المغرب ودول الجنوب المتوسطي: نحو جبهة مشتركة لحماية أعماق البحر

محمد التفراوتي24 أكتوبر 2026آخر تحديث :
المغرب ودول الجنوب المتوسطي: نحو جبهة مشتركة لحماية أعماق البحر

من يحدد مستقبل أعماق البحر المتوسط؟ أهي المعطيات العلمية التي تكشف هشاشة النظم البيئية البحرية وضرورة حمايتها، أم الحسابات الاقتصادية والضغوط التي تمارسها مجموعة محدودة من الأساطيل الكبرى، ولا سيما الإسبانية والإيطالية، بما تتوفر عليه من إمكانات واسعة وقدرة على التأثير في القرارات المتعلقة باستغلال الموارد البحرية؟

يطرح هذا السؤال نفسه بقوة مع اقتراب انعقاد الدورة التاسعة والأربعين للهيئة العامة لمصايد الأسماك في البحر المتوسط، المقررة بروما من 26 إلى 30 أكتوبر 2026، في ظل تجدد النقاش حول توسيع القيود المفروضة على الصيد بالجر القاعي في الأعماق. ويجد المغرب ودول الضفة الجنوبية للمتوسط أنفسهم أمام فرصة للتنسيق بشأن حماية الثروات البحرية، والدفاع عن تدبير يستند إلى العلم والمصلحة المشتركة، مع مراعاة التفاوت في الإمكانات الاقتصادية والتقنية وحجم الأساطيل.

تحدد القواعد المعمول بها حاليا عمقا يبلغ ألف متر لفرض القيود ذات الصلة بالصيد بالجر القاعي في المتوسط، فيما تدور المناقشات حول خفض هذا الحد إلى 800 متر، مع طرح مستويات أكثر طموحا في بعض النقاشات العلمية والبيئية.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة حدود تنظيم نشاط الصيد. فالأعماق البحرية تضم موائل بطيئة التجدد، وتؤدي وظائف أساسية في استقرار التنوع البيولوجي ودورات الكربون. ويمكن لشباك الجر القاعي، بفعل احتكاكها المباشر بقاع البحر، أن تتسبب في تدمير الموائل الحساسة وإلحاق أضرار يصعب إصلاحها في مدد زمنية قصيرة.

وتشير تقارير بيئية إلى أن توسيع نطاق الحماية ليشمل الأعماق الواقعة بين 800 و1000 متر قد يساهم في صون مساحة بحرية مهمة، تقدر بنحو 100 ألف كيلومتر مربع. كما أظهرت دراسات تجريبية في عدد من بلدان المتوسط أن الأثر الاقتصادي المحتمل لهذا الإجراء قد يكون محدودا، بالنظر إلى الوزن النسبي المتواضع للصيد في هذه الأعماق ضمن القيمة الإجمالية للمفرغات في بعض البلدان.

وفق التقرير الذي نشرته منظمة أوشيانا (Oceana) في يونيو 2025، بعنوان «دول المتوسط تتباطأ في توسيع حظر الصيد بالجر في أعماق البحار»، تقل قيمة المفرغات السمكية المرتبطة بالصيد بالجر القاعي في الأعماق الواقعة بين 800 و1000 متر عن 1 في المائة من القيمة الإجمالية للمفرغات في إسبانيا واليونان، وعن 2 في المائة في مصر، بحسب الدراسات التجريبية التي تناولها التقرير. وتشير هذه المعطيات إلى أن توسيع نطاق الحماية قد تكون له آثار اقتصادية واجتماعية محدودة في بعض البلدان، مقابل مساهمته في صون النظم البيئية البحرية العميقة والموائل الحساسة المهددة بالتدهور.

. وتستدعي هذه الأرقام قراءة دقيقة تراعي خصوصية كل أسطول ومصايده، لكنها تطرح سؤالا مشروعا: هل تبرر المصالح الاقتصادية المحدودة نسبيا استمرار تأجيل حماية موائل بحرية عميقة ذات أهمية بيئية كبيرة؟

شهدت المناقشات السابقة بشأن توسيع القيود إلى عمق 800 متر تباينا واضحا في المواقف. ففي إيطاليا، عارض ممثل اتحاد «فيديربيسكاغري» (Federpesca) للصيد البحري، جيلبرتو فيراري( (Gilberto Ferrari، خلال اجتماع لمجموعة عمل تابعة للمجلس الاستشاري المتوسطي في نونبر 2025، إحداث منطقة مقيدة للصيد تتجاوز عمق 800 متر.

وفي المقابل، أشارت دوميتيللا سيني (Domitilla Senni) ، ممثلة منظمة «ميدريأكت» (MedReAct)، إلى أن بيانات الهيئة العامة لمصايد الأسماك في المتوسط تفيد بأن الأسطول الإيطالي لا يمارس الصيد في تلك الأعماق على النحو الذي يبرر الاعتراض، مستحضرة أيضا القيود التي سبق أن اعتمدتها إيطاليا وفرنسا في أجزاء من غرب المتوسط.

