آفاق بيئية : الوكالة الدولية للطاقة الذرية

الإشعاع الكوني، كما تدل عليه التسمية، هو الإشعاع القادم من الفضاء. في هذا المقال، نستكشف ما هو الإشعاع الكوني، ولماذا نحن بمأمنٍ منه على الأرض، وكيف يؤثر على الناس الذين يعملون في وظائف بعينها، وكيف يمكنه حتى المساعدة في تطوير التكنولوجيا لعلاج السرطان.

يمكن أن يكون الإشعاع الكوني إشعاعيا مجرِّيّا أو شمسياً. ويعمل الغلاف المغناطيسي للأرض على تحويل الأشعة الكونية ويوفر لنا الحماية من التوهجات الشمسية. (الصورة من: ل. هان/الوكالة الدولية للطاقة الذرية)

ما هي الأشعة الكونية؟

الأشعة الكونية عبارة عن جسيمات ذرية عالية الطاقة إلى حد كبير ـ وهي في الأغلب بروتونات ونُويات ذرية مصحوبة بانبعاثات كهرومغناطيسية ـ تنتقل عبر الفضاء، ثم تقصف سطح الأرض في نهاية المطاف. وهي تسافر بسرعة الضوء تقريبا، أي ما يقرب من 000 300 كيلومتر في الثانية.

من أين تأتي؟

الأشعة الكونية من نوعين: أشعة مجرِّيّة وأشعة شمسية. يأتي الإشعاع الكوني المجرّي من بقايا المُستعرات العظمى، وهي عبارة عن انفجارات قوية أثناء المراحل الأخيرة من النجوم الضخمة التي إما أن تنهار فتتحول إلى ثقوب سوداء أو تتدمر. وتعمل الطاقة المنبعثة من هذه الانفجارات على تسريع الجسيمات المشحونة خارج نظامنا الشمسي، الأمر الذي يجعلها شديدة الاختراق ويصعب للغاية توفير الحماية منها. وفي جوهر الأمر، تعمل المستعرات العظمي بمثابة معجلات جسيمات طبيعية بالغة الضخامة. وتتعرض الأرض باستمرار للإشعاع الكوني المجرّيّ.

ويتكون الإشعاع الكوني الشمسي من جسيمات مشحونة تنبعث من الشمس، وهي في الغالب إلكترونات وبروتونات ونويات هيليوم. وينبعث بعض هذا الإشعاع بشكل مستمر من أكليل الشمس، الأمر الذي دفع العلماء إلى أن يطلقوا عليها “الرياح الشمسية”. أما البقية فهي تأتي من الأحداث الناتجة عن الجسيمات الشمسية، وهي دفعات مفاجئة ومتفرقة من الجسيمات المشحونة كهربائياً والتي تصاحبها انبعاثات كهرومغناطيسية تحدث عندما تتمدد الحقول المغناطيسية وتدور على سطح الشمس. ومثل الحزام المطاطي، قد تنفجر حقول الشمس، فتطلق فجأة قدراً هائلاً من الطاقة ينطوي على مخاوف صحية محتملة لروّاد الفضاء. وعلى الرغم من ندرة التوهّجات الشمسية القوية إلا أنها قد تؤدي في النهاية إلى انقطاع موجات الراديو وتؤثر على تكنولوجيا الاتصالات والملاحة الحديثة على الأرض.

هل تصل الأشعة الكونية إلينا على الأرض؟

الأرض محمية بمجال مغناطيسي يجعل الجسيمات المشحونة ترتد من القطب إلى القطب، مما يؤدي إلى تكوين حزامين عملاقين على شكل دائري يعجّان بالإلكترونات والبروتونات النشطة. ويعمل الغلاف المغناطيسي على تحويل الأشعة الكونية ويوفر لنا الحماية من التوهّجات الشمسية. وفي بعض الأحيان، يصل إلينا الإشعاع الكوني فعلاً، ولكن من دون إحداث أي ضرر، تماماً كما هي الحال مع المستويات المنخفضة الأخرى من الإشعاع التي نتعرض لها بشكل منتظم. وفي المتوسط، يتعرض الناس لنحو 3,5 مللي سيفرت سنويا من الإشعاعات سنويا. ويأتي نحو نصف هذا العدد من المصادر الاصطناعية مثل الأشعة السينية والتصوير الإشعاعي للثدي وعمليات التصوير المقطعي المحوسب، بينما يأتي النصف الآخر من المصادر الطبيعية، التي يشكل الإشعاع الكوني منها ما نسبته نحو 10 في المائة. والسيفرت هو مقياس المخاطر الصحية الناتجة عن الإشعاع، حيث يمثل كل سيفرت واحد فرصة قدرها 5.5 في المائة للإصابة في نهاية الأمر بسرطان مستحث بالإشعاع في وقت لاحق من العمر.

