمريكا || مواجهة العنف الناجم عن تغير المناخ || الدجاج الاوربى الملوث هل وصل الى العرب؟ || شريط وثائقي عن إشكالية تغير المناخ بحوض تانسيفت || مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء ||

إكسبو ميلانو

 

  ميلانو – «البيئة والتنمية»

على مدى ستة أشهر، تستضيف مدينة ميلانو الإيطالية المعرض العالمي «إكسبو 2015». وقد اختير له شعار «إطعام الكوكب، طاقة للحياة». ومن محاوره الرئيسية الأبحاث والتكنولوجيات المتعلقة بإنتاج الغذاء وحفظه وسلامته وجودته، والزراعة وحماية التنوع البيولوجي، والتوعية الغذائية، والتعاون الدولي لتحسين الأمن الغذائي، والثقافات الغذائية في أنحاء العالم.

جناح دولة الأمرات مصمم في شكل حصن صحراوي، World Expo 2015

 

للمعرض أهداف طموحة، لعل أهمها استنباط استراتيجية لإطعام أهل الأرض، بجمعه ممثلي 145 دولة في حدث طويل الأمد يركز على الغذاء والتغذية. وتأمل سلطات ميلانو أن يستقطب 20 مليون زائر خلال مدة إقامته من أول أيار (مايو) إلى آخر تشرين الأول (أكتوبر)، فيعطي عاصمة الأزياء والمصارف في إيطاليا زخماً دولياً. أما الحكومة الإيطالية فتريده أن يساعد في إخراج البلاد من ركودها الاقتصادي.

 التعاون ضروري لتحقيق هدف الغذاء الكافي والأمن الغذائي في أنحاء العالم، وهذا ما تعنيه عبارة «إطعام الكوكب». إكسبو ميلانو هو الموقع المختار لمواجهة قضايا الزراعة والتنمية المستدامة ومكافحة الجوع. والسبل الرئيسية هي: الابتكار، وحفظ الطاقة، وحماية البيئة، والاستهلاك العاقل للموارد الطبيعية. وتتلاقى في هذا السبيل أصوات البلدان المشاركة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والشركات.

 معارض ExpoWorld السابقة أهدت إلى العالم ابتكارات مثل ماكينة الخياطة وبرج إيفل والكاتشاب. أما المعرض الحالي فسينتج «ميثاق ميلانو» الذي سيعدّه خبراء لرفع الوعي حول حق جميع سكان الأرض في طعام صحي ومأمون وكاف. وعلى أساسه يقدم أفراد وجماعات وشركات تعهدات في مجال ضمان الأمن الغذائي وخفض إهدار الطعام ومكافحة الجوع والبدانة.

 إبداعات هندسية

إكسبو ميلانو أشبه بمدينة ملاه، حيث أقيمت أجنحة موقتة أبدع المهندسون في تصاميمها، تمثل بلداناً مختلفة. وأضفت بعض البلدان نكهات خاصة على أجنحتها. على سبيل المثال، يضم الجناحان الألماني والبريطاني قفران نحل، وأقامت البرازيل غابة استوائية صغيرة، وتقدم اليابان «وجبة افتراضية»، ويركز جناح الفاتيكان على مكافحة «ثقافة الهدر» العصرية. أما شعار جناح الأمم المتحدة فهو «صفر جوع ـ متّحدون من أجل عالم مستدام»، تأكيداً على أن إنهاء الجوع في عصرنا أمر ممكن إذا قام الجميع بدورهم، بما في ذلك الالتزام بتغيير ممارسات يومية بسيطة.

 وقد فازت ميلانو باستضافة المعرض، ملحقة الهزيمة بمدينة إزمير التركية. وهي المرة الثانية، بعدما استضافته عام 1906. ولكن رافقت تخطيط المعرض وتنفيذه  تأخيرات بيروقراطية وفضائح فساد.

 وشهدت المدينة ورشة كبرى تحضيراً للمعرض. فاليوم تشمخ فيها ناطحات سحاب فوق عمارات القرن الثامن عشر، متعالية مع خلفية جبال الألب. ونظفت القنوات، وتم توسيع خدمات شبكة المترو، وأضيفت مسارات للدراجات الهوائية، وأقيمت حديقة عامة فسيحة، وتم تجديد محطة القطارات الأثرية.

