آفاق بيئية: محمد التفراوتي
يصعب الاحتفاء بالخطاب الداعي إلى الاستدامة من دون التوقف عند مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن توسيع خطط التدبير، وتطوير آليات الامتثال، وتعزيز التعاون الإقليمي، في الوقت الذي يتعذر فيه اتخاذ خطوة إضافية لحماية أعماق البحار من أحد أكثر أنشطة الصيد إضرارا بموائلها الطبيعية؟
لا يتوفر البحر المتوسط على وفد يمثله للتفاوض دفاعا عن أعماقه، ولا على أسطول يدافع عن موائله، ولا على مقعد مستقل حول طاولة صنع القرار. كل ما يملكه هو هشاشة نظمه الإيكولوجية، وذاكرة طويلة من الاستنزاف، وحق طبيعي في البقاء والتجدد.
كنت أتمنى أن تدخل روما، باعتبارها المدينة المستضيفة لأشغال الهيئة العامة لمصايد الأسماك في البحر المتوسط (CGPM)، تاريخ حماية البحار باعتبارها المدينة التي انتصرت فيها الحكمة على الجشع، وتقدمت فيها المسؤولية البيئية على الحسابات الاقتصادية قصيرة النظر، ونجحت فيها الدول المطلة على المتوسط في وضع حد لهيمنة المصالح الصناعية على حق البحر في الحياة والتجدد.
ومن خلال متابعتي الدقيقة لأشغال الدورة التاسعة والأربعين للهيئة، كنت آمل أن تفضي هذه المحطة إلى قرار تاريخي يعيد الاعتبار للعلم والتحذيرات البيئية، ويؤكد أن مستقبل الموارد البحرية المشتركة أوسع بكثير من حسابات أساطيل الصيد وموازين القوى. كان الرهان أن تنتصر الحكمة على المصالح الآنية، وأن تدرك الدول التي عارضت توسيع نطاق تدابير الحماية أن البحر المتوسط يواجه تحديات تتجاوز بكثير اعتبارات الربح والخسارة في قطاع الصيد البحري.
لكن مع اختتام اجتماع الهيئة، لم تكتب روما تلك الصفحة التاريخية التي كنت أترقبها. انتهت المفاوضات، واختتمت الاجتماعات، واعتمدت القرارات والتوصيات، فيما ظلت إحدى أبرز قضايا حماية البحر المتوسط معلقة، أمام معارضة إيطاليا وإسبانيا للمقترح الرامي إلى توسيع نطاق حظر الصيد بشباك الجر القاعية في المياه العميقة، من خلال خفض الحد الأقصى للعمق المشمول بالحظر من 1000 متر إلى 800 متر. وهكذا ضاعت فرصة كان من الممكن أن تجعل من هذه الدورة منعطفا حقيقيا في مسار حماية النظم الإيكولوجية العميقة.
إنها خيبة أمل، لكنها أيضا صدمة أمام استمرار منطق المصالح الضيقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببحر فريد تتقاسم الدول المطلة عليه موارده ومخاطره، من دون أن تتوفر لها جميعا القدرة نفسها على التأثير في القرارات.
بحر متوسطي واحد… لكن موازين القوى السياسية والاقتصادية غير متكافئة
استهدف المقترح التركي، الذي حظي بدعم المغرب ومصر ولبنان والجبل الأسود، توسيع نطاق الحظر القائم على الصيد بشباك الجر القاعية في المياه التي يتجاوز عمقها 1000 متر، ليشمل أيضا المنطقة الواقعة بين 800 و1000 متر. ويتعلق الأمر بتدبير احترازي يرمي إلى حماية الموائل البحرية العميقة، التي تشكل خزانات مهمة للتنوع البيولوجي وملاذات للعديد من الأنواع البحرية، فضلا عن دورها في تعزيز قدرة النظم الإيكولوجية على الصمود أمام التغيرات المناخية.
وعلى الرغم من أهمية هذا المقترح، لم تتمكن الدول الأعضاء من التوصل إلى توافق بشأنه، بعدما عارضت إيطاليا وإسبانيا اعتماده، حتى عقب اقتراح فترة انتقالية مدتها سنتان تتيح التكيف مع التدبير الجديد، وفق المعطيات التي أوردتها المنظمات البيئية التي تابعت المفاوضات.
