المناخ والطاقة والمياه: معادلة جديدة لصناعة المستقبل

محمد التفراوتيمنذ 27 دقيقةآخر تحديث :
المناخ والطاقة والمياه: معادلة جديدة لصناعة المستقبل

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

شهد أسبوع المناخ في سلطنة عمان خلال الجلسة الافتتاحية للملتقى لحظة علمية لافتة، حين اعتلت المنصة الدكتورة روبرتا بوسكولو (Roberta Boscolo)، قائدة برنامج المناخ والطاقة في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) لتقدم مداخلة ثرية بالمعطيات والرسائل. العرض لم استعراض أرقام ناطقة، و قراءة معمقة لحالة الكوكب في عام 2025، حيث تداخلت مشاهد الكوارث الطبيعية مع مؤشرات علمية دقيقة عن ارتفاع الحرارة، و تراجع الجليد، وتفاقم اختلال ميزان الطاقة الأرضي.

استهلت بوسكولو مداخلتها بنقل صوت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أسبوع المناخ في مسقط، مستندة إلى أحدث المعطيات العلمية والرصدية المتاحة. وأشارت إلى أن عام 2025 كان ثاني أو ثالث أكثر الأعوام حرارة منذ بدء السجلات الرصدية قبل نحو 176 عاما، بينما شكلت السنوات الإحدى عشرة الأخيرة سلسلة السنوات الأشد حرارة على الإطلاق.

وفي المحيطات، تتواصل الإشارات المقلقة. فقد سجل المحتوى الحراري للمحيطات رقما قياسيا للسنة التاسعة على التوالي، فيما يستمر ارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل، وتتسارع وتيرة ذوبان الأنهار الجليدية، بما يساهم في زعزعة استقرار النظم الجبلية ورفع مخاطر الفيضانات المدمرة في اتجاه المناطق الواقعة أسفلها.

كانت الرسالة واضحة: حالة المناخ العالمي أصبحت واقعا يوميا تقيسه أجهزة الرصد الوطنية وخدمات الأرصاد الجوية والهيدرولوجية في مختلف أنحاء العالم، وتظهر آثاره في الماء والطاقة والزراعة والبنية التحتية والاقتصاد.

وتوقفت بوسكولو عند التطورات الأخيرة في المحيط الهادئ، مشيرة إلى استقرار ظاهرة النينيا وتوقع استمرار تأثيراتها إلى مطلع عام 2027، مع إمكانية بلوغها مستويات قوية جدا. غير أن هذه الظاهرة الطبيعية تعمل فوق نظام مناخي تراكمت داخله كميات ضخمة من الحرارة خلال العقود الماضية، وهو ما يمكن أن يدفع بعض الظواهر الحرارية المتطرفة إلى مستويات أشد.

وتحمل هذه التطورات انعكاسات مباشرة على قطاع الطاقة، من إنتاج الطاقة الكهرومائية إلى الطلب على التبريد، ومن موثوقية شبكات الكهرباء إلى أداء مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

و انتقلت المداخلة إلى واحدة من أكثر أفكارها أهمية.  هي العلاقة بين المناخ والطاقة أصبحت علاقة متبادلة التأثير والاعتماد.

فخلال أكثر من قرن، كان قطاع الطاقة أحد المحركات الرئيسية لانبعاثات غازات الدفيئة التي أعادت تشكيل النظام المناخي للأرض. واليوم، مع توسع العالم في الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية، أصبحت منظومة الطاقة نفسها تعتمد بصورة متزايدة على المناخ الذي ساهمت في تغييره.

الألواح الشمسية تتأثر بظروف الغطاء السحابي والإشعاع الشمسي، ومشاريع الرياح تعتمد على حركة الغلاف الجوي، فيما ترتبط الطاقة الكهرومائية بتساقطات الأمطار وتدفقات الأنهار وذوبان الجليد. وهكذا أصبح المناخ والمياه مدخلين أساسيين في التخطيط للطاقة والاستثمار فيها وتشغيل منشآتها.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في المنطقة العربية والخليجية. فقد شهد الشرق الأوسط، بحسب بوسكولو، أسرع نمو له على الإطلاق في نشر مشاريع الطاقة المتجددة خلال العام الماضي، في الوقت الذي أصبحت فيه قضايا أمن المياه وصمود شبكات الطاقة أكثر إلحاحا.

ومن هذا المنظور، جاء التركيز الذي يحمله أسبوع المناخ في سلطنة عمان على الصلة بين التحول الطاقي وأمن المياه. فبناء مستقبل للطاقة النظيفة قادر على الصمود أمام الصدمات المناخية يحتاج إلى دمج التغيرات المناخية في صميم التخطيط، والاستثمار، وإدارة الموارد.

و بذلك تبرز وظيفة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وخدمات الأرصاد والهيدرولوجيا الوطنية. فالمعلومات المناخية، كما أوضحت بوسكولو، أصبحت جزءا من البنية التحتية للقرار الاقتصادي. إنها تساعد على تحديد المواقع الأكثر ملاءمة لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتوفر التوقعات الموسمية والعقدية التي تدعم إدارة السدود والتخطيط لشبكات الكهرباء، كما تتيح أنظمة الإنذار المبكر حماية البنية التحتية من موجات الحر والجفاف والعواصف قبل تحولها إلى اضطرابات مكلفة.

وتعد هذه المعلومات، وفق هذا التصور، طبقة أساسية تحت مستقبل طاقي آمن وموثوق.

وتتضاعف قيمة هذه المعرفة في المناطق التي تعاني ضعفا في البنية التحتية للرصد. لذلك شددت بوسكولو على أهمية ضمان توفر البيانات المناخية الضرورية للتخطيط للتحول الطاقي في كل مكان يحتاج إليها، وليس فقط في البلدان والمناطق التي يسهل فيها جمعها.

وتقود هذه الرؤية إلى سؤال أكبر طرحته المداخلة بصورة ضمنية: كيف يمكن للدول أن تخطط لمستقبل الطاقة في عالم يتغير فيه المناخ بسرعة، بينما تظل البيانات والرصد والإنذار المبكر متفاوتة بين منطقة وأخرى؟

ويبدأ الجواب بالنسبة إلى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، من المعرفة المشتركة، ومن الاتفاق على العلم، والثقة في البيانات، وبناء أنظمة تمكن كل دولة، مهما كان مستوى تعرضها للمخاطر المناخية، من التخطيط لمستقبلها الطاقي بثقة أكبر.

وفي هذا المعنى، حملت كلمة روبرتا بوسكولو إلى الجلسة الافتتاحية في مسقط رسالة تتجاوز حدود قطاع الأرصاد الجوية. أي أن المعلومة المناخية أصبحت أصلا استراتيجيا للطاقة والمياه والاقتصاد.

ومع اتساع التحول نحو الطاقات المتجددة، تتغير طبيعة القرار أيضا. فالاستثمار في محطة شمسية أو مزرعة رياح أو سد مائي يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمناخ الحالي، وإلى تصور علمي لما يمكن أن يحمله المستقبل من حرارة وجفاف وأمطار ورياح. لذلك يصبح الرصد المناخي، والتنبؤ، والبيانات، والإنذار المبكر جزءا من معادلة الأمن الطاقي ذاته.

ومن مسقط، بدا واضحا أن النقاش المناخي يدخل مرحلة جديدة: مرحلة تنتقل فيها الأسئلة من حجم التعهدات إلى قدرة الدول على تحويل العلم والبيانات إلى قرارات واستثمارات وبنى تحتية أكثر قدرة على الصمود.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!