اخر المقالات: “غريتا ثونبرغ” تخلق الحدث || البعد البيئي لمشروع تحلية مياه البحر باشتوكة أيت باها || ماستر ” الدين والسياسة والمواطنة” بجامعة بادوفا، إيطاليا || افتتاح موسم القنص بجهة الشمال الغربي-القنيطرة بعد غد الأحد || جائزة إنقاذ الغابات لناشط بيئي من بوروندي || التأهب لعقد من العمل والإنجاز من أجل التنمية المستدامة || الملتقى الثالث لاغاثة المستغوير يدرس عمليات الإنقاذ في الكهوف || انطلاق مشروع دعم المياه والبيئة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط || الإجماع الأجوف بشأن الأمازون || إنقاذ سكان جزر المحيط الهادئ من الهندسة المناخية || كيفية تمويل التحول الأخضر || الدولة والجماعات الترابية: إشكالية الديمقراطية التشاركية المحلية || على قطاع الغذاء بذل المزيد من الجهد لدعم الأغذية الصحية || شبكة العمل المناخي العربية تدعو قادة الدول الالتزام بالتزاماتها في تخفيض الانبعاثات الدفيئة || قمة الأمم المتحدة للعمل من أجل المناخ 2019 || جزر لها طموح في مجال المناخ || حالة الطوارئ المناخية || وجود 41 دولة بحاجة لمساعدات غذائية خارجية || المسار السريع للطاقة النظيفة || 32 عاما على بروتوكول حماية طبقة الأوزون والمناخ ||

بقلــم نجيـب صعـب° 

 

عشرون ألف قتيل ضحايا الزلزال الذي ضرب اليابان والتسونامي الذي أعقبه، مع انهيار مئة ألف مبنى. خلال سنوات قليلة، ستعيد اليابان، بحيوية شعبها وقدراتها التكنولوجية، بناء ما تهدّم. والحزن على ضحايا الكارثة الانسانية، الذي سيستمر لسنوات أطول، لا بد أن يتلاشى خلال جيل تلد فيه نساء اليابان عشرين ألف طفل. غير أن غيمة الاشعاع النووي من محطة فوكوشيما ستستمر في تلويث الهواء والتراب والماء والغذاء لقرون مديدة، بما تحمله من أمراض سرطانية وتشوهات خلقية تنتقل من جيل الى جيل.

 

الكارثة الاشعاعية في اليابان أعادت طرح موضوع الطاقة النووية بقوة على مستوى العالم. فالصين وألمانيا والسويد علقت التراخيص لبناء مفاعلات جديدة. وفي الإمارات أعطت الهيئة الناظمة للطاقة النووية نفسها فترة سنة للبت في الترخيص لمحطة الكهرباء النووية التي تم التعاقد مع شركة كورية لبنائها. والاتحاد الأوروبي عقد اجتماعاً طارئاً لاعادة النظر في آلية التراخيص، بعدما كانت السنوات الأخيرة شهدت توجّهاً الى التوسع في بناء المفاعلات النووية لانتاج الكهرباء. وقد تم تسويقها على أنها استجابة لتحديات تغير المناخ، اذ لا تصدر عنها انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. لكن لتغير المناخ آثاراً كارثية أيضاً على عمل المحطات النووية، إذ أدت موجات الحر في أوروبا سنة 2003 الى اغلاق نصف المحطات النووية في فرنسا. 

واللافت أن دولاً عربية كثيرة دخلت في السباق، بتخطيطها لانشاء محطات نووية بعشرات بلايين الدولارات، بينها مصر والأردن والسعودية وقطر والكويت والامارات. من حق هذه الدول النظر في استخدام تكنولوجيات الطاقة المتاحة، ومنها النووية، لتلبية حاجة شعوبها الى التنمية. ولكن قبل كارثة اليابان، طرحنا أسئلة حول أولوية الاستثمارات في الطاقة النووية لدول تمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم، بينما عليها أن تستورد اليورانيوم والتكنولوجيا الجاهزة والفنيين لمحطاتها النووية، حتى أن التخصيب محلياً سيكون ممنوعاً عليها، اذ ستبيعها الدول صاحبة التكنولوجيا اليورانيوم مخصباً وجاهزاً للاستعمال.

 

ومع أن بعض هذه الدول بدأت تستثمر جدياً في تطوير تكنولوجيات الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، إلا أن دولاً أخرى ركزت اهتمامها على الجانب النووي. والمفارقة أنه في حين يصرح بعض المفاوضين العرب في مؤتمرات تغير المناخ أن الطاقة المتجددة تهدد استخدام النفط، لم نسمع منها تحفظاً مماثلاً على منافسة الطاقة النووية، فيما الشمس متوافرة محلياً، كما الرياح، بينما اليورانيوم مستورد. حتى أن الأردن، الذي يمتلك ثروة طبيعية من اليورانيوم، يمنع عليه تخصيبه محلياً ويُطلب منه استيراده جاهزاً، مما أخّر البرنامج حتى الآن.

 

العرب يحتاجون بالطبع الى امدادات مضمونة ومأمونة من الطاقة، مع الاستجابة لمتطلبات تخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. لكن هذا ممكن أيضاً من خلال الاستخدام الأنظف للبترول والغاز، خاصة عن طريق تطوير تقنيات جمع الكربون وتخزينه، الى جانب استثمار الشمس والرياح. وقد يكون الأهم من كل هذا تطوير وتطبيق برامج لكفاءة الطاقة، حيث يصل الهدر في بعض البلدان العربية الى خمسين في المئة. فمن غير المقبول أن يكون التركيز على زيادة الامدادات فقط، كأننا نعالج المدمن على المخدرات بتزويده بكميات أكبر منها. إدارة الطلب على الطاقة يجب أن تأتي قبل زيادة الامدادات.

 

واذا وجدت بعض الدول أن الطاقة النووية ضرورية لتنويع مصادرها وتلبية احتياجات التنمية والالتزام بمتطلبات تخفيض الانبعاثات، تبقى شروط الأمان والسلامة، التي لا يمكن الاستخفاف بها بعد حادثة فوكوشيما. فهل يحسب بائعو المحطات النووية، في دراسات الجدوى المغرية التي يقدمونها، الكلفة الحقيقية للتخلص من النفايات النووية بعد انتهاء عمر المحطات، أو كلفة مواجهة الكوارث؟ 

 

وإذا كانت هذه نتائج الكارثة التي حصلت في اليابان، وهي من أكثر الدول استعداداً لها، فعلينا الحيطة في دول لم تثبت قدرتها على مواجهة أحداث طبيعية اعتيادية، مثل غرق مدنها بالسيول عند أول هطول للمطر.

 

 ° ناشر ورئيس تحرير مجلة ”البيئة والتنمية

(ينشر بالتزامن مع مجلة ”البيئة والتنمية” عدد نيسان/أبريل 2011)

اترك تعليقاً