رسالة مفتوحة إلى السيد أحمد المهدي المزواري الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري

محمد التفراوتي23 أكتوبر 2026آخر تحديث :
رسالة مفتوحة إلى السيد أحمد المهدي المزواري الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري

الموضوع: من أجل دور ريادي للمغرب في حماية أعماق البحر المتوسط وصون الموارد البحرية على نحو مستدام

السيد الوزير المحترم،

تشكل الدورة التاسعة والأربعون للهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط، المرتقب انعقادها في روما من 26 إلى 30 أكتوبر 2026، محطة مهمة في مسار تدبير الموارد السمكية وحماية النظم الإيكولوجية البحرية بالبحر المتوسط.

وبهذه المناسبة، أود أن ألفت انتباهكم إلى ضرورة اضطلاع المملكة المغربية بدور فاعل وريادي في المناقشات المتعلقة بتعزيز حماية أعماق البحر المتوسط من آثار الصيد بشباك الجر القاعية.

وتتجاوز هذه القضية بكثير الإطار التقني لتنظيم أنشطة الصيد، إذ ترتبط بمستقبل التنوع البيولوجي البحري، وصون الموائل العميقة، وتعزيز قدرة النظم الإيكولوجية على الصمود، وضمان استدامة الموارد التي تعتمد عليها المجتمعات الساحلية والأجيال القادمة.

ويمثل الحد الحالي المرتبط بعمق 1000 متر، في إطار القواعد المنظمة للصيد بشباك الجر القاعية، آلية مهمة لحماية الأعماق البحرية. وتتناول المناقشات الجارية، على وجه الخصوص، إمكانية تعزيز هذه الحماية من خلال توسيع نطاق القيود لتشمل الأعماق التي تتجاوز 800 متر. ويستحق هذا التوجه اهتماما خاصا بالنظر إلى هشاشة العديد من الموائل البحرية العميقة وبطء تعافيها بعد تعرضها للاضطراب والتدهور.

السيد الوزير،

تكشف النقاشات الدائرة داخل الفضاء المتوسطي عن تباين في مواقف البلدان والجهات المعنية. ومع ذلك، تعكس عدة مبادرات وطنية وإقليمية إرادة متنامية لدفع جهود حماية الأعماق البحرية إلى الأمام.

ووفقا للمعلومات المتاحة، اعتمدت مصر، في أواخر سنة 2025، تنظيما وطنيا يحظر الصيد في الأعماق التي تتجاوز 800 متر. كما تعمل تركيا على إعداد توصية في إطار الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط، فيما أفادت معلومات بأن ليبيا أعربت عن دعمها لتوصية جديدة بشأن حماية الأعماق البحرية.

أما المغرب، فيقال إنه دخل في مناقشات بشأن اعتماد حد للعمق يبلغ 600 متر. وإذا تأكد هذا التوجه في إطار المساعي الرسمية للمملكة، فقد يتيح للمغرب الإسهام بمقاربة طموحة في حماية النظم الإيكولوجية للبحر المتوسط.

وفي المقابل، تثير المواقف المعبر عنها في بعض البلدان الأوروبية تساؤلات تستحق النقاش. ففي إيطاليا، عبر ممثلون عن قطاع الصيد عن معارضتهم لإحداث منطقة خاضعة لتنظيم خاص للصيد في الأعماق التي تتجاوز 800 متر. غير أن منظمات بيئية أشارت إلى أن البيانات المتاحة تفيد بمحدودية نشاط الأسطول الإيطالي في تلك الأعماق.

وفي إسبانيا، أُعلن في مايو 2024 عن إغلاق مناطق تتجاوز أعماقها 800 متر أمام الصيد بشباك الجر القاعية، قبل سحب هذا الإجراء، وفق ما نشرته منظمات بيئية. كما يشكل الأسطول الإسباني العامل في البحر المتوسط، الذي ضم 549 سفينة صيد بالجر معنية بتخصيص أيام الصيد لسنة 2026، أحد الاعتبارات الاقتصادية المهمة في النقاشات المتعلقة بالتنظيم.

وتقتضي هذه المعطيات التمييز بدقة بين المواقف الرسمية للحكومات، ومواقف الهيئات المهنية، وتوجهات مكونات المجتمع المدني. كما تؤكد ضرورة اعتماد حوار شفاف يستند إلى المعطيات العلمية، وإلى تقييم دقيق للآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية للتدابير المقترحة.

ومن المشروع أن تدافع البلدان عن مصالح الصيادين واقتصاداتها البحرية، غير أن هذه المصالح ينبغي أن تتوافق مع مسؤولية جماعية تتمثل في الحفاظ على النظم الإيكولوجية التي يقوم عليها نشاط الصيد نفسه.

فلا يمكن تدبير البحر المتوسط على نحو مستدام وفق المصالح المتباينة لبعض أساطيل الصيد أو تحت ضغط بعض المجموعات المهنية. ويتعين أن تستند حماية أعماقه إلى رؤية مشتركة تتجاوز الاعتبارات الآنية، وتضمن استدامة الموارد البحرية على المدى البعيد.

السيد الوزير المحترم،

يتوفر المغرب على مقومات مهمة تتيح له الإسهام في هذه الدينامية. فموقعه الجغرافي، وخبرته في تدبير المصايد، ومصلحته الاستراتيجية في استدامة الموارد البحرية، كلها عوامل تمنحه مسؤولية خاصة في حكامة المجال المتوسطي.

