آفاق بيئية: محمد التفراوتي
أضحت قضية الماء في المغرب سؤالا سياديا بامتياز، يتقاطع فيه الأمن البيئي بالغذائي، والاجتماعي بالاقتصادي، والوطني بالجهوي. ففي ظل الاثار الجلية للتغيرات المناخية، وتزايد حدة الظواهر القصوى من فيضانات مفاجئة وموجات حر طويلة، بات من الضروري الانتقال من منطق “تدبير الندرة” إلى رؤية استراتيجية تقوم على “تدبير الوفرة الممكنة” عبر استباق المخاطر وتعزيز المرونة الترابية.
لقد شكلت السياسة المائية المغربية، منذ ستينيات القرن الماضي، تجربة رائدة في العالم النامي بفضل سياسة السدود الكبرى التي أطلقها المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني، والتي مكنت من تعبئة مليارات الأمتار المكعبة من المياه وتأمين حاجيات الشرب والسقي والطاقة. غير أن التحولات المناخية الراهنة، التي أكدتها تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تفرض إعادة التفكير في النموذج التقليدي القائم على العرض، نحو نموذج أكثر تكاملا يزاوج بين العرض والطلب، وبين البنية التحتية الصلبة والحلول القائمة على الطبيعة.
إن السيادة المائية تروم تشييد السدود وتحلية مياه البحر التي تشهدها مدن كبرى مثل أكادير والدار البيضاء، و تقتضي كذلك حماية الفرشات المائية من الاستنزاف، وترشيد الاستعمال الفلاحي الذي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد، وإعادة توجيه السياسات الزراعية نحو محاصيل أقل استهلاكا للماء وأكثر تكيفا مع المناخ شبه الجاف.
كما أن التحولات المناخية تنتج الجفاف كما تزيد من مخاطر الفيضانات والانجرافات والتعرية، خاصة في الأحواض الجبلية والهشة. وهنا يبرز دور التخطيط الاستباقي وإدماج مقاربة الحد من مخاطر الكوارث في السياسات المائية، بما يتماشى مع مبادئ مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، التي تؤكد على الانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق الوقاية وبناء القدرة على الصمود.
إن الانتقال من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة ينشد استثمار كل قطرة ماء بأقصى قدر من الفعالية، عبر إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتعميم تقنيات الري الموضعي، وحصاد مياه الأمطار، وإحياء النظم الإيكولوجية الرطبة التي تشكل خزانات طبيعية. كما يتطلب الأمر حكامة متعددة المستويات، تشرك الجماعات الترابية والمجتمع المدني والباحثين، وتربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار تعاقد اجتماعي جديد حول الماء.
تعد السيادة المائية مشروعا وطنيا يعيد تعريف علاقة المغرب بموارده الطبيعية، ويجعل من الماء رافعة للعدالة المجالية بدل أن يكون عامل توتر اجتماعي. و يشكل الاستثمار في المعرفة والابتكار والتخطيط الاستراتيجي الطريق الأنجع لضمان أمن مائي مستدام، يحول المخاطر المناخية إلى فرص لبناء نموذج تنموي أكثر توازنا وصلابة.
إن الرهان الحقيقي كما يكمن في تعبئة الموارد، فيتجلى في إعادة صياغة الثقافة المائية ذاتها. من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الاقتصاد، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن إدارة الأزمة إلى هندسة المستقبل. هكذا فقط يمكن للمغرب أن يؤسس لسيادة مائية فعلية، تجعل من الماء عنصر قوة واستقرار في زمن اللايقين المناخي.
و في وقت لا تزال فيه مناطق شمال المغرب، لاسيما بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة وسهل اللوكوس، تلملم جراحها جراء الفيضانات والسيول الجارفة التي اجتاحتها مطلع فبراير 2026، تستعد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول (جامعة ابن زهر) لاحتضان ندوة دولية استراتيجية يومي 10 و11 أبريل 2026 تحت عنوان: “السيادة المائية بالمغرب: من تدبير الندرة إلى تدبير الوفرة في سياق التغييرات المناخية ومخاطر الكوارث الطبيعية”.
