اخر المقالات: مساعي تنزيل استراتيجية التنمية المستدامة بالمغرب || الأغذية التي “تختفي” يمكن أن تطعم 48 مليون شخص في افريقيا جنوب الصحراء || للأرض قيمة حقيقية. استثمرها ||  منتدى سياسي رفيع المستوى معني بالتنمية المستدامة لسنة 2018 || مكافحة التصحر والجفاف أمام خطورة زيادة الرقعة الصحراوية || النزاعات والكوارث تزيد تشغيل الأطفال في الزراعة || حفظ المحيطات لتحقيق التنمية المستدامة || البلاستيك صديقنا اللدود || “جزر الحرارة الحضرية”: كيف نحمي مدننا من ضربات الشمس؟ || كيف يحقق العرب الأمن الغذائي؟ || أجمل التكوينات الجيولوجية في الحدائق العالمية  || استدامة الغذاء في عالم متغير المناخ || التغلب على التلوث البلاستيكي ||  خطر تغير المناخ على انتاج الشاي || حماية النظم الإيكولوجية البرية || أهمية التنوع البيولوجي || إجراءات تنزيل البرنامج الوطني لجودة الهواء بالمغرب || حماية النحل ضرورة لمستقبل غذائنا || التلقيح بالنحل أهم خدمات الأنظمة البيئية يستوجب جذب انتباه صانعي القرار || مبادئ التوجيهية الطوعية الجديدة الغابات في المناطق المدارية ||

آفاق بيئية : البيئة والتنمية -عبد الهادي النجار 

البلاستيك هو الموضوع الذي اختاره برنامج الأمم المتحدة للبيئة هذه السنة ليوم البيئة العالمي في الخامس من حزيران (يونيو). هيمنت المنتجات البلاستيكية على الأسواق الاستهلاكية منذ بدء استخدامها تجاريا في ثلاثينيات القرن الماضي. وبلغ الإنتاج العالمي من البوليميرات البلاستيكية 335 مليون طن سنة 2016 بزيادة قدرها 670 في المئة مقارنة بإنتاج سنة 1976.

حتى نهاية السنة الماضية، جرى تصنيع أكثر من 9 بلايين طن من المواد البلاستيكية على مر التاريخ، من بينها نحو 7 بلايين طن لم تعد مستخدمة، وأصبحت توصف على أنها نفايات بلاستيكية انتهى معظمها في المكبات، وتسرّب جزء منها إلى الأوساط الطبيعية، وكذلك إلى الكتلة الحية بما فيها الإنسان.

هذه الأرقام تجعل البلاستيك واحداً من بين أكثر المواد التي قام الإنسان بتصنيعها، وهي أيضاً تشير إلى أثره التراكمي الكبير في البيئة، وما يعنيه ذلك من مخاطر محتملة على المحيط الطبيعي والكائنات الحية. وعلى الرغم من محدودية النتائج التي توصلت إليها الدراسات في ما يخص الضرر الصحي الطويل الأمد للبلاستيك إلا أن الجميع يتفق على ضرورة مواجهة الاستهلاك غير العقلاني للمواد البلاستيكية.

فوائد البلاستيك وأضراره

إن فوائد البلاستيك لا تعد ولا تحصى، فهو مادة خفيفة سهلة التشكيل متينة وزهيدة الثمن، وكفاءته في حماية المواد من التلوث الخارجي جعلته يدخل في الصناعات الطبية. يحافظ البلاستيك على نضارة ونكهة ما يخزن به من طعام وشراب، وقدرته على احتباس السوائل تجعل منه الوسيلة المفضلة لتخزين المنتجات الكيميائية المنزلية لاسيما مواد التنظيف.

وفي المقابل، فإن ديمومته وبنيته الكيميائية المعقدة تجعل من استخدامه سيفاً ذا حدين. من جهة، يستفاد من البلاستيك في تخزين المواد لفترات طويلة من دون أن يتعرض للتلف. ومن جهة أخرى، يقاوم البلاستيك عوامل التحلل الطبيعية فيتراكم في الأوساط الفيزيائية والحيوية.

تقدّر كمية النفايات البلاستيكية التي تتسرب إلى البحار سنوياً بحدود 13 مليون طن، أما كمية النفايات البلاستيكية المتراكمة في المحيطات فهي بحدود 150 مليون طن في سنة 2015 وسيصبح وزنها أكثر من وزن الأسماك في البحر في سنة 2050.

إن كمية الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، أو ما تعرف بالميكروبلاستيك، التي تتشكل سنويا في البحار هي بحدود خمسة تريليونات جزيء تزن بمجموعها أكثر من 250 ألف طن. ويجد قسم منها طريقه إلى أجسام العوالق والكائنات الأخرى كالقريدس وبلح البحر والحيتان والطيور، وكثير من هذه الحيوانات يدخل في السلسلة الغذائية التي يعتمد عليها الإنسان.

مع ذلك، فإن تعرض الإنسان لجزيئات الميكروبلاستيك نتيجة اعتماده غذائياً على منتجات البحر هو أقل نسبياً مما يدخل إلى جسمه نتيجة استنشاق جزيئات الميكروبلاستيك المعلقة في الهواء. وفي مدينة كباريس، كانت كمية الجزيئات والألياف البلاستيكية التي تتساقط من الهواء بحدود 29 إلى 280 حبة لكل متر مربع في اليوم، وفقاً لدراسة جرى نشرها في سنة 2015.

البلاستيك يتسلل إلى طعامنا

من ناحية أخرى، تمثل الكلفة الزهيدة لإنتاج البلاستيك عبئاً ثقيلاً على جدوى تدويره من الناحية الاقتصادية. لذلك تصل نسبة تدوير المخلفات البلاستيكية عالمياً إلى 14 في المئة فقط، وترتفع هذه النسبة في الاتحاد الأوروبي لتصل إلى 30 في المئة وفي الصين لتبلغ 22 في المئة، فيما تنخفض إلى ما دون 10 في المئة في الولايات المتحدة.

حتى نهاية 2017، كانت الصين أكبر لاعب في سوق تدوير المخلفات البلاستيكية، وهي تستقبل وحدها أكثر من نصف الكمية التي يجري الاتجار بها عالمياً. لكن قرار السلطات الصينية بحظر استيراد هذه المخلفات اعتباراً من مطلع 2018 جعل الدول الغربية تواجه مشكلةً في تصريف 8 ملايين طن من المواد البلاستيكية كانت تستقبلها الصين.

الولايات المتحدة وبريطانيا تحوّلت إلى مدافن النفايات والمحارق للتخلص من الأكوام المتراكمة، فيما توجهت دول أخرى لتصدير نفاياتها إلى بلدان جنوب شرق آسيا. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن الصين وبلدان جنوب شرق آسيا هي المصدر الرئيسي لأغلب النفايات البلاستيكية التي تتسرب إلى المحيطات.

الخطوة الصينية ستترك أثراً واسعاً في السياسة العالمية حول البلاستيك. هذا الأثر سيكون سلبياً على المدى القصير نتيجة زيادة تصنيع البوليميرات، وارتفاع معدلات التلوث بسبب حرق المخلفات البلاستيكية، أو التخلص منها في المطامر والأوساط المائية. أما على المدى البعيد، فربما يكون الأثر إيجابياً من خلال دفع الدول الغربية لتطوير