اخر المقالات: لا وقت للهزل : كيف نتجنب كارثة مناخية || هل عفا الزمن عن المدن؟ || مفارقة إزالة الكربون || سعد السعود في الموروث الجمعي بالمشرق العربي || تنزيل مشاريع شجر الأركان يمضي بخطى ثابتة نحو تطوير سلسلة زراعية بيئية قائمة الذات || رسائل المصرى القديم فى عيد الشمس الشتوى بابى سنبل || تقدير التكلفة الاجتماعية الحقيقية المترتبة على استهلاك الكربون || نيازك المناطق الصحراوية المغربية : تراث مادي ذو أهمية علمية || دورة تدريبية حول صناعة الأفران الشمسية للطبخ || مسابقة النخلة بألسنة الشعراء في دورتها الخامسة 2021 || التغير المناخي كان سبب الهجرات وزوال مستوطنات في مصر القديمة || القطب الشمالي على الخطوط الأمامية || المرجين.. كارثة بيئية يخلفها موسم جني الزيتون || الجائحة وساعة القيامة || الجائحة الصامتة لمقاومة المضادات الحيوية || ملتقى دافوس يناقش التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والتكنولوجية في أعقاب جائحة كوفيد-19 || أوروبا يجب أن تكون قوة مناخية عالمية || مشروع دعم المياه والبيئة في سياق الرهانات الواقعية والتوقعات المستقبلية || فى احتفال مصر بيوم البيئة الوطني : لنتقدم نحو اقتصاد أخضر || آفاق واعدة لتنمية تربية الأحياء البحرية بجهة سوس ماسة ||

آفاق بيئية : البيئة والتنمية 

يعد مفهوم “البناء الذكي” من أبرز الابتكارات الثورية التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية، وهو يشير إلى المباني المجهزة بأحدث تقنيات الكومبيوتر وأجهزة الاستشعار، ما يمنح المستخدمين مستويات جديدة من التحكم في البيئة العمرانية.

وفي حين لايزال العدد الإجمالي للمباني الذكية حول العالم صغيراً، فإن مجموعة رائعة من التقنيات المتقدمة جرى تطويرها لتلبية احتياجات هذه السوق الناشئة. ومع التطور السريع في تكنولوجيا الهواتف الذكية، يبدو المستقبل واعداً، فيما يتخذ تفاعل الناس مع البيئة العمرانية طرائق وأساليب لم يكن في الإمكان تخيلها قبل سنوات قليلة.

في المقابل، يجب التمييز بين اتجاهات التطور التقني للهواتف المحمولة وتطور المباني الذكية. فالأخيرة مصممة للاستخدام المشترك من قبل الأسر والمنظمات والأحياء والمجتمعات، ولذلك تتطلب مقاربة تقنية تختلف عن الابتكارات الموجهة للأفراد فقط. فالغاية توفير مبانٍ رشيقة ومرنة، تستجيب سريعاً للأوضاع المتغيرة، وتطوّر نفسها عبر التحسين المتواصل لتلبية احتياجات المستخدمين.

ما هي المباني الرشيقة، وكيف تعمل؟

حالياً، يعيش أكثر من أربعة بلايين شخص ضمن المدن، أي أكثر من نصف سكان العالم. وهذا العدد يشهد نمواً متسارعاً، خاصةً في آسيا وأفريقيا، حيث تزداد أعداد سكان المدن على حساب التراجع في الريف. وفي سنة 2050، من المتوقع أن يقيم 70 شخصاً في المدن من بين كل 100 شخص.

المباني “الرشيقة” في المدن ستكون منطلقاً لتعزيز صحة المجتمع ومرونته عبر توفيرها بيئة حضرية أقوى وأكثر ترابطاً، وهي ستوفر الدعم لموظفي المكاتب خلال أوقات العمل، وتعمل على استدامة الأحياء والمجتمعات بتوفير الغذاء المنتج محلياً في الحدائق وعلى الأسطح الخضراء، وتشجع الاستخدام الذكي للأراضي مع الاعتماد على المساحات المفتوحة وتحقيق المرونة في الاستجابة للمتغيرات. وهي لن تحافظ فقط على استقلال طاقتها، بل ستؤمن أيضاً تغذيةً عكسيةً للشبكة العامة.

