اخر المقالات: ماكرون الثاني: مواجهة التحديات البيئية عبر الفعل أم الاكتفاء بمواصلة الخطاب المعسول || حوارات بيئية في قصر الأمم || الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والتدابير اللازمة للمعالجة || توحيد الجهود للحد من التلوث البحري بالبلاستيك في المناطق البحرية المحمية في البحر الأبيض المتوسط || نكهة حياد الكربون الرائعة  || البحث الزراعي بالمغرب نتائج مبتكرة وآفاق واعدة || شجرة أركان ، رمز الصمود والتأقلم مع الظروف المناخية || البلاستيك: مشكلة وأربعة حلول || الجفاف والتدبير المستدام للأراضي || النسخة السادسة للمؤتمر الدولي لشجرة أركان || ما نحتاجه لتحقيق السلام والازدهار على المدى الطويل || يوم الأرض حدث سنوي للتوعية البيئية || الاقتصاد العالمي في خطر || أسرع طائر في العالم لحماية مسجد الحسن الثاني الكبير بالدار البيضاء || إيجاد حل لسعر الكربون || صندوق النقد الدولي بحاجة إلى تخفيف مخاطر التحول المناخي || أربعة مسارات لمواجهة أزمة أسعار الغذاء || في حوار مع الخبير المغربي الدكتور عبد الوهاب زايد : يؤكد المنشأ المغربي من خلال تحليل الحمض النووي لعدة عينات من نخيل المجهول || العدالة المناخية تتطلب قيادة نسائية || بناء الإجماع حول التعافي الأخضر ||

معالجة نضوب المياه الجوفية وتلوّثها لضمان الأمن الغذائي

آفاق بيئية : الهند

غالبًا ما تُعتبر المياه من المسلّمات مع أنها ضرورية للحياة. وهذا صحيح بوجه خاص عندما يكون هذا الذهب السائل مخفيًا تحت الأرض. ولكن على غرار الموارد الطبيعية الأخرى، فإنّ المياه العذبة محدودة، وتؤدّي أساليبنا في العيش والزراعة إلى تقلّص إمداداتها بشكل خطير. 

وقد ساعدت المياه الجوفية على انتشال ملايين الأشخاص من براثن الفقر بفضل توافر تكنولوجيات الحفر ومصادر الطاقة للضخ على نطاق واسع للمزارعين الريفيين خلال النصف الأخير من القرن العشرين.وتقدّر اليوم المساهمة الاقتصادية للمياه الجوفية في الزراعة بما يصل إلى 230 مليار دولار أمريكي سنويًا على الصعيد العالمي.

وفي ظلّ الزيادة المتوقعة بنسبة 50 في المائة في الطلب على الأغذية والأعلاف والوقود الأحيائي بحلول عام 2050، مقارنة بمستويات عام 2012، فإن نضوب المياه الجوفية الذي بقي على حاله، يهدّد بتقويض الأمن الغذائي، وإمدادات المياه الأساسية، والقدرة على الصمود أمام أزمة المناخ على نطاق عالمي. وكما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن أشدّ المجتمعات فقرًا وأكثرها تهميشًا هي أكبر الخاسرين.

ما ندين به للمياه الجوفية

يرجع الفضل في الثورة الخضراء في الهند خلال ستينيات القرن الماضي، التي أنهت قرونًا من المجاعات وأدت دورًا حاسمًا في انتشال البلاد من براثن الفقر، إلى حد كبير إلى وفرة المياه الموجودة تحت سطح أرضها. 

وتُعدّ الهند اليوم من بين أكبر مستخدمي المياه الجوفية في العالم حيث يعود هذا المورد الثمين بالنفع على ما يقدر بنحو 60 في المائة من المناطق المروية في البلاد. ومن دون هذه المياه الجوفية، لكان يتعيّن على الهند وعدة بلدان أخرى حول العالم أن تناضل في سبيل توفير ما يكفي من الغذاء لسكانها. وفي أمريكا الشمالية وجنوب آسيا مثلًا، تعتمد نسبة 59 في المائة و57 في المائة من المساحة المجهّزة للري على المياه الجوفية.

ولكن، لهذه المكاسب ثمن.ففي الهند، سعيًا إلى توفير الأغذية بأسعار معقولة لعدد سكانها المتزايد بسرعة، قدّمت الحكومات المحلية الكهرباء بأسعار زهيدة، وفي بعض الأماكن مجانًا، للمزارعين لتشغيل مضخات المياه الخاصة بهم. وأدى ذلك إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية إلى مستويات متدنية بشكل خطير في أنحاء من البلاد، ما حثّ السلطات على وقف هذه السياسات.

