اخر المقالات: مشاريع مخطط “المغرب الأخضر”.. تجسيد للرؤية المغربية المبتكرة للتنمية المستدامة || غابات المناطق الجافة بين البحث العلمي ورصيد التأهيل السوسيو ايكولوجي || مكافحة خصاص المياه في منطقة البحر المتوسط || حوار برلين حول تحول الطاقة:مواءمة الطاقة مع اتفاق باريس المناخي || المياه العادمه تساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة || اليوم العالمي للغابات 2017 || الأبقار البحرية وخطر الانقراض || الذكرى الأولى لافتتاح للمتحف الجامعي للنيازك || اليوم الدولي للغابات 2017 :الغابات والطاقة || اجتماع بالرباط حول حصيلة قمة ” كوب 22 ” وتوقعات مؤتمر ” كوب 23 “ || دور الشعوب الأصلية في صيانة الحياة البرية وسبل العيش القروية || البشر يتركون أثراً لا يُمحى على كوكب الأرض || شراكة ثلاثية من أجل التنمية المستدامة || وضع امدادات الغذاء العالمية قوي أمام تقلص قدرة الحصول على الطعام || الجوانب الجيوسياسية للتحديات البيئية || حقبة الطلائع الوسطى : فترة جيولوجية جديدة  بالمغرب || سباق على الجو بين الطيور والطائرات || الفحم يتراجع عالمياً ويزدهر عربيّاً || الأمن بين المناخ والموارد وحقوق الإنسان || إكتشاف مدينة غارقة تحت الماء بمثلث “برمودا” ||

najibsaab

نجيب صعب

ماذا بعد الاقتصاد الأخضر؟ سؤال طرحه مؤتمر الاتحـاد الدولي للمهندسين الاستشاريين. ولأن المـؤتمر عقد في سيول، عاصمة كوريا الجنوبية التي تتخذ من «النمـو الأخضر» أساساً لسيـاساتها الاقتصاديـة، كان ممكناً طـرح هذا السؤال. فمعظم بلدان العالم لم تبدأ بعد بالتعامل الجدي مع الاقتصاد الأخضر، ناهيك بالبحث في ما بعده.

اتفق المتحاورون في سيول على أنه اذا كان الهدف المباشر من التحول الى الاقتصاد الأخضر هو تأمين سبل العيش والبقاء للبشر في عالم يواجه نقصاً في الموارد الطبيعية، فالهدف في المدى البعيد يجب أن يكون تأمين نوعية حياة أفضل، وليس مجرد القدرة على الاستمرار في العيش. هذا يقتضي الانتقال الى أنماط جديدة في الانتاج والاستهلاك، تحافظ على التوازن في الموارد الطبيعية وتدعم قدرتها على التجدد. لكنها تذهب أبعد من هذا الى تنمية القدرة التجديدية لهذه الموارد، وعدم الاكتفاء باستنزافها.

قد تكون الكفاءة في استخدام الموارد الهدف الأكثر إلحاحاً في منطقتنا. فمع أن البلدان العربية هي الأفقر في المياه العذبة المتجددة، يتجاوز الاستهلاك الفردي المنزلي للمياه في بعض بلدانها أعلى المعدلات في العالم، وهي غالباً مياه بحر محلاة غالية الثمن. وتقلّ معدلات الكفاءة في الري عن ثلاثين في المئة. ولا تتجاوز كمية مياه الصرف التي تتم معالجتها وإعادة استعمالها خمسة في المئة. وتتميز معظم البلدان العربية بأدنى معدلات كفاءة استخدام الطاقة في العالم.

ويظهر التقرير الجديد الذي يعده المنتدى العربي للبيئة والتنمية عن فرص البقاء في البلدان العربية أنه اذا رفعت الدول العربية الرئيسية المنتجة للحبوب معدلات الانتاجية وكفاءة الري الى المستوى العالمي فقط، يمكنها أن تسد العجز. ويستتبع هذا تطوير فصائل جديدة من النباتات تتحمل الحرارة والجفاف، واستنباط تقنيات رخيصة لتحلية مياه البحر، بما قد يسمح باستخدامها أيضاً للانتاج الغذائي.

لم تكن هناك حاجة في سيول لتعريف «الاقتصاد الأخضر»، فهو سياسة حكومية تتم ممارستها يومياً في التطبيق العملي. لكن الكلام على الاقتصاد الأخضر في المنطقة العربية يتطلب أمثلة واقعية لتفسيره. إنه الاقتصاد الذي يقوم على الاستثمار المتوازن للموارد، بما يحافظ على قدرة الطبيعة على التجدد، ويؤمن النمو الاقتصادي، الآن وفي المستقبل. وقد بينت الدراسات التي أجراها المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن استثمار 100 بليون دولار سنوياً في الطاقة المتجددة يخلق أكثر من نصف مليون وظيفة جديدة، ويولد التحول الى ممارسات زراعية مستدامة دخلاً إضافياً للبلدان العربية يبلغ نحو خمسة في المئة من الناتـج المحلي الاجمالي. أما تخضير 50 في المئة من قطاع النقل، بجعله أكثر كفاءة وأقل تلويثاً، فيمكن أن يوفر 23 بليون دولار سنوياً.

يعتقد كثيرون أن التحول الى الاقتصاد الأخضر يتطلب كلفة أكبر من أنماط التنمية التقليدية. هذا الاعتقاد خاطئ تماماً، لأن المسألة هي إعادة جدولة التكاليف ومراحل استعادة الاستثمارات وجني العوائد منها. فالاقتصاد الأخضر قد يستدعي كلفة أعلى في مراحل التخطيط والتنفيذ، لكنه يتطلب مصاريف أقل في مرحلة الصيانة.

الانتقال الى الاقتصاد الأخضر يتطلب تطوير قاعدة صلبة للعلم والتكنولوجيا، وبنية تحتية للأبحاث من أجل التنمية. وأمام البلدان العربية المصدرة للنفط فرصة اليوم لتحويل جزء من دخلها الى إقامة اقتصاد قائم على تكنولوجيا المعرفة. وهناك مبادرات واعدة في هذا المجال، مثل جامعة الملك عبدالـله للعلوم والتكنولوجيا في السعودية ومدينة ومعهد مصدر في أبوظبي ومؤسسة قطر، المتخصصة في تطوير تكنولوجيات جديدة في قطاعات الطاقة والمياه وإنتاج الغذاء.

في كوريا الجنوبية وزارة مختصة باقتصاد المعرفة، هي المسؤولة عن تخطيط برامج النمو الأخضر في البلاد. يمكن للدول العربية أن تتعلم الكثير من التجربة الكورية، من حيث توظيف البحث العلمي في صناعة سياسات التنمية. هذا يتطلب تحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة في السياسات العامة، بدل الاكتفاء بالعلاقات العامة. 

(ينشر بالتزامن مع مجلة “البيئة والتنمية” عدد تشرين الأول/أكتوبر 2012) 

 

  

اترك تعليقاً