وانطلاقا من ذلك، أدعو وزارتكم إلى منح الوفد المغربي تفويضا واضحا وصلاحيات أوسع للمبادرة خلال الدورة التاسعة والأربعين للهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط.

وفي هذا الإطار، أقترح العمل على عدد من التدابير التي تستحق التفعيل أو التعزيز:

أولا: توضيح الموقف المغربي والدفاع عنه.

سيكون من المفيد أن يوضح المغرب موقفه بشأن اعتماد عتبة 800 متر، إلى جانب الكشف عن مدى تقدم المناقشات المتعلقة باعتماد حد للعمق يبلغ 600 متر. وينبغي أن يستند هذا الموقف إلى مبررات علمية متينة ورؤية منسجمة مع متطلبات التدبير المستدام للموارد السمكية.

ثانيا: الإسهام الفاعل في بناء توافق متوسطي.

يمكن للوفد المغربي تكثيف مشاوراته مع البلدان المؤيدة لتعزيز حماية الأعماق البحرية، ولا سيما تركيا، وفتح حوار بناء مع الوفود التي لا تزال مترددة. وينبغي أن يتمثل الهدف في تيسير اعتماد توصية إقليمية طموحة ومنسجمة وقابلة للتطبيق.

ثالثا: جعل العلم أساسا للقرار.

يتعين أن تستند الاختيارات التنظيمية إلى بيانات محينة بشأن توزيع أنشطة الصيد بشباك الجر حسب الأعماق، وحالة المخزونات السمكية، وهشاشة الموائل البحرية، والآثار التراكمية للضغوط البشرية. ويمكن للمغرب الإسهام في تعزيز التعاون العلمي، وتبادل البيانات، وتتبع حالة النظم الإيكولوجية في الأعماق.

رابعا: التوفيق بين الحماية البيئية والمواكبة الاجتماعية والاقتصادية.

ينبغي أن تترافق حماية الأعماق البحرية مع مراعاة الواقع المهني وظروف عيش المجتمعات الساحلية. كما يتعين أن يصاحب أي تعديل تنظيمي تقييم لآثاره على الصيادين المعنيين، مع اعتماد تدابير مواكبة ملائمة عند الضرورة. فاستدامة أنشطة الصيد على المدى البعيد تظل رهينة بسلامة النظم الإيكولوجية البحرية.

خامسا: تعزيز شفافية المفاوضات.

من شأن التواصل الواضح بشأن المواقف التي يدافع عنها المغرب، والمقترحات التي يقدمها، والنتائج التي يسعى إلى تحقيقها، أن يعزز الثقة بين المؤسسات والعلماء والمهنيين ومكونات المجتمع المدني. كما سيساعد على توضيح رهانات حماية أعماق البحر المتوسط للرأي العام.

السيد الوزير،

لا ينبغي النظر إلى حماية الأعماق البحرية باعتبارها قيدا بيئيا منفصلا عن الواقع الاقتصادي، فهي استثمار في مستقبل الموارد السمكية، وفي الأمن الغذائي، وفي قدرة النظم الإيكولوجية على مقاومة الضغوط المتزايدة.

وكلما تأخر اعتماد التدابير الوقائية، ارتفعت مخاطر تدهور الموائل البحرية، وأصبحت استعادتها أكثر صعوبة. وتتمثل مسؤولية صناع القرار تحديدا في استباق هذه المخاطر، بالاستناد إلى المعارف العلمية المتاحة وتعزيز التعاون الإقليمي الفعال.

وعليه، آمل أن تضطلع المملكة المغربية بدور ريادي خلال هذه الدورة، وأن يسهم وفدها بفاعلية في اعتماد توصية طموحة وفعالة لحماية أعماق البحر المتوسط. وينبغي أن تقوم هذه التوصية على أسس علمية، وأن تراعي الإنصاف بين البلدان والواقع الاجتماعي والاقتصادي لأنشطة الصيد، بما يتيح تجاوز المصالح القطاعية والتباينات الوطنية خدمة للمصلحة الإيكولوجية المشتركة للبحر المتوسط.

وستشكل الدورة المقبلة للهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط أيضا اختبارا مهما لقدرة الأطراف المتعاقدة، ولا سيما الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، على تحويل التزاماتها إلى تدابير ملموسة لحماية البحر المتوسط. كما يتعين أن تجد الالتزامات المعلنة خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات، المنعقد بمدينة نيس في يونيو 2025، طريقها إلى التنفيذ الفعلي من خلال القرارات المتعلقة بصون النظم الإيكولوجية البحرية والتدبير المستدام للموارد السمكية.

ويملك المغرب اليوم فرصة لإثبات أن التزامه باستدامة البحار يمكن أن يترجم إلى مبادرة دبلوماسية ملموسة، وإسهام علمي يحظى بالتقدير، وعمل حازم داخل الهيئات الإقليمية.

إن مستقبل البحر المتوسط مسؤولية جماعية، غير أن اللحظات الحاسمة تقتضي من البلدان القادرة على تحويل التزاماتها إلى مقترحات عملية وقرارات تستجيب لحجم التحديات البيئية أن تضطلع بمسؤوليتها في قيادة المبادرات الإقليمية.

لذلك، أتطلع إلى أن يسهم الوفد المغربي إسهاما كاملا في هذه الدينامية، وأن تعمل المملكة بفاعلية على جعل حماية أعماق البحر المتوسط أولوية إقليمية، خدمة للأجيال الحالية والقادمة.

وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.

محمد التفراوتي

كاتب وناشط بيئي مغربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!