وقد كشفت هذه اللحظة طبيعة التوازنات التي تتحكم في بعض القرارات داخل الهيئة. فبينما تتحدث الدول عن المسؤولية المشتركة والتعاون الإقليمي، تظهر حدود هذا التعاون بمجرد الانتقال إلى حماية الموارد بصورة ملموسة، خصوصا عندما تصطدم التدابير البيئية بمصالح أساطيل الصيد الصناعي الكبرى.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: بعض الدول المتوسطية تدافع عن توسيع تدابير الحماية استنادا إلى اعتبارات علمية وبيئية، بينما تعارضها دول أخرى. وفي الوقت نفسه، يبدو أن ثقل الأساطيل والاعتبارات الاقتصادية لبعض القوى البحرية قادران على ترجيح كفة المفاوضات.
ولا يتعلق الأمر بإقامة مواجهة مبسطة بين شمال المتوسط وجنوبه، أو التشكيك في حق كل دولة في الدفاع عن مصالح قطاعها البحري. إن جوهر المسألة يرتبط بمدى عدالة القرارات الإقليمية، وبقدرة الدول التي لا تتوفر على أساطيل صناعية ضخمة على المشاركة في رسم مستقبل مورد تتقاسمه جميع الأطراف.
هل من المعقول أن تظل حماية نظام إيكولوجي بحري مشترك رهينة حسابات عدد محدود من أساطيل الصيد الصناعي؟ وهل يمكن الحديث فعلا عن حكامة متوسطية متوازنة، عندما يصبح وزن إرادة الحفاظ على الموارد أقل من نفوذ المصالح التجارية؟
تكاد الصورة تبدو كاريكاتورية: بحر واحد، وموارد مشتركة، ومخاطر مناخية لا تستثني أحدا، لكن قرار الحماية يصطدم بمصالح أساطيل لا تمثل سوى جزء من النشاط الصيدي في هذا الحوض. وكأن البحر الأبيض المتوسط مطالب بالحصول على موافقة كل سفينة صناعية قبل أن يصبح من حقه أن يحظى بالحماية!

المواقف المغاربية الداعمة لحماية أعماق البحار
وسط هذه الاختلافات، عبّر المغرب، المؤيد لتوسيع نطاق حظر الصيد بشباك الجر القاعية في المياه العميقة، بوضوح عن دعمه لهذا التدبير. وقد أوضحت رئيسة الوفد المغربي، فاطمة الزهراء الحسوني، مرتكزات هذا الموقف بالقول:
«يستند موقف المغرب إلى دراسات علمية واجتماعية واقتصادية، في إطار الحفاظ على الموارد الهشة والنظم الإيكولوجية البحرية بالبحر الأبيض المتوسط، وانسجاما مع توصيات الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد سنة 2020، المنبثق عن اتفاقية التنوع البيولوجي».
وأضافت أن أي تدبير وطني مرتقب في هذا الاتجاه سيخضع، بشكل مسبق، للتشاور مع المهنيين المعنيين بقطاع الصيد البحري، بما يضمن أخذ الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالأنشطة الصيدية بعين الاعتبار.
ويأتي هذا الموقف في سياق يوجد فيه المغرب أيضا ضمن الدول التي جرى الاعتراف بمستوى امتثالها للالتزامات الإقليمية. فقد صُنّفت المملكة ضمن الفئة الأولى للامتثال، إلى جانب ألبانيا والجبل الأسود وتركيا والاتحاد الأوروبي.
ويعكس هذا التصنيف مدى احترام التوصيات التي اعتمدتها الهيئة، خصوصا فيما يتعلق بإحالة البيانات والمعلومات المطلوبة، والوفاء بالالتزامات والإجراءات التي أقرتها المنظمة الإقليمية.
كما يقدم هذا التصنيف مؤشرا مؤسساتيا على انخراط المغرب في آليات الحكامة الإقليمية لمصايد الأسماك، وعلى التزاماته في مجال التدبير المستدام للموارد السمكية.