والحالة مماثلة في باكستان المجاورة، وهي رابع أكبر بلد في العالم مستخدم للمياه الجوفية، حيث أدّى الإفراط في استغلال هذه المياه على مدى عقود من الزمن إلى وصول البلاد إلى هاوية أزمة مياه جوفية حادة، رغم تخزين حوض إندوس لكمية مياه تفوق بثمانين مرة على الأقل حجم المياه العذبة المتوافرة في أكبر ثلاثة سدود في البلاد.

وعلى مدى 60 عامًا، تحوّلت باكستان من بلد يعتمد على المياه السطحية إلى بلد يعتمد على المياه الجوفية ومن بلد يتمتع بفائض في المياه الجوفية إلى بلد يعاني من كميات كبيرة من المياه الجوفية المسحوبة.

شاغل على المستوى العالمي

تتزايد ندرة هذا الذهب السائل في العالم: وثمة أدلة دامغة تشير إلى أنه يجري استغلال الكثير من طبقات المياه الجوفية بمعدلات غير مستدامة في جميع أنحاء العالم. وعلاوةً ذلك، يمثل الاستخدام العشوائي للأسمدة ومبيدات الآفات أهمّ أسباب التلوث في خزانات المياه تحت الأرض. 

ويُستخدم نحو 70 في المائة من عمليات سحب المياه الجوفية في العالم لزراعة المحاصيل الغذائية والصناعية وتربية الماشية، بينما يأتي نحو 30 في المائة من إجمالي المياه المستخدمة للري في جميع أنحاء العالم من تحت سطح الأرض، ولهذا السبب يتعيّن على قطاع الزراعة الاضطلاع بدور حاسم في معالجة هذه المسألة.  

ما الذي يمكن فعله؟

ثمة مشكلة أخرى متصلة بالحلول التقليدية لتخزين المياه، عادة بسبب تشييد السدود الكبيرة. إذ لا تتسبب هذه السدود بأثر بيئي كبير فحسب، بل قد تؤدي أيضًا إلى مشاكل بالنسبة إلى المجتمع، مثل إعادة توطين مجتمعات بأكملها قسرًا. وتوصي منظمة الأغذية والزراعة بأن تنظر البلدان في مجموعة أوسع من الحلول القائمة على الطبيعة لإدارة تخزين مياهها، وذلك على سبيل المثال من خلال إيلاء قدر أكبر من الأهمية للخزانات الطبيعية إلى جانب تخزين المياه السطحية في السهول الفيضية والأراضي الرطبة والأنهار المتعرجة طبيعيًا.  

وإنّ الرصد المستمر لاستهلاك المياه الجوفية، ولا سيما في المناطق المروية التي تستخدم طبقات المياه الجوفية غير المتجددة، حاسم الأهمية إذا ما أُريد استخدامها على نحو مستدام. وتقدّم منظمة الأغذية والزراعة المساعدة للحكومات وسائر أصحاب المصلحة لتوفير أدوات مثل نظم الريّ الدقيق، وجمع المياه وتخزينها، والتكنولوجيات بواسطة الأقمار الاصطناعية التي تتيح فرصًا فعالة من حيث الكلفة لتقدير مستويات استهلاك المياه الجوفية والكميات المسحوبة منها، عن طريق قياس معدلات “النتح التبخري” الفعلي (وهو مصطلح يشير إلى إجمالي أشكال التبخر فضلًا عن نتح النبات.) وتوفّر حاليًا بوابة WaPOR الإلكترونية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة التي ترصد إنتاجية المياه، هذه البيانات عن أفريقيا والشرق الأدنى باعتبارها بيانات مفتوحة. 

وثمة حاجة ملحّة إلى جعل الزراعة أكثر كفاءة. ويمكن تحسين إنتاجية المياه في الزراعة عن طريق خفض حجم المياه المفقودة من خلال تحديث نظم الريّ، وإدارة المياه على نحو أفضل، وزيادة إنتاجية المحاصيل من خلال استخدام أنواع المحاصيل المغذية ذات الغلال الوافرة.

وتستفيد منظمة الأغذية والزراعة، بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية وسائر الشركاء، من اليوم العالمي للمياه الذي يحتفل به في 22 مارس/آذار للتوعية بأهمية موارد المياه الجوفية من أجل إنتاج الأغذية والأمن الغذائي، بالتزامن مع صدور التقرير السنوي للأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم الذي يركّز هذا العام على المياه الجوفية.

اترك تعليقاً