اخر المقالات: كوفيد 19..المغرب يقطع الشك باليقين في مسألة الكلوروكين || نحو تخفيف أعباء ديون أشد البلدان فقرا || جائحة كوفيد-19 تؤثر على النظم الغذائية في جميع أنحاء العالم، ولا يوجد بلد محصن || وجوب مبادرة خضراء جديدة بعد الوباء || هل سينجح حظر استهلاك الحيوانات البرية في الصين؟ || تسطيح منحنى مرض فيروس كورونا 2019 في البلدان النامية || الأزمة والمقارنة المضللة || ماذا يتعين على مجموعة العشرين أن تفعل || اللهم ارفع عنا هذا البلاء || حماية الأحداث نزلاء مراكز حماية الطفولة من خطر تفشي فيروس كورونا || التضامن الانساني في مواجهة تفشي  “فيروس كورونا || رسم خرائط الأراضي الخثية ورصدها || اكتشاف أقدم المستحاثات بالمغرب لحيوانات داخل مغارة وحيدي القرن || تقييد موقع النقوش الصخرية” أم الرواكن” في عداد الآثار الوطنية || كوارث بحجم الصين.. وحلول بحجمها || الوزير عبيابة يشرف على إحداث خلية لليقظة في مواجهة “وباء كورونا-كوفيد 19” على المستوى القطاعي || لقد حان الوقت لإنقاذ عالمنا الطبيعي || الطاقة النظيفة هي أيضا طاقة قادرة على الصمود || عين الاستدامة الدولية على الاقتصاد الأصفر .. فرص وإمكانيات || البنك الدولي: فيروس كورونا يُسلِّط الضوء على ضرورة تقوية الأنظمة الصحية ||

 