وبعيدا عن دلالات هذا التصريح، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الالتزام الداعم لتعزيز حماية البيئة البحرية إلى تدابير عملية، مع ضمان المشاركة الفعلية للمهنيين في إعدادها وتنفيذها؟

وفي السياق نفسه، قدم أحد أعضاء الوفد الليبي المشارك في الدورة التاسعة والأربعين للهيئة العامة لمصايد الأسماك في البحر المتوسط، في تصريح خص به «آفاق بيئية»، أبرز التوجهات التي يدافع عنها بلده في مجال تدبير مصايد المياه العميقة وحماية النظم الإيكولوجية البحرية.
وقال: «بخصوص المقترح المتعلق بحظر الصيد بشباك الجر القاعية على أعماق تتجاوز 800 متر، وفي الوقت الذي طالبت فيه بعض الدول بمزيد من الوقت لإجراء الدراسات واعتماد مقاربة تدريجية للتقييم، تدعم ليبيا حظر الصيد في هذه الأعماق، بهدف ضمان أعلى مستوى ممكن من الحماية للبيئات البحرية الهشة والحد من الآثار السلبية للصيد بشباك الجر القاعية، مع مواصلة الدراسات والتقييمات العلمية اللازمة».
كما أشار الممثل الليبي إلى مجموعة واسعة من الأولويات التي جرى بحثها في إطار برنامج العمل للفترة 2026-2028، من بينها تعزيز تتبع الأنواع الحساسة، وتجريب مقاربات للتدبير وفق نظام الفسيفساء بالنسبة إلى مصايد الروبيان في المياه العميقة.
وشملت المناقشات أيضا إنجاز تقييمات سنوية منتظمة لمخزونات الروبيان في المياه العميقة، وإدماج المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية في تقييم فعالية خطط التدبير، فضلا عن تحسين المشورة العلمية الموجهة لتوجيه القرارات نحو تحقيق أهداف الاستدامة.
وامتدت محاور العمل الأخرى إلى تحيين الأدوات الإقليمية للتخطيط المجالي للمناطق المخصصة لتربية الأحياء المائية (AZAs)، وتعزيز برامج التكوين وتنمية القدرات، والقضايا المرتبطة بالميزانية، وتحسين أنظمة جمع البيانات وتبادلها بين الدول الأعضاء.
وتعكس المواقف التي عبر عنها المغرب وليبيا تقاربا مغاربيا في دعم تعزيز حماية النظم الإيكولوجية البحرية العميقة، مع التركيز على أهمية البحث العلمي واستحضار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية. غير أن هذا التقارب لم يكن كافيا لتجاوز الخلافات بين الدول، أو لإنجاح مقترح توسيع نطاق حظر الصيد بشباك الجر القاعية.
التحذيرات البيئية في مواجهة سنة إضافية من دون تعزيز الحماية
في قراءة أخرى لنتائج الدورة، عبّرت إستر وزنياك، المسؤولة عن أنشطة الترافع بمؤسسة «The Pew Charitable Trusts» من أجل الصيد المستدام على المستوى العالمي، ولا سيما داخل المنظمات الإقليمية لتدبير مصايد الأسماك في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، عن خيبة أملها إزاء عدم توصل الدول إلى اتفاق بشأن المقترحات الرامية إلى الحد من أنشطة الصيد التي قد تهدد الموائل البحرية الحساسة.
وترى وزنياك أن مصايد الأسماك المتوسطية، التي ساهمت على مدى آلاف السنين في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد لعشرات الدول، دفعت ثمنا باهظا نتيجة الصيد المفرط وسوء التدبير. وقد أدت هذه الضغوط إلى استنزاف مخزونات سمكية مهمة وتدهور عدد من النظم الإيكولوجية البحرية المحلية.
وحذرت من أن تأجيل القرارات سيؤخر سنة إضافية على الأقل حماية أكبر الشعاب المرجانية الحيوانية في البحر الأبيض المتوسط، وهي الشعاب الوحيدة التي ما تزال تعرف امتدادا ونموا في الوقت الراهن، إلى جانب موائل أخرى في أعماق البحار.
ودعت الحكومات المتوسطية إلى استثمار سنة 2027 في تعزيز تعاونها، وتفادي تكرار العراقيل نفسها خلال الدورة المقبلة، بما يسمح باعتماد تدابير الحماية الضرورية من دون تأجيل جديد.