ويقول مايكل هايك، اختصاصي قياس الجرعات الخارجية لدى الوكالة: “تستطيع جسيمات الأشعة الكونية التي تتسلل إلى الغلاف الجوي عند القطبين المغنطيسيين للأرض أن تخلق ضوءا شفقياً ملوناً مدهشا حقا”. ووجدت جوان فينمان، اختصاصية الفيزياء الفلكية التي كرست معظم حياتها لدراسة الأضواء الشفقية، أن هذه الظواهر السحرية التي تُشاهد في الغالب عند خطوط العرض العليا حول القطب الشمالي والقطب الجنوبي هي نتيجة التصادمات بين الجسيمات المشحونة من الرياح الشمسية والمكونات الغازية للغلاف الجوي. وتنتج أكثر الألوان الشفقية شيوعا، وهي اللون الأخضر المصفر الشاحب، من جزيئات الأكسجين، في حين يؤدي النيتروجين إلى ظهور الشفق الأحمر المائل إلى الأزرق أو الأرجواني.

هل تصل إلينا عندما نطير؟

نعم. في حين يتعرض ركاب الطائرات لمستويات مرتفعة من الإشعاع الكوني، وخاصة عند المستويات الأعلى من خطوط الطول والعرض، فإن الإشعاع الذي يتلقاه الركاب في رحلة واحدة ليس كبيراً. ويتعرض أفراد طواقم الطائرات والمداومون على السفر لمستويات أعلى من جرعات الإشعاع من الفضاء، بسبب كثرة المرات التي يطيرون فيها. أما أفراد الطواقم الذين يعملون عادة على رحلات جوية منخفضة الارتفاع، مثل معظم الطائرات التي تعمل بالوقود الدفعي، فلا تتجاوز الجرعة التي يتعرضون لها مللي سيفرت واحداً سنويا. ولكن قد يتعرض أفراد الطواقم العاملة على مسارات قطبية بعيدة المدى لجرعة سنوية فعّالة قد تصل إلى ستة مللي سيفرت.

ويقول توني كولغان رئيس وحدة الحماية من الإشعاعات التابعة للوكالة: “في إطار معايير الأمان الصادرة الوكالة، هناك قسم مخصص، هو القسم الخامس من المنشور GSR-Part 3، يصف الخيارات المتوفرة للدول الأعضاء لكي تعمل على الحد من تعرض طواقم الطائرات للإشعاعات”. ويتولى اتحاد النقل الجوي الدولي (إياتا) مراقبة ساعات الطيران بالنسبة لطواقم الطائرات، ويضع أيضًا حدودًا لجرعات الإشعاعات التي يمكن أن يتعرضوا لها.

ماذا عن رواد الفضاء؟

يتلقى أفراد الطواقم الفضائية جرعة أعلى من الإشعاعات. وعادةً ما يتعرض رائد الفضاء على متن محطة فضائية تدور حول الأرض على ارتفاع 400 كيلومتر لجرعة تزيد عن نصف مللي سيفرت في اليوم. وفي غضون 12 يوماً، قد يحصل على جرعة تماثل الجرعة التي يحصل عليها أفراد طاقم الطائرة في غضون عام كامل. وقد وضعت وكالات الفضاء الوطنية حدودا للجرعات التي يتلقاها رواد الفضاء أثناء حياتهم المهنية. ولربما يمكن ربط التأثيرات الصحية مثل التسرطن الإشعاعي وبعض تفاعلات الأنسجة بالتعرض للإشعاع الكوني لدى رواد الفضاء، على الرغم من أن حجم العينة الصغير يجعل من الصعب تحديد هذه التأثيرات كميا.

هل يمكننا الاستفادة من الإشعاع الكوني على الأرض؟

قال هايك: “إنه لأمر مذهل أن يساعد فهمنا للضرر الخلوي الناتج عن المستويات المرتفعة من الإشعاع الكوني في تعزيز التكنولوجيا لعلاج السرطان باستخدام معجلات الجسيمات العالية الطاقة”. وبسبب الخواص الفريدة لحزم الجسيمات المشحونة، كتلك التي يمكن أن تُصادف في الفضاء، من الممكن أن تدمر هذه الحزم الأورام العميقة الجذور مع تقليلها في نفس الوقت من الأضرار التي تلحق بالأنسجة المحيطة. وأوضح هايك: “من شأن الرؤى المستقاة من العلاج الأيوني أن تمكننا بدورها من تحسين الحماية الإشعاعية في الفضاء والتغلب على القيود الحالية في التنبؤ بالمخاطر الصحية على السفر في الفضاء لفترات طويلة”.

اترك تعليقاً