كما نقل تقرير صحفي نشرته «هاف بوست إيطاليا» (HuffPost Italia) في 13 أكتوبر 2026 أن الحكومة الإيطالية أبلغت الاتحاد الأوروبي موقفا سلبيا من مقترح توسيع الحظر إلى أعماق تتجاوز 800 متر. وفي شهادة نقلتها المنظمة عن صيادين من ميناء مازارا ديل فالو الإيطالي، قيل إن الصيد في تلك الأعماق لم يعد مجديا اقتصاديا في ظل ارتفاع تكاليف الوقود. وتظل هذه الشهادة مؤشرا يستحق الفحص، لا بديلا عن البيانات الرسمية الشاملة المتعلقة بمختلف الأساطيل ومناطق الصيد.

أما إسبانيا، فقد أعلنت في ماي 2024 إغلاق مناطق في مياهها المتوسطية أمام الصيد بالجر القاعي على أعماق تتجاوز 800 متر، قبل أن تتراجع عن هذا الإجراء لاحقا، وفق منظمة أوشيانا. وفي شتنبر 2026، أعلنت وزارة الزراعة والصيد الإسبانية استكمال توزيع أيام الصيد على 549 سفينة من أسطول الجر في المتوسط، مع رفع حدود صيد الروبيان الأحمر لفائدة جزء من الأسطول.

ولا تعني هذه المعطيات أن جميع الصيادين أو الحكومات الإسبانية والإيطالية يتبنون موقفا واحدا، كما لا تكفي وحدها لإثبات أن حجم الأسطول هو السبب المباشر في تعثر القرار. لكنها تكشف عن تعقيدات العلاقة بين المصالح الاقتصادية والقرارات المشتركة، وتبرز أهمية التمييز بين مواقف الحكومات وضغوط الهيئات المهنية ومطالب المنظمات البيئية.

ويصبح السؤال أكثر إلحاحا عندما تتكرر الدعوات إلى حماية الأعماق، وتظل القرارات المشتركة دون مستوى التطلعات العلمية والبيئية. فالتدبير المستدام للموارد البحرية يقتضي تقييم المنافع الاقتصادية الآنية إلى جانب كلفة تدهور الموائل وفقدان التنوع البيولوجي على المدى الطويل.

في الضفة الجنوبية للمتوسط، تتوفر بعض المؤشرات على تحركات يمكن أن تشكل أساسا لتنسيق إقليمي أوسع. فقد اعتمدت مصر، أواخر سنة 2025، تنظيما وطنيا يمنع الصيد في أعماق تتجاوز 800 متر، فيما أبدت ليبيا دعمها لتوصية جديدة في هذا الاتجاه. أما المغرب، فقد انطلقت بشأنه نقاشات حول إمكان اعتماد حد يبلغ 600 متر، وهو خيار يتطلب توضيح وضعه الرسمي ومراحل بلورته قبل اعتباره قرارا معتمدا. كما برز تحرك تركي لإعداد مقترح في إطار الهيئة العامة لمصايد الأسماك في المتوسط.

وتختلف هذه البلدان في قدراتها البحرية، وحجم أساطيلها، وبنياتها العلمية والرقابية، وطبيعة اعتماد مجتمعاتها الساحلية على الصيد. لكن هذا التفاوت لا يلغي وجود مصالح مشتركة، في مقدمتها الحفاظ على الموارد السمكية، وصون النظم البيئية البحرية، وضمان استدامة الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليها الأجيال الحالية والمقبلة.

ومن شأن التنسيق بين دول الجنوب المتوسطي أن يتيح تبادل المعطيات العلمية والخبرات الرقابية، وتطوير مقترحات مشتركة داخل المؤسسات الإقليمية، وتفادي تشتت المواقف الوطنية أمام المفاوضات المعقدة. كما يمكن أن يساعد على بناء رؤية متوازنة تربط حماية الأعماق بمستقبل الصيد التقليدي، وفرص الشغل الساحلية، والحاجة إلى الانتقال نحو ممارسات أقل إضرارا بالبيئة البحرية.

ولا يتعلق الأمر بإنشاء تكتل جغرافي في مواجهة بلدان الشمال، ولا بافتراض أن دول الجنوب تتبنى تلقائيا الموقف نفسه. المقصود هو أن البلدان الأقل امتلاكا للإمكانات الضخمة والأساطيل الواسعة تستطيع، من خلال التنسيق والاستناد إلى الأدلة العلمية، تعزيز حضورها التفاوضي والدفاع عن مصالحها المشتركة.