وفي المقابل، أقرت وزنياك بالتقدم المحرز في تحسين تدبير المصايد، مشيدة بالاتفاق بشأن اعتماد استراتيجيات تدبير قائمة على أسس علمية للنازلي الأوروبي في مضيق صقلية والروبيان الأحمر العملاق في البحر الأيوني. ومن شأن هذه التدابير تحسين تأطير أنشطة الصيد وتوجيه استغلال هذه الأنواع نحو مستويات أكثر استدامة، مع دعم الأسواق والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
من جانبها، نددت فيرا كويلو، المديرة التنفيذية ونائبة رئيس منظمة «Oceana» في أوروبا، بشدة بفشل المفاوضات، محملة إيطاليا وإسبانيا مسؤولية عرقلة التوافق، وقالت:
«إن هذا العجز عن التحرك يشكل وصمة عار؛ إذ تستطيع إيطاليا وإسبانيا وضع منطقة البحر المتوسط بأكملها رهينة لمصالح عدد محدود من سفن الجر الصناعي العاملة في المياه العميقة، رغم أن المعطيات تثبت أن الآثار الاقتصادية لهذا التدبير ستكون محدودة للغاية. وفي الوقت الذي تواجه فيه المنطقة موجات حر شديدة، ينبغي أن تكون الأولوية للمبدأ الاحترازي، من أجل حماية الدور الحيوي الذي تؤديه النظم الإيكولوجية العميقة باعتبارها ملاذات مناخية. كما تثير هذه النتيجة مخاوف بشأن القيادة التي يعلنها الاتحاد الأوروبي وقدرته على ترجمة التزاماته المتعلقة بالحفاظ على المحيطات إلى إجراءات ملموسة».
ويترك هذا الإخفاق الموائل الهشة في أعماق البحار عرضة لتأثيرات أنشطة الصيد، رغم أهميتها للتنوع البيولوجي البحري، وتعزيز القدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، والمساهمة في تعافي المخزونات السمكية المستنزفة ذات القيمة التجارية المرتفعة، ولا سيما الروبيان الأحمر في المياه العميقة.

وفي البحر المتوسط يشهد ارتفاعا متسارعا في درجات الحرارة، ويتعرض لموجات حر بحرية أكثر شدة، يبدو رفض هذا التدبير مثيرا لمزيد من القلق، خصوصا أن الدراسات التجريبية التي أنجزتها الهيئة العامة لمصايد الأسماك في المنطقة أظهرت محدودية التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المتوقعة لهذا الحظر على قطاع الصيد.
بدورها، دعت دومتيلا سيني، مديرة منظمة «MedReAct»، الحكومات إلى عدم التخلي عن هذا الهدف ومواصلة الجهود من أجل اعتماد التدبير ابتداء من سنة 2027، مضيفة: «نثمن أيضا الدور القيادي الذي اضطلعت به تركيا، إلى جانب الدول التي أقرت بالفعل حظرا وطنيا على الصيد بشباك الجر القاعية في الأعماق التي تتجاوز 800 متر، ومن بينها مصر والجبل الأسود وفرنسا».
وفي الاتجاه نفسه، أكد ظافر كيزيلكايا، رئيس مؤسسة «Mediterranean Conservation Foundation» (Akdeniz Koruma Vakfı)، الدور الريادي لتركيا في الدفاع عن هذا التدبير، معربا عن أسفه لمعارضة إيطاليا وإسبانيا، وقال: «لقد أثبتت تركيا أن بإمكان دولة متوسطية الاضطلاع بدور قيادي في حماية أعماق البحار، بدعم من دول تقع على ضفتي الحوض. ومن المخيب للآمال بشدة أن تختار إيطاليا وإسبانيا عرقلة تدبير لا تتجاوز تكلفته بالنسبة إلى قطاع الصيد حدودا ضئيلة، في حين أن فوائده للتنوع البيولوجي والمخزونات السمكية ستكون مستدامة».
وتكشف مجمل هذه المواقف عن المفارقة التي ميزت الدورة التاسعة والأربعين: تقدم ملموس في بعض مجالات تدبير المصايد، مقابل إخفاق في اعتماد تدابير وقائية تستهدف حماية موائل بحرية عميقة شديدة الحساسية. ولذلك، فإن سنة الانتظار الإضافية لا تمثل مجرد تأجيل إداري، وإنما سنة أخرى ستظل خلالها هذه النظم الإيكولوجية عرضة للضغوط الناجمة عن أنشطة الصيد.
أعماق البحار: الكلفة الإيكولوجية لقرار مؤجل
ما يزيد هذه النتيجة إثارة للقلق هو أن البحر المتوسط يواجه تحولات مناخية متسارعة، وموجات حر بحرية تزداد شدة، وضغوطا متراكمة على موارده ومخزوناته السمكية. وفي ظل هذه الظروف، تكتسب حماية الموائل العميقة أهمية متزايدة، بالنظر إلى هشاشتها وبطء تعافي العديد من مكوناتها البيولوجية بعد تعرضها للاضطراب أو التدمير.
وفضلا عن ذلك، فإن مقترح توسيع نطاق الحظر لا يستند إلى اعتبارات نظرية أو افتراضات مجردة؛ فالهيئة تتوفر على دراسات ومعطيات علمية بشأن تدبير مصايد المياه العميقة. كما تؤكد المنظمات البيئية المدافعة عن هذا المقترح أن التداعيات الاقتصادية المتوقعة لهذا التدبير تظل محدودة مقارنة بالمكاسب البيئية المنتظرة منه.
وبذلك، تتجاوز المسألة حدود المفاوضات المؤسساتية لتطرح سؤالا جوهريا: ما الذي يدفع بعض الدول إلى القبول بمخاطر استمرار الضغوط على الموائل العميقة، في الوقت الذي توصف فيه كلفة الانتقال إلى تدابير وقائية أكثر صرامة بأنها محدودة نسبيا؟ أليست الوقاية أقل كلفة من إصلاح الأضرار الناجمة عن تدهور النظم الإيكولوجية واستنزاف المخزونات السمكية؟
إن تغليب البعد البيئي لا يعني تجاهل الرهانات الاجتماعية والاقتصادية للصيد البحري، أو إغفال أوضاع الصيادين والمجتمعات الساحلية. لكنه يقتضي وضع حدود واضحة للاستغلال، حتى لا تنتهي المصالح الاقتصادية الآنية إلى تقويض الأسس الطبيعية التي يعتمد عليها النشاط البحري نفسه.

قرارات عديدة… لكن اختبارا استراتيجيا لم يتم اجتيازه
من الإنصاف الإقرار بأن الدورة التاسعة والأربعين لم تخل من نتائج إيجابية. فقد اعتمدت الهيئة 11 توصية ملزمة وقرارين، أي ما مجموعه 13 تدبيرا تنظيميا يهدف إلى تعزيز الاستغلال المستدام لأهم المخزونات السمكية، وتطوير تربية مسؤولة للأحياء المائية في البحر المتوسط والبحر الأسود.
وتغطي التوصيات الإحدى عشرة المعتمدة مجموعة من تدابير تدبير المصايد في البحر المتوسط والبحر الأسود. وتشمل، على وجه الخصوص، تمديد خطط التدبير متعددة السنوات الرامية إلى ضمان الاستغلال المستدام لمخزونات الروبيان الأحمر العملاق والروبيان الأزرق والأحمر في البحر الأيوني ومضيق صقلية وحوض المشرق.
كما تتعلق بتعزيز تدبير مصايد الأنواع القاعية في البحر الأدرياتيكي، وتحديد سقوف صيد الأسماك الصغيرة السطحية لسنة 2027، واعتماد تدابير تقنية لتنظيم صيد سمك الترس في البحر الأسود، فضلا عن تمديد التدابير الانتقالية لتدبير صيد كلب البحر الشوكي.
وتشمل مقتضيات أخرى تمديد منطقة الصيد المنظمة في أخدود باري، وإقرار تدابير للتدبير طويل الأمد لسمك القرقف المرقط في بحر البوران وسمك الماهي ماهي في البحر المتوسط.
وفي مجال تربية الأحياء المائية، جرى اعتماد قرارين أيضا. يتعلق الأول بوضع توجيهات لتحسين رفاه الأسماك المستزرعة في البحر المتوسط والبحر الأسود، فيما يهم الثاني تدبير معدات تربية الأحياء المائية المهجورة أو المفقودة أو المتروكة في البحر، بهدف منع فقدانها، وتحسين عمليات استرجاعها، والحد من آثارها البيئية.