ويفترض إنشاء جيل من المباني الرشيقة تحديد المبادئ والنتائج التي يجب على هذه المباني تجسيدها وتحقيقها. وفي الخطوط العامة، على المباني الرشيقة أن تكون محايدةً كربونياً، موفرةً في الطاقة، متطورةً تقنياً، وتدعم مزيجاً متنوعاً من الاستخدامات والأنشطة. يجب على المباني الرشيقة أن تتبنى مفهوم “الأداء الكلي للبناء”، الذي يقيّم الأداء استناداً إلى الخبرة التصميمية وفق ست فئات: التجربة المكانية، والتجربة الصوتية، والتجربة البصرية، والتجربة الحرارية، ونوعية الهواء الداخلي، والترابط العمراني.

كما يجب على المباني الرشيقة الاستفادة من شبكة البيانات الرقمية ومعطيات المراقبة في الوقت الفعلي، لتكون أكثر أماناً وصحةً وأفضل للناس والبيئة. وعليها أن تستخدم بشكل مكثف أحدث تقنيات الاستشعار، وتكون متناغمةً مع المتطلبات الفريدة للمناخ المحلي والبيئات الطبيعية، وتشجّع التنقل المستدام، وتسهل الوصول إلى وسائط النقل الجماعي.

تستطيع المباني الرشيقة تحسين حياتنا من خلال ثلاثة مجالات تأثير رئيسية: التأثير البيئي والتأثير المادي والتأثير الرقمي. وفيما يقوم كل مجال على مقاربة مختلفة في التصميم، إلا أن المحصلة الإجمالية غالباً ما تكون متكاملةً ومتداخلةً.

التأثير البيئي

وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تستهلك المدن 75 في المئة من الموارد الطبيعية للأرض و80 في المئة من الطاقة العالمية المنتَجة، وتتسبب بنحو 75 في المئة من انبعاثات الكربون سنوياً. لذلك فإن أبرز تحدّ بيئي تواجهه المدن المستدامة هو مصدر الطاقة وكفاءتها.

تستخدم المباني المبتكرة، مثل مكاتب شركة “غلوماك” الهندسية في مدينة لوس أنجلس الأميركية، تصميماً مبتكراً للعمل على مستويات خالية من الكربون وإنتاج طاقة مضافة، ما يساعد على مواجهة تحديات مهمة مثل تغير المناخ. تقع مكاتب شركة غلوماك، التي تبلغ مساحتها الإجمالية 1625 متراً مربعاً، في الطابق الثالث والعشرين من ناطحة سحاب مكونة من 62 طابقاً، وهي تنتج طاقةً تفوق بثلاثة أضعاف ما تستهلكه، وتوفر الماء والتهوئة لعشرين طابقاً آخر ضمن المبنى.

وتستفيد الشركة من جهاز تبريد جديد مصمم خصيصاً لاسترداد الحرارة الضائعة التي ينتجها مركز بيانات الكتروني يقع في الطوابق الدنيا، حيث يستخدم الجهاز هذه الطاقة في توفير المياه الساخنة، والتحكم في درجة الحرارة للمكاتب التي تقع في الطوابق الوسطى. ومن ناحية أخرى، تعتمد الشركة على أجهزة الإنارة الموفرة للطاقة بتقنية “ليد”، وتستغل بشكل مكثف الإضاءة الطبيعية لتقلل حاجة المكاتب إلى الطاقة.

التأثير المادي

يمكن أن تكون نوعية الهواء داخل المبنى أسوأ بكثير من نوعية الهواء الخارجي، ما يؤدي إلى آثار سلبية طويلة الأجل على صحة شاغلي المبنى ورفاهيتهم. ولا يتعلق الأمر بجودة الهواء فحسب، وإنما يتصل أيضاً بتأثير تصميم المبنى على الحركة العامة، إذ يجب أن يسهل تنقل الأشخاص نحو الأماكن المختلفة مع الإفادة من جميع وسائل الراحة المتاحة.

ومن الأمثلة على هذا برج “بي إن سي بلازا” في مدينة بيتسبرغ الأميركية، الذي يوظف العديد من ميزات تصميم المباني الرشيقة لتحسين جودة الهواء الداخلي وتسهيل تنقل الشاغلين، ما يترك أثراً مادياً إيجابياً على المستخدمين. وهو يتميز بواجهته المبتكرة المضاعفة، التي تضم ألواحاً زجاجيةً متعددة الطبقات، تعمل بمثابة نظام تهوئة طبيعي، تُفتح وتُغلق على أساس درجة الحرارة والرطوبة الخارجية لتسمح بتدوير الهواء الخارجي السليم في جميع أرجاء المبنى.