 وشُيد أكثر من 200 مبنى في موقع المعرض شمال ميلانو، ما منح بعض كبار المهندسين المعماريين في العالم فرصة لتجسيد فنونهم الإبداعية. ولكن تبقى نقطة «رمادية» هي أن معظم هذه المباني ستتم إزالتها وإعادة تدويرها بعد المعرض. على سبيل المثال، تعتزم أنغولا شحن جناحها لتحويله الى متحف وطني. أما جناح الولايات المتحدة فمبني بكمية ضخمة من الألواح الخشبية التي ستباع في نهاية المعرض لمن يدفع السعر الأعلى.

 بالنسبة إلى البلدان التي لم تشيّد أجنحة خاصة بها، ابتدع إكسبو ميلانو طريقة للمشاركة هي «التكتلات» التي تجمع بلداناً تختص بطعام معين. وهناك تسعة تكتلات تنتشر على مساحة إجمالية تبلغ نحو 37 ألف متر مربع وتختص بالمواد الآتية: الرز، الكاكاو والشوكولاته، البن، الفواكه والبقول، التوابل، الحبوب والدرنيات، الأغذية المتوسطية، الجزر والبحار، المناطق القاحلة. وضمن كل تكتل، تبين أفلام الفيديو والمنشآت ومعارض الصور تاريخ كل مادة، وتجرى عروض للطهو وتذوق المأكولات، وتقام سوق يكتشف فيها الزوار المحاصيل والمنتجات التي يشرح عنها الأشخاص الذين زرعوها وأنتجوها.

 ويستضيف موقع المعرض أربع مناطق تمثل محاور رئيسية. فهناك «الجناح صفر» الذي يتتبع تاريخ الجنس البشري من خلال علاقته بالغذاء. وهنالك «منطقة غذاء المستقبل» التي تستشرف كيف ستغير التكنولوجيا عمليات تخزين الغذاء وتوزيعه وشرائه واستهلاكه. وفي «حديقة الأطفال» يمكن للصغار أن يكسبوا معارف حول مواضيع الغذاء والتغذية والاستهلاك المستدام فيما هم يلهون ويمرحون. أما «حديقة التنوع البيولوجي» فتضم نماذج من النظم الإيكولوجية على كوكبنا. والى ذلك، يستضيف متحف ترينال في مدينة ميلانو معرض «الفنون والأطعمة» الذي يستكشف فيه الزائر كيف تغيرت العلاقة بينهما على مر القرون.

 غذاء المستقبل

الاتحاد الأوروبي لاعب رئيسي في المحاور المختلفة للمعرض. فهو أكبر مصدّر للغذاء، وثاني أكبر مستورد للغذاء، لكنه في الوقت ذاته أبرز جهة مانحة لدعم المشاريع الإنمائية والانسانية. ويتزامن المعرض مع انتقال الأهداف الإنمائية العالمية من صفة «الألفية» الى صفة «المستدامة»، ومع «السنة الأوروبية للتنمية» و»السنة الدولية للتربة». وقد أطلق الاتحاد الأوروبي العام الماضي برنامج Horizon 2020 لتمويل الأبحاث بقيمة 80 بليون يورو خلال الفترة 2014 ـ 2020. ويعتزم استثمار نحو 4 بلايين يورو في أعمال بحثية وابتكارية تتصدى لبعض أهم التحديات في مجتمعنا، مثل الأمن الغذائي، الزراعة والحراجة المستدامتين، أبحاث المياه البحرية والداخلية، الاقتصاد البيولوجي.

 وسوف يخصص خلال إكسبو ميلانو أسبوع ترويجي للنظام الغذائي في حوض المتوسط، الذي أدرجته اليونسكو ضمن معالم التراث الثقافي العالمي غير المادي. وقد التزمت المفوضية الأوروبية هدف الترويج لنظام غذائي صحي في المجتمع الأوروبي.

 يتيح إكسبو 2015 فرصة للتأمل في تناقضات عالمنا والبحث عن حلول لها. فمن جهة، هناك الجياع حيث يعاني نحو 870 مليون شخص من نقص التغذية. ومن جهة أخرى، هناك الذين يموتون من أمراض مرتبطة بسوء التغذية أو بالإكثار من الطعام، حيث يموت نحو 2.8 مليون شخص سنوياً من أمراض مرتبطة بالبدانة. وفي الوقت نفسه، يُهدر نحو 1.3 بليون طن من الطعام سنوياً. لهذه الأسباب، تبذل مساع لاتخاذ خيارات سياسية واعية، وتطوير أنماط حياة مستدامة، واستعمال ما تتيحه التكنولوجيا للموازنة بين توافر الموارد واستهلاكها.

  (ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تمّوز-آب / يوليو-أغسطس 2015)

اترك تعليقاً