آفاق بيئية: محمد التفراوتي
منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أصبح موضوع التغير المناخي محورا رئيسيًا للنقاش العلمي والسياسي والإعلامي. ورغم تراكم الأدلة العلمية التي تؤكد أن النشاط البشري، خصوصا حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، هو السبب الرئيس وراء الاحترار العالمي، ظل هناك من ينكر أو يشكك في هذه الحقيقة. هذا الإنكار هو توجه فكري، ارتبط بمصالح اقتصادية وأيديولوجية، وأدى إلى تأخير السياسات البيئية الضرورية. وقد سبق أن تناولت في مقال نشر سنة 2008 رأي الكاتب نجيب صعب، الذي شدد على خطورة هذا الإنكار وبين أنه تجاهل للإجماع العلمي وتواطؤ مع مصالح قصيرة النظر. واليوم، بعد مرور ما يقارب عقدين، تأتي الأحداث المناخية الأخيرة لتؤكد صحة تلك الرؤية وتظهر أن الإنكار لم يعد ممكنا أمام برهان الطبيعة.
شهدت منطقة شمال المغرب، كما إسبانيا والبرتغال وفرنسا، في الآونة الأخيرة مفارقة مناخية صارخة. مواسم جفاف طويلة عطلت الزراعة وهددت الأمن الغذائي، تلتها فيضانات مفاجئة أغرقت المدن والقرى وألحقت خسائر بشرية ومادية جسيمة. هذا الانتقال الحاد بين عطش قاتل وغرق مهلك يعد تقلبا طبيعيا، و تجسيد حي لاضطراب الدورة المناخية العالمية. العلم المناخي يفسر هذه الظواهر بما يعرف بالتقلب المناخي الحاد، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى زيادة تبخر المياه وتراكمها في الغلاف الجوي، ما ينتج عنه أمطار غزيرة وعواصف عنيفة، وفي المقابل يزداد طول فترات الجفاف بسبب تغير أنماط الرياح والتيارات البحرية. النتيجة هي مزيج من النقيضين: ندرة الماء وفائضه الكارثي.
إنكار التغير المناخي يتهاوى أمام هذه الوقائع الملموسة. فالمزارع الذي فقد محصوله بسبب الجفاف، والمدينة التي غرقت في ساعات تحت السيول، كلاهما يقدمان شهادة حية على أن المناخ لم يعد يسير وفق أنماط مألوفة. وهنا تستحضر الآية الكريمة “فبهت الذي كفر” (كفر هنا بالمعنى اللغوي أنكر) لتصوير حالة العجز أمام البرهان. فالمناخ نفسه أصبح شاهدا على التحول، يفضح الإنكار ويؤكد أن التحدي لم يعد نظريا بل وجوديا. الطبيعة تقدم الدليل، والإنسان أمام خيارين. إما الاعتراف والعمل، أو الاستمرار في الإنكار حتى تأتي الكوارث على ما تبقى من استقرار.

إن الفيضانات الأخيرة ليست مجرد كارثة محلية، بل هي جزء من سلسلة عالمية من الأحداث المتطرفة؛ حرائق في أستراليا وكندا، أعاصير في أمريكا، موجات حر قاتلة في أوروبا وآسيا. كل هذه الشواهد تؤكد أن التغير المناخي أصبح واقعا عالميا لا يمكن تجاهله. ومن هنا فإن مقالي السابق في سنة 2008 كان بمثابة تنبيه مبكر إلى خطورة الإنكار، مستندا إلى رؤية نجيب صعب التي أكدت أن تجاهل التغير المناخي هو تجاهل للعلم وللواقع. واليوم، بعد أن أصبحت الكوارث المناخية جزء من حياتنا اليومية، يتضح أن تلك التحذيرات فضلا عن كونها توقعات، كانت قراءة استشرافية لواقع يفرض نفسه بقوة. وهكذا، فإن العنوان “فبهت الذي كفر بتغير المناخ” يلخص بدقة لحظة الانكشاف أمام البرهان الكوني، حيث لم يعد الإنكار ممكنا، بل أصبح عبثا في مواجهة الحقيقة.










