كما يحتوي برج بي إن سي بلازا على وحدة تحكم مركزية لإدارة طاقة المبنى، تنظّم عمل التجهيزات الميكانيكية المختلفة، وتجري برمجتها لضمان سلامة الشاغلين في حالة نشوب حريق أو حصول كارثة طبيعية. وتقوم تدفئة البرج على فكرة “البيت الزجاجي”، بفضل عزله الجيد واستغلاله لحرارة الطاقة الشمسية، التي تُحتجز خلف الألواح الزجاجية للواجهة، ويجري تدويرها في جميع أنحاء المبنى. ويتلخص الأثر المشترك للواجهة الزجاجية وتدوير الحرارة في أن هذا المبنى المكتبي الذي تبلغ مساحته الطابقية أكثر من 74 ألف متر مربع لا يستخدم أية طاقة خارجية خلال 42 في المئة من ساعات العمل.

ويوفر نظام الأدراج المتكامل إمكانية التنقل بسهولة، كما يجعل الوصول إلى المساحات المشتركة ضمن البرج أمراً سلساً. ويوفر البرج، الذي يقع في وسط المدينة، سهولة الوصول إلى وسائط النقل الجماعي، كما يتيح حيزاً كافياً لركن الدراجات الهوائية ويخصص مركز صيانة يقوم على الخدمة الذاتية، وهذا يساعد الأشخاص على تبني خيارات بديلة في التنقل منخفضة الكربون.

التأثير الرقمي

مع ازدياد تعقيد أنظمة إدارة الطاقة في المباني، فإن قدرتها على التجاوب مع مجموعة واسعة من تقنيات الإنترنت تتحسن ويمكن للمباني أن تسخّر القوة المتنامية للتقنيات الرقمية بهدف توفير الطاقة، وتحسين جودة الهواء الداخلي، وتعزيز تجربة المستخدمين. وقد خصص مركز الأبحاث المتقدمة في هيوستن مساحة من الأرض لتكون بمثابة مختبر حي للبحوث الرائدة على البيئة العمرانية، وهي تضم عدداً من أنظمة المباني المبتكرة التي يجري تشغيلها بشكل تشاركي يساعد على تحسين تجربة المستخدم.

تُطبق في هذه المباني تقنيات الاستشعار الذكي، التي ترتبط بنظام إدارة الطاقة وتوظف البيانات الناتجة عنها في تطوير التعلم الذاتي الخاص بنظم التدفئة والتبريد وتنقية الهواء. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى جعل أنظمة المباني تعمل آلياً لتتجاوب بسرعة مع نسب الإشغال، وتفضيلات المستخدم المحددة مسبقاً في ما يخص درجات الحرارة والإضاءة. كما تغطي شبكة “واي فاي” عالية السرعة كامل حيز المباني، ما يتيح للمستخدم التواصل مع العالم الخارجي بسهولة كبيرة. ومن ناحية أخرى، توجد أجهزة استشعار لتحديد مستويات ثاني أوكسيد الكربون لضمان جودة الهواء في الأماكن المغلقة.

حياة أفضل في كل مبنى جديد

إذا صحّت التوقعات الحالية، سيكون هناك نحو 3 بلايين مستخدم للهواتف الذكية بحلول سنة 2020، أي 40 في المئة من تعداد سكان العالم. وفي حين لا توجد نماذج تاريخية تشابه ثورة الهواتف الذكية التي حصلت خلال أقل من عقدين، إلا أن المباني الرقمية بالكامل قد تكون هي الابتكار القادم الذي يشهد نهضةً تقنيةً غير مسبوقة.

يمكن لمبنى واحد، سواء كان مكتبياً أو مركزاً للبيع بالتجزئة أو مدرسةً أو متحفاً أو حرماً جامعياً أو مقراً حكومياً أو مؤسسةً مدنيةً، أن يخدم مئات أو حتى آلاف الأشخاص يومياً. ولهذه الأماكن تأثير هائل على حياة الناس اليومية، خاصةً أن أغلب الناس يقضون معظم وقتهم داخل المنشآت المبنية.

المباني الرشيقة هي عنصر أساسي لمواجهة التحديات الكبيرة التي تنتظر العالم بما فيها تغير المناخ وضمان صحة الإنسان في مدن متكاملة منفتحة تتاح فيها الفرص للجميع. وكما استطاعت الهواتف الذكية تقديم الكثير للأفراد، فإن المباني الرشيقة، التي يتم التحكم بها عبر أنظمة آلية، تعد أيضاً بالكثير.

اترك تعليقاً