آفاق بيئية: محمد التفراوتي
انطلقت في العاصمة التايلاندية بانكوك أشغال الدورة الرابعة والستين للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، بمشاركة نحو 300 مندوب يمثلون الحكومات والمنظمات المراقبة. ويأتي هذا الاجتماع في سياق بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع منتصف الطريق تقريبا نحو إصدار التقرير التقييمي السابع المرتقب سنة 2029، وهو التقرير الذي سيحدد إلى حد بعيد اتجاه السياسات المناخية العالمية خلال العقد المقبل.
يتناول الاجتماع، الذي يستضيفه مقر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ التابعة للأمم المتحدة في بانكوك، مراجعة المبادئ والإجراءات المنظمة لعمل الهيئة، وهي مراجعة تجرى كل خمس سنوات. وقد شدد رئيس الهيئة جيم سكيا في كلمته الافتتاحية على أن هذه المبادئ تمثل الضامن الأساسي لاستقلالية التقييمات العلمية وموضوعيتها وشفافيتها. لكن خلف هذه اللغة المؤسسية الهادئة يبرز سؤال أعمق: هل ما زالت المعرفة العلمية وحدها قادرة على تحريك الإرادة السياسية في مواجهة أزمة المناخ؟
العلم يتقدم… والسياسة تتردد
أصبحت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، منذ تأسيسها عام 1988 من طرف برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، المرجع العلمي الأبرز في فهم تغير المناخ. وتضم الهيئة اليوم 195 دولة عضوا، وتشارك في إعداد تقاريرها آلاف الكفاءات العلمية التي تقوم بمراجعة وتحليل آلاف الدراسات المنشورة سنويا. غير أن المفارقة التي تطبع مسار العمل المناخي العالمي تكمن في أن وضوح الأدلة العلمية لم يقابله دائما وضوح في القرارات السياسية. فالتقارير العلمية للهيئة، بما فيها التقرير التقييمي السادس الصادر عام 2023 ، أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن الأنشطة البشرية هي المحرك الأساسي لارتفاع درجات الحرارة، وأن نافذة العمل لتجنب أسوأ السيناريوهات تضيق بسرعة. ومع ذلك، لا تزال الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة عند مستويات قياسية.
دورة التقييم السابعة: نحو أجندة علمية أكثر تعقيدا
تندرج أعمال اجتماع بانكوك ضمن الدورة التقييمية السابعة التي انطلقت في يوليو 2023. وتتميز هذه الدورة بتوسيع نطاق العمل العلمي للهيئة ليشمل، إضافة إلى التقارير الثلاثة التقليدية لفرق العمل، سلسلة من التقارير المنهجية والمتخصصة.
ومن أبرز هذه المشاريع إعداد تقرير خاص حول المدن وتغير المناخ، وهو اعتراف ضمني بالدور المركزي الذي تلعبه المدن في معادلة الانبعاثات والتكيف. كما تعمل الهيئة على إعداد تقارير منهجية حول العوامل المناخية قصيرة العمر وتقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون واحتجازه واستخدامه وتخزينه، وهي مجالات تعكس التحول المتزايد نحو الحلول التكنولوجية في السياسات المناخية. و يثير هذا التوجه نقاشا علميا وأخلاقيا واسعا، إذ يحذر بعض الباحثين من الإفراط في التعويل على تقنيات إزالة الكربون بوصفها «حلا سحريا» قد يؤخر الجهود الحقيقية لخفض الانبعاثات.
معركة التمويل والمعرفة
و يتناول الاجتماع أيضا، فضلا عن النقاشات العلمية،مسألة تمويل صندوق الهيئة، وهو موضوع غالبا ما يظل بعيدا عن الأضواء الإعلامية رغم أهميته. فعمل الهيئة يعتمد أساسا على مساهمات الدول، وعلى جهود تطوعية للخبراء، وهو نموذج يعكس روح التعاون العلمي الدولي، لكنه يطرح أيضا تحديات تتعلق بالاستدامة المالية والتمثيل المتوازن للباحثين من بلدان الجنوب. وهنا يبرز سؤال العدالة المناخية مرة أخرى. هل تحظى الدول النامية بالتمثيل الكافي في إنتاج المعرفة المناخية العالمية؟ وهل تترجم هذه المعرفة فعلا إلى سياسات عادلة تراعي الفوارق التنموية؟
من العلم إلى الفعل
و تحضى اجتماعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بالقيمة العلمية لتقاريرها، وتعد جسرا بين العلم والسياسة، حيث تشكل تقاريرها الأساس المعرفي للمفاوضات الدولية في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. لكن التجربة أظهرت أن تحويل المعرفة العلمية إلى قرارات سياسية ملزمة يظل عملية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية.
ما الذي يعنيه ذلك للمغرب والعالم العربي؟
تتجلى أهمية أعمال الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) بالنسبة لدول الجنوب، ومنها المغرب، في بعديها العلمي والاستراتيجي. فالتقارير المناخية الصادرة عن الهيئة تشكل مرجعا أساسيا في صياغة السياسات الوطنية للتكيف مع آثار تغير المناخ، خصوصا في القطاعات الحساسة مثل المياه والزراعة والنظم البيئي. وفي بلد يعاني من تواتر الجفاف وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية، يصبح استيعاب مضامين هذه التقارير وتحويلها إلى سياسات عمومية فعالة مسألة أمن بيئي وتنموي في آن واحد.
بين المعرفة والإنذار الأخير
قد تبدو اجتماعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في ظاهرها مجرد لقاءات تقنية لعلماء وخبراء. لكنها في العمق تمثل إحدى أهم منصات التفكير الجماعي في مستقبل الكوكب.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان العلم قد أوضح مخاطر تغير المناخ، بل ما إذا كانت البشرية مستعدة للاستماع إلى هذا العلم قبل أن يتحول إلى سجل تاريخي يوثق كيف عرفنا الحقيقة… ولم نتحرك في الوقت المناسب.