تكتسي هذه الندوة أهمية “راهنية” قصوى، فهي تأتي في خضم تحول مناخي “عنيف” يعيشه المغرب. فبعد سنوات من الجفاف الهيكلي الذي هدد الأمن المائي للمملكة، وجد المغرب نفسه فجأة أمام “وفرة مفاجئة” كشفت عن هشاشة في البنيات التحتية وضغوطات كبيرة على المنظومة القانونية والإدارية لتدبير المخاطر.
وتسعى الندوة، التي ينظمها ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة، إلى مناقشة عشرة محاور أساسية، أبرزها إعادة تشكيل المعادلة المائية بالمغرب، وفعالية الإطار القانوني والمؤسساتي في حماية الحق في الماء، وكذا سبل تعزيز صمود الجماعات الترابية أمام الفيضانات كظاهرة متكررة.

وفي هذا السياق أجرى موقع آفاق بيئية حوار خاص مع الدكتورة صفية لعزيز منسقة ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة ومنسقة الندوة الدولية، لاستجلاء بعض مرامي وآفاق المؤتمر:
سؤال: دكتورة صفية، الندوة تأتي في توقيت دقيق جدا بعد فيضانات الشمال الأخيرة. كيف تتقاطع محاور الندوة مع ما شهدته المملكة من كوارث طبيعية مؤخرا؟
الدكتورة صفية لعزيز: أهلا بكم. في الواقع، ما شهده شمال المغرب من فيضانات في فبراير الماضي هو “تجسيد ميداني” للإشكاليات التي سطرناها في أرضية الندوة. نحن ننتقل من منطق “ندرة المياه” إلى صدمة “الوفرة الفجائية”. فيضانات القصر الكبير والعرائش وأقاليم الشمال كشفت أن التحدي لم يعد فقط في “توفير الماء”، بل في “السيادة على تدبيره” ومنع تحوله من مورد للحياة إلى مصدر للمخاطر. محاورنا تركز بشكل مباشر على كيفية تعزيز “المرونة الترابية” وتطوير نظم الإنذار المبكر كأدوات للحكامة الحديثة.
سؤال: نلاحظ تركيزا كبيرا في برنامج الندوة على “الإطار القانوني” (المحور الثاني). هل ترون أن القوانين الحالية (مثل القانون 36.15) كافية لمواجهة هذه التقلبات المتطرفة؟
الدكتورة صفية لعزيز: القانون 36.15 المتعلق بالماء شكل طفرة نوعية، لكن التغيرات المناخية المتسارعة تفرض علينا مراجعة “الآليات الإجرائية”. الفيضانات الأخيرة أظهرت ضرورة تفعيل أقصى لمقتضيات “شرطة المياه” وتوضيح المسؤولية القانونية والإدارية للدولة عند وقوع الأضرار. الندوة ستناقش كيف يمكن للقانون أن يكون استباقيا وليس فقط رد فعل، خاصة في شق إدماج مخاطر الفيضانات في وثائق التعمير.
سؤال: ما هي الرسالة التي تودون إيصالها من خلال اختيار “السيادة المائية” كشعار مركزي؟
الدكتورة صفية لعزيز: السيادة المائية ليست مجرد شعار، بل هي قدرة الدولة والجماعات والفاعلين على التحكم المستدام في الموارد بعدالة مجالية. ما حدث في الشمال من خسائر فلاحية وبنيوية يفرض علينا بناء “نموذج مغربي” يربط بين المسؤولية والمحاسبة، ويوظف الذكاء الاصطناعي والتمويلات المبتكرة (كالسندات الخضراء) لتأمين بنيات تحتية مرنة. الندوة هي دعوة لفتح نقاش علمي يجمع بين القانون، والاقتصاد، والتقنية لرسم معالم هذه السيادة.



