ومن أبرز نتائج الدورة تحويل عدد من خطط التدبير متعددة السنوات المتعلقة بأنواع بحرية مختلفة إلى خطط تكيفية طويلة الأمد. وتشمل هذه الخطط النازلي الأوروبي في البحر المتوسط، والروبيان الأحمر في المياه العميقة بمضيق صقلية والبحر الأيوني ومنطقة المشرق، فضلا عن النازلي الأوروبي والروبيان الوردي في المياه العميقة بمضيق صقلية.
ويعكس هذا التوجه إرادة الانتقال نحو تدبير أكثر مرونة، قادر على التكيف مع التحولات التي تعرفها المخزونات السمكية، ومستند إلى التقييم العلمي المستمر.
وفي البحر الأدرياتيكي، اعتمدت الهيئة خطة تدبير جديدة تمتد لسبع سنوات، وتشمل خمسة أنواع من الأسماك القاعية، بهدف ترسيخ النتائج المحققة في إطار خطة التدبير السابقة.
كما جرى تحيين خطة تدبير سمك الغراب الأسود في بحر البوران، من خلال خفض حصص الصيد ومجهود الصيد المسموح به لسنة 2027 مقارنة بمستويات سنة 2026. واعتمدت أيضا حصص جديدة لصيد الأسماك الصغيرة السطحية في البحر الأدرياتيكي.
أما في البحر الأسود، فقد وافقت الهيئة على تعديلات تقنية تتعلق بصيد سمك الترس باستخدام الشباك الخيشومية. وتنص هذه التعديلات على اعتماد قياس جديد لفتحات الشباك يبلغ 360 مليمترا، إضافة إلى القياس المسموح به سابقا، مع إلزامية استخدام أجهزة صوتية مخصصة لتنبيه خنازير البحر والحد من صيدها العرضي داخل شباك الصيد.
وعلى مستوى الحكامة، شكل تقييم نظام الامتثال الجديد، بعد سنة من دخوله حيز التنفيذ، أحد المحاور الرئيسية للدورة. وتندرج هذه الخطوة ضمن جهود تعزيز احترام الدول الأعضاء لالتزاماتها في مجال تدبير المصايد.
كما جرى تطوير التعاون الإقليمي في مجال المراقبة، خصوصا من خلال أنظمة مراقبة السفن وبرامج التفتيش المشتركة، بالتوازي مع تعزيز تبادل المعلومات وإطلاق قاعدة البيانات القانونية الإقليمية «GFCM-Lex».
وتجمع هذه القاعدة التشريعات الوطنية المتعلقة بالصيد البحري وتربية الأحياء المائية، بما يعزز الشفافية ويسهل الاطلاع على الأطر القانونية المعمول بها في الدول الأعضاء.
وامتد الاهتمام أيضا إلى قطاع تربية الأحياء المائية، الذي بات يمثل أكثر من 45 في المائة من إنتاج الأغذية المائية في البحر المتوسط والبحر الأسود، وفقا لمعطيات الهيئة.
وفي هذا الإطار، وافقت الدول على توجيهات تتعلق برفاه الأسماك البحرية المستزرعة، استنادا إلى أعمال علمية وتقنية ساهمت فيها جامعة كريت، في إطار مركز المرجعية لتربية الأحياء المائية البحرية المتوسطية.
كما اعتمدت الهيئة توجيهات بشأن معدات تربية الأحياء المائية المهجورة أو المفقودة أو المتروكة، بهدف الوقاية من فقدانها، وتحسين التبليغ عنها واسترجاعها، وتشجيع إعادة استخدامها وتدويرها، والحد من آثارها البيئية.
وتؤكد هذه التدابير أن الدورة سجلت نتائج ملموسة في تحسين تدبير المصايد، وتعزيز آليات المراقبة، والنهوض بتربية مسؤولة للأحياء المائية. كما أن تحويل عدد من الخطط إلى آليات تكيفية طويلة الأمد يعكس توجها نحو تدبير أكثر ارتباطا بالمعطيات العلمية وأكثر استجابة للتحولات التي تعرفها النظم الإيكولوجية البحرية.