آفاق بيئية :نجيب صعب*

كان جوّ الخريف لطيفاً في الكويت، إذ لم تتجاوز الحرارة الخارجية 28 درجة مئوية نهاراً و24 ليلاً. لكن جوّ غرفة الفندق كان صقيعاً، حيث انخفضت الحرارة إلى ما دون 16 درجة.
وكمعظم الفنادق الحديثة، فالشبابيك غير قابلة للفتح، مما يعني عدم إمكان الاعتماد على الهواء الطبيعي. وبعد محاولات متكرّرة لتعديل درجة الحرارة، تبيّن أنها محددة مركزياً ولا يمكن التحكّم بها في الغرف. كما لا يمكن إغلاق جهاز التكييف كلّياً، إذ يستمر الهواء بالمرور من غرفة إلى أخرى. الحل الوحيد الذي استطاع الفندق تقديمه كان وضع جهاز تدفئة كهربائي في الغرفة، لرفع الحرارة من 16 إلى 22 درجة.
هذا مثال صارخ على الهدر في الطاقة. فهي تُستخدم أوّلاً لتبريد الغرفة إلى 16 درجة، ثم تدفئتها بجهاز كهربائي. فلو كان تصميم أجهزة التكييف صحيحاً، لأمكن التحكّم بحرارة معتدلة تؤمّن الراحة للجسم البشري، أو تركيب شبابيك قابلة للفتح، ليمكن الاعتماد على الهواء الطبيعي حين يكون الجوّ معتدلاً.
هذه الحالة المتطرّفة ليست معزولة. فهناك اتجاه سائد في معظم المدن العربية ذات الجوّ الحار لتبريد الأماكن العامة على نحو غير مريح. ليس غريباً، في هذه الحال، أن تصيبك قشعريرة برد حين تدخل إلى قاعة مؤتمر في أحد فنادق البحرين أو دبي، في وقت تتجاوز الحرارة الخارجية في فصل الصيف 40 درجة. وكأن البعض يعتقد أن عليه استخدام الطاقة إلى الحد الأقصى.
قبل التبريد والتدفئة، يتوجب تصميم الأبنية على نحو يتلاءم مع الظروف الطبيعية المحيطة. فإنشاء عمارات شاهقة، بواجهات زجاجية، في مدن حارّة وذات سطوع شمسي قويّ، يعني تجميع الحرارة داخل الغلاف الزجاجي، كما في بيوت الزراعة الخضراء. وكأننا نرفع درجة الحرارة الداخلية إلى معدّلات قياسية، عن سابق تصوُّر وتصميم، لإعادة تخفيضها بواسطة المكيّفات. وكان من الأجدى، بلا شك، الاعتماد على التصاميم المعمارية الصديقة للبيئة، التي تتجنب المشكلة من الأساس، عبر تحديد وجهة المبنى، للتحكُّم بزوايا دخول أشعة الشمس واتجاهات الرياح.
ارتفاع الطلب على الطاقة بوتيرة سريعة دفع البلدان العربية إلى ضخ استثمارات ضخمة بعشرات المليارات لتوليد مزيد منها في السنوات المقبلة. وإلى جانب توليد الكهرباء من الغاز والبترول، بدأ دخول الشمس والرياح إلى مزيج الطاقة في معظم البلدان العربية، في حين يعمل بعضها على إنشاء محطات تعمل بالطاقة النووية. لكن هذه الاستثمارات لا تعطي مردوداً اقتصاديا مجدياً مع الهدر وانخفاض الكفاءة. هذا كان وراء انطلاق برامج كفاءة الطاقة، التي تهدف إلى التحكُّم بالطلب بدل الاكتفاء بزيادة العرض عن طريق توسيع الإنتاج. وفي حين أسفر انخفاض أسعار إنتاج الطاقة من مصادر محلّية، إلى جانب دعم الأسعار، عن استسهال التبذير وزيادة الاستهلاك، فلا بد من وضع ضوابط تمنع تكرار العادات الاستهلاكية نفسها مع الكهرباء المنتجة من الشمس والرياح، لمجرّد أنها متوفرة من مصادر طبيعية، وكلفة توليدها تنخفض. فمع أن الشمس والرياح مصدران لا ينضبان، لكن صناعة اللاقطات الشمسية وتوربينات الرياح تستهلك موارد طبيعية معرَّضة للنضوب، كما أنّ لتشغيلها أثراً كبيراً على المحيط الطبيعي.
مهما كان مصدر الطاقة، فمن الواجب الحرص في استخدامها. لذا لا يجوز أن تنحصر سياسات الطاقة في البلدان العربية بالتوسُّع في الإمدادات لتأمين الطلب المتزايد، بل يجب أن تلحظ تدابير للحدّ من الطلب. وهذا يتطلّب العمل على تعزيز كفاءة استخدام الطاقة كهدف استراتيجي، أكانت كهرباء للبيوت والمصانع، أم مشتقات نفطية لتشغيل الآليات والسيارات. فإدارة الطلب على الطاقة عن طريق الكفاءة كفيلة بخفض الطلب، وبالتالي الحدّ من الحاجة إلى بناء معامل توليد جديدة أو تزويد السوق بكميات أكبر من المنتجات النفطية. وقد أشارت الدراسات إلى أن البلدان العربية تستطيع إنقاص استهلاك الطاقة بنسبة 30 في المائة بواسطة تدابير ممكنة لتعزيز الكفاءة.
الوعي الفردي، على أهميته، لا يكفي وحده. فتحقيق نتائج ملموسة في مجال كفاءة الطاقة وضبط الاستهلاك يتوقفان على سياسات حكومية لتنظيم السوق، لكن يتوقفان خصوصاً على تخفيض الدعم عن أسعار المحروقات والكهرباء، ووضع قيود على الأجهزة المنزلية والآليات الصناعية والسيارات، وفق معايير مشدّدة تضمن كفاءة الاستهلاك.
معظم البلدان العربية تنبهت إلى الضرر الاقتصادي والبيئي لهدر الطاقة، فأعادت النظر بدعم الأسعار وباشرت وضع معايير لكفاءة الأجهزة والمعدات والآليّات. وأنشأت دول، مثل المغرب والسعودية والإمارات والأردن، هيئات حكومية مختصة بوضع برامج وسياسات لتحقيق كفاءة الطاقة. ويبذل المركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، الذي يتخذ من القاهرة مقرّاً، جهداً كبيراً في هذا المجال.
لا يمكن تحقيق نتائج كبيرة عن طريق تدابير طوعيّة فقط. المطلوب وضع شروط إلزامية لكفاءة الطاقة، تتضمن معايير صارمة، وتوفير التدريب والدعم الفني لتطبيقها، إلى جانب عقوبات رادعة تُلزِم المخالفين بالامتثال. هكذا فقط يمكن أن نمنع فندقاً ذا 5 نجوم من تبريد غرفه إلى 16 درجة مئوية، وتدفئتها في الوقت نفسه لرفع الحرارة إلى 22 درجة. فلو كان عليه دفع الثمن الحقيقي لكهرباء غير مدعومة، لما وصل به الأمر إلى هذه المعادلة السوريالية.
على الدول التي باشرت برامج لإلزام المستهلكين بكفاءة استهلاك الطاقة التشدد في التطبيق، كما على الدول التي ما تزال متساهلة البدء فوراً ببرامج فعّالة لإدارة الطلب بدلاً من الاكتفاء بزيادة الإنتاج.

* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) رئيس تحرير
مجلة «البيئة والتنمية»

اترك تعليقاً