ثلاث ورقات… حين تكتب الأرواح وصاياها

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
ثلاث ورقات… حين تكتب الأرواح وصاياها

مكناس: محمد التفراوتي

يا إلهي…
ثلاث ورقات صغيرة،
كتب عليها:
الله
الرحمن
الرحيم
بخط الحاج عبد الكبير متقي.
كانت مطوية في كتاب،
لا أدري أكنت غافلا عنها،
أم أن الزمن لم يكن قد أذن لي بعد أن أراها،
ولا أن ألمس سرها.
وضعت الورقات جانب سرير نومي،
حيث يهدأ الجسد وتصحو الروح،
وأخذت أتأملها كل يوم،
كأني أستعرض، معها،
مسار علاقتي بالحاج عبد الكبير:
صداقة لا تشبه سواها،
رغم أنه كان في سن والدي.
كانت علاقتي به ذات نفس خاص،
مسارا مغمورا باللطائف،
مشبعا بالرقائق،
ومضمخا بالذوقيات.

جلساته لم تكن أحاديث عابرة، بل مقامات.
تأملات في أسرار الحياة،
ووقوفا عند عتبات التجلي،
واحتفاء بجمالية البوح حين يصفو.
بين كتبه وأوراقه،
كان يسر حين أجالسه،
ويأنس حين أشاركه التذوق لا السؤال.
وحين يطيل النظر في وجهي،
كنت أعرف أن فكرة أوشكت أن تولد،
فأتهيأ لالتقاطها
قبل أن تتبدد.
كان يبحث طويلا عن العبارة التي تليق بالفكرة،
لا ليبهر،
بل كي يفهم،
برقي المعنى،
وبساطة الطريق.
يا سلام…
كم أتقن فن إلقاء الجواهر
في قلب المتلقي اللبيب،
دون ضجيج،
ولا ادعاء فتح.
حدثتني نفسي
أن هذه الورقات الثلاث
ليست قبل أن تكون أسماء مكتوبة، هي رسالة.
كأن روحه الزكية
هي التي دستها لي،
في وقت لا يقاس بالساعة،
بل بالحال.
لا يزال وهج كلماته حيا في سمعي،
كأنها صدى بعيد،
لا يخفت،
بل يزداد صفاء مع البعد.
سبق أن أهداني اسما بهيا،
وأوصاني بملازمته،
وبطرق بابه،
لا استعجالا للفتح،
بل أدبا مع الحضرة.
يا إلهي…
ما هي طريقة صحبة هذه الورقات؟
هل تقرأ؟
أم تحمل؟
أم يصغى إليها بالقلب
حين يصمت اللسان؟
لعل روح الصديق تزورني في منامي،
كما تفعل أرواح أحبتي
في الضفة الأخرى.
كلما اشتقت إلى أحدهم،
زارني،
وبدد وحشتي،
واست وحدتي.
طال تردد الحاج عبد الكبير
على خلواتي مناما،
مع أن حضوره
لم يفارق ذهني
في أي وقت أو حين.
أحمل الورقات بين يدي بخشوع،
كأني أحمل طفلا
أخشى أن أوقظه
من نوم السر.

أفهم الآن…
أن الأسماء لا تتناول،
بل تقيم في القلب
حين يصبح القلب بيتا صالحا لها.
وأفهم
أن الأصدقاء الحقيقيين
لا يغيبون بالموت،
بل يتحولون إلى إشارات،
ووصايا،
وهمس خفي
يرشدنا
حين نضل الطريق.
يا حاج عبد الكبير…
إن كنت تسمعني من حيث أنت،
فاعلم أن الورقات وصلت،
وأن الانتظار
لا يزال مفتوحا
على باب الرجاء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!