ومع ذلك، ينبغي ألا تحجب كثرة القرارات الإخفاق المسجل في ملف استراتيجي بالغ الحساسية. فنجاح أي مؤسسة إقليمية لا يقاس فقط بعدد التوصيات التي تعتمدها، وإنما أيضا بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة عندما تواجه الموارد الطبيعية مخاطر حقيقية، ويصبح المصلحة المشتركة للنظام الإيكولوجي رهينة تجاوز الحسابات الوطنية قصيرة النظر.

من روما إلى أنقرة: موعد جديد للدفاع عن أعماق المتوسط
أعلنت تركيا عزمها إعادة تقديم مقترح توسيع نطاق الحظر خلال الدورة المقبلة للهيئة، المرتقب عقدها في أنقرة سنة 2027. ويفتح هذا التوجه نافذة جديدة للأمل، ويؤكد أن معركة حماية أعماق البحار لم تصل إلى نهايتها.
كما تكتسب المواقف الداعمة للمقترح، وفي مقدمتها الموقف المغربي، دلالة مهمة بشأن إمكانية بناء تحالف إقليمي يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويضع حماية الموارد البحرية في صدارة الأولويات.
ومع ذلك، تظل المسؤولية جماعية. فالقيادة البيئية المنتظرة في البحر الأبيض المتوسط لا يمكن أن تنحصر في دولة واحدة أو مجموعة محدودة من الدول. كما أن الاتحاد الأوروبي مطالب بتوضيح الفجوة بين التزاماته المعلنة بشأن حماية المحيطات ومواقفه الفعلية داخل الهيئات الإقليمية.
وتزداد أهمية هذا المطلب بالنظر إلى أن المفوضية الأوروبية كانت قد أطلقت النقاش بشأن توسيع نطاق الحظر سنة 2023، وأعلنت دعمها لهذا التوجه في يونيو 2026، قبل أن تحول الخلافات بين بعض أعضائها دون التوصل إلى توافق.
وستكتسب دورة أنقرة أهمية إضافية، لأنها ستتزامن مع الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الهيئة، والتحضير لإعلان وزاري جديد يرسم التوجهات الكبرى للتعاون الإقليمي خلال المرحلة المقبلة. وستكون هذه المحطة فرصة حقيقية لقياس مدى استعداد الدول لتحويل خطاب الاستدامة إلى التزامات أكثر جرأة ووضوحا.
كنت أتمنى أن تدخل روما التاريخ باعتبارها عاصمة انتصار حماية أعماق البحر المتوسط. لكنها تركت التاريخ مفتوحا على صفحة جديدة، تواصل فيها المصالح الصناعية التأثير في مستقبل البحر.
وأقول ذلك بخيبة أمل، وأنا الذي كنت أنتظر من هذه الدورة أكثر بكثير من مجرد حصيلة إدارية للتوصيات والقرارات. كنت أراهن على أن تكون لحظة انتصار للعقل العلمي، ولرؤية بيئية بعيدة المدى، ولإرادة سياسية قادرة على وضع حدود للجشع والاستغلال المفرط.
لا أريد اختزال دورة كاملة في قرار واحد، ولا إنكار التقدم المحرز في مجالات أخرى. لكن أعماق البحر الأبيض المتوسط كانت تستحق موقفا أكثر شجاعة. وكان بإمكان روما أن تشكل محطة حاسمة في تاريخ التعاون المتوسطي من أجل صون الموارد البحرية.
لقد انتهى المؤتمر، لكن السؤال الذي خلفه يتجاوز بكثير خلافا تقنيا حول 200 متر من العمق. إنه يتعلق بالنموذج الذي نريد اعتماده لتدبير بحارنا: هل نريد بحرا تدار موارده وفق مبادئ الاستدامة والإنصاف والمسؤولية المشتركة، أم بحرا تظل قرارات حمايته خاضعة لموازين القوى التي تفرضها أساطيل الصيد الكبرى؟
وإذا كانت الدول قد عجزت في روما عن الاتفاق على تعزيز حماية أعماق هذا البحر، فكم من الوقت سيتعين على المتوسط أن ينتظر حتى تتوافق المصالح، ليحصل ببساطة على حقه في البقاء؟











































