آفاق بيئية: محمد التفراوتي
من «مقهى القطرة الأخيرة» إلى التوأم الرقمي: حين تصبح المحاكاة مختبرا لصناعة القرار
شهد ملتقى أسبوع عُمان للمناخ 2026 تجربة تفاعلية لافتة قدمت الاستدامة من زاوية مختلفة، من خلال لعبة «مقهى القطرة الأخيرة» (The Last Drop)، التي طورتها شركة «استدامة للمناسبات» (Esti Dama Events)، لتضع المشاركين أمام تجربة جماعية تحاكي قرارات إدارة الموارد والنفايات، وتحول مفاهيم الاستدامة من معلومات نظرية إلى مواقف عملية قابلة للاختبار.
وتأخذ اللعبة المشاركين إلى قمم الجبال العمانية، حيث يعلو «جبل واديك» فوق السحب، ويعيش فيه مجتمع من الشخصيات التي يجمعها شغف واحد: القهوة. ومن داخل هذا العالم الافتراضي يبدأ التحدي. فريق يتولى إدارة مقهى، وعليه أن يحافظ على رضا الزبائن، ويتعامل مع سياسات جديدة، ويحقق أهداف إعادة التدوير، وفي الوقت نفسه يسيطر على النفايات ويحافظ على توازن المقهى.
وأفادت المهندسة زينب اللواتية، مؤسسة شركة «استدامة للمناسبات»، أن اللعبة تقوم على التعلم من خلال التجربة، حيث يدخل المشاركون في موقع صانع القرار، ويواجهون نتائج اختياراتهم بصورة مباشرة. وهنا يتحول اللعب إلى وسيلة لفهم العلاقة بين القرار الاقتصادي وأثره البيئي والاجتماعي.
وتحمل آلية اللعب نفسها رسالة بيئية دقيقة. ففي كل جولة يرمي اللاعب ثلاثة أحجار نرد، ويستخدم اثنين منها لتنفيذ الإجراءات، بينما يتحول الحجر الثالث إلى نفايات. قاعدة بسيطة في ظاهرها، لكنها تجعل مفهوم الهدر ملموسا أمام اللاعب. كل حركة لها نتيجة، وكل مورد غير مستغل يتحول إلى عبء يحتاج إلى تدبير.
ولا تسير اللعبة وفق سيناريو ثابت، إذ تحمل كل جولة تحديا جديدا يكشفه ظرف خاص، وعلى الفريق أن يقرأ المستجدات ويوظف النرد والقدرات الخاصة لكل لاعب بطريقة تساعده على تجاوز التحدي. وهنا تصبح القدرة على التعاون جزءا من الحل، لأن نجاح المقهى يرتبط بقدرة المشاركين على التنسيق وتقاسم الأدوار واتخاذ القرار الجماعي.
ويتعين على الفريق استكمال سياسات محددة وتحقيق أهداف مرتبطة بإعادة التدوير، مع المحافظة على التوازن بين مختلف مكونات المقهى. فالنجاح لا يرتبط بتحقيق الأرباح أو إرضاء الزبائن فقط، وإنما بقدرة الفريق على إدارة الموارد والنفايات ضمن منظومة واحدة.

هذه النقطة بالذات تمنح اللعبة قيمتها التعليمية. فالاستدامة تظهر هنا باعتبارها معادلة متشابكة، تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد يبدو القرار مربحا في لحظته، لكنه قد يرفع حجم النفايات، فيما قد يحتاج خيار أكثر استدامة إلى تعاون أكبر ورؤية أبعد من الجولة الحالية.
ومن هذه الزاوية، تقدم «مقهى القطرة الأخيرة» نموذجا مهما للتعلم بالمحاكاة، حيث يصبح اللاعب جزءا من التجربة، ويكتشف نتائج قراراته بنفسه. فالحديث عن الاقتصاد الدائري وتقليل النفايات وكفاءة استخدام الموارد يأخذ معنى مختلفا عندما يتحول إلى قرار يتعين على المشارك اتخاذه ومواجهة نتائجه.
وتفتح هذه المقاربة المجال أمام استلهام المحاكاة واللعب في برامج أوسع للتربية والتكوين البيئي والمناخي. فالمؤسسات التعليمية والتكوينية يمكنها توظيف مثل هذه الأدوات لتقريب المفاهيم المعقدة من المتعلمين، وتمكينهم من اختبار سيناريوهات مختلفة، ومقارنة البدائل، والتعلم من الأخطاء في بيئة آمنة وتفاعلية.