يمكن للمغرب أن يضطلع بدور مبادر في هذا المسار، بالنظر إلى موقعه بين المتوسط والمحيط الأطلسي، وارتباط أمنه الغذائي والاقتصادي باستدامة موارده البحرية. وتتيح الدورة التاسعة والأربعون للهيئة العامة لمصايد الأسماك في المتوسط فرصة لتوضيح الموقف المغربي من توسيع الحماية إلى أعماق أكبر، والمساهمة في تقريب وجهات النظر بين البلدان المعنية.

ويقتضي هذا الدور تحديد الأولويات المغربية استنادا إلى المعطيات العلمية المتاحة، وتقييم الآثار البيئية والاقتصادية للخيارات المطروحة، والتشاور مع الباحثين والمهنيين والهيئات المختصة. كما يتطلب التواصل مع مصر وليبيا وتركيا وباقي الدول الراغبة في تعزيز حماية الأعماق، بهدف استكشاف إمكانات تنسيق المواقف وتقديم مقترحات قابلة للدفاع عنها داخل الهيئة.

ومن المهم أيضا أن ترتبط الدعوة إلى حماية الأعماق بتدابير مواكبة للصيادين عند الحاجة، من خلال تحسين المعطيات المتعلقة بالمخزونات السمكية، ودعم الانتقال إلى ممارسات أكثر استدامة، وتطوير آليات الرقابة والتتبع. فنجاح أي تدبير بيئي لا يتوقف على إقراره قانونيا فحسب، بل يتطلب وضوح قواعده، وفعالية تطبيقه، وعدالة توزيع تكاليف الانتقال ومنافعه.

أظهرت الدورة السابقة للهيئة العامة لمصايد الأسماك في المتوسط، سنة 2025، أن التوافق بشأن ضرورة حماية الأعماق لا يؤدي بالضرورة إلى اعتماد تدابير جديدة في الوقت المناسب. وكانت هناك تعهدات سابقة بتوسيع حماية أعماق البحر، كما دعمت مؤسسات أوروبية دراسات تجريبية لتقييم الآثار المحتملة للمقترحات. ومع ذلك، لم يُعتمد قرار بتوسيع القيود إلى 800 متر خلال تلك الدورة.

ويضع هذا التعثر النقاش أمام اختبار يتجاوز التصريحات العامة بشأن حماية المحيطات. فالمؤتمر الأممي الثالث للمحيطات، المنعقد في نيس سنة 2025، أعاد التأكيد على أهمية صون النظم البحرية وتعزيز تدبير الموارد على نحو مستدام. غير أن ربط تلك الالتزامات مباشرة بمقترح 800 متر يحتاج إلى تمييز دقيق بين التعهدات الدولية العامة والقرارات التنظيمية الخاصة بالصيد في المتوسط.

وتظل المسؤولية موزعة بين المؤسسات الإقليمية والحكومات الوطنية والهيئات المهنية. فالاتحاد الأوروبي نفسه ليس طرفا متجانسا في هذه المسألة؛ إذ ساهم في دعم الدراسات التجريبية المتعلقة بتوسيع الحماية، بينما تعكس مواقف بعض الدول الأعضاء صعوبة الانتقال من المعرفة العلمية إلى قرار ملزم. ويقتضي تقييم هذا المسار تتبع مواقف الدول رسميا، والتمييز بين المواقف المعلنة والممارسات الفعلية.

تحتاج حماية أعماق المتوسط إلى إرادة سياسية تتناسب مع حجم التحديات البيئية، وإلى تفاوض يستند إلى الأدلة العلمية ويأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية. كما تحتاج دول الجنوب المتوسطي إلى الانتقال من تقاطع المصالح إلى تنسيق عملي، يتيح لها التأثير في صياغة القرارات الإقليمية بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد اعتمادها.

ويمثل المغرب، إلى جانب مصر وليبيا وتركيا وغيرها من الدول المعنية، طرفا يمكنه المساهمة في بناء هذا المسار، شريطة وضوح الموقف الوطني، وتعزيز التعاون العلمي، والانفتاح على حوار جاد مع مختلف الشركاء. وتبقى الغاية حماية الثروة البحرية المشتركة، وضمان استدامتها، وتفادي تحميل الأجيال المقبلة كلفة تدهور موائل لا يمكن تعويضها بسهولة.  فمستقبل أعماق المتوسط لا ينبغي أن يتحدد بميزان قوة الأساطيل وحده، وإنما بقدرة الدول على التوافق حول قواعد منصفة وفعالة لحماية البحر وموارده. وتكمن الفرصة أمام دول الجنوب في تحويل محدودية الإمكانات الفردية إلى حافز للتعاون، وصياغة موقف مشترك يجعل الاستدامة البحرية مصلحة إقليمية تتقدم على الحسابات القطاعية الضيقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!