وتزداد أهمية هذه الأدوات في ظل تعقد التحديات المناخية وتشابكها مع الاقتصاد والطاقة والمياه والموارد. فصناعة القرار المناخي تحتاج إلى معرفة دقيقة، لكنها تحتاج أيضا إلى القدرة على تصور النتائج قبل تنفيذ القرارات، و بذلك تبرز قيمة المحاكاة باعتبارها مختبرا افتراضيا يمكن من خلاله اختبار الخيارات.
وفي الاتجاه نفسه، شهد أسبوع عمان للمناخ دورة متقدمة حول «التوائم الرقمية الصناعية في الممارسة العملية»، تناولت الربط بين المحاكاة والذكاء الاصطناعي وصناعة القيمة في عصر الثورة الصناعية الرابعة والخامسة، مع التركيز على تطبيق تقنية التوأم الرقمي في السياقات الصناعية والمناخية.

وأفادت المهندسة زينب اللواتية بأن الدورة أتاحت استكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها للمحاكاة والذكاء الاصطناعي سد الفجوة بين البيانات والقرار والقيمة، من خلال بناء نماذج رقمية تحاكي الأنظمة والأصول والعمليات في العالم الحقيقي، بما يسمح باختبار السيناريوهات وتحليل النتائج وتحسين الأداء.
ومع دمج الذكاء الاصطناعي، تتوسع إمكانات هذه النماذج في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط واستشراف النتائج ودعم القرار. ويمكن أن تمتد تطبيقاتها إلى المجال المناخي من خلال محاكاة استهلاك الطاقة والموارد، وتحليل أداء المنشآت، واختبار سيناريوهات خفض الانبعاثات، واستكشاف الخيارات الأكثر كفاءة قبل تنفيذها على أرض الواقع.
وقد يبدو الفارق كبيرا بين لعبة تدور داخل مقهى جبلي تسكنه شخصيات محبة للقهوة، ونموذج رقمي يحاكي منشأة صناعية معقدة. لكن جوهر التجربتين واحد. اختبار القرار، فهم نتائجه، ثم تحسينه قبل الانتقال إلى الواقع.
وهذه ربما إحدى أهم الأفكار التي يمكن استلهامها من هذه التجارب في العمل المناخي والبيئي. فالمحاكاة لا تلغي القرار البشري، وإنما تمنحه مساحة أوسع للتجريب والفهم والمقارنة. واللعب لا يقدم نفسه بديلا عن المعرفة، وإنما يحول المعرفة إلى تجربة تجعل المشارك يعيش المشكلة ويبحث عن الحل.
كما أن اعتماد العمل الجماعي في «مقهى القطرة الأخيرة» يضيف بعدا مهما، لأن القضايا البيئية والمناخية لا تعالج بقرار منفرد. إنها تحتاج إلى الحوار وتبادل الخبرات وتنسيق الأدوار، وهي عناصر يمكن للمحاكاة أن تجعلها جزءا من عملية التعلم نفسها.
و يمكن النظر إلى هذه التجارب باعتبارها أكثر من أدوات تفاعلية ضمن ملتقى مناخي. إنها نماذج لتطوير طرق جديدة في التربية والتكوين والتوعية، تجعل الإنسان مشاركا في صناعة الحل، وليس مجرد متلق للمعلومة.
وأمام تزايد تعقيدات المناخ والموارد والطاقة والنفايات، يصبح تعلم كيفية اتخاذ القرار جزءا من الاستدامة نفسها. وربما تكمن قوة «مقهى القطرة الأخيرة» في أنها تقدم هذه الفكرة بلغة بسيطة وقريبة: ثلاثة أحجار نرد، قراران قابلان للاستخدام، وحجر ثالث يتحول إلى نفايات.
ومن لعبة صغيرة داخل مقهى افتراضي إلى توائم رقمية تحاكي أنظمة صناعية، تتسع مساحة التجربة، لكن الرسالة تظل واحدة: قبل أن نغير الواقع، يمكن أن نتعلم كيف نختبر قراراتنا داخله.
وهنا تتحول المحاكاة من تقنية أو لعبة إلى مختبر لصناعة القرار، وتصبح الاستدامة تجربة نعيشها ونختبر نتائجها، لا مجرد شعار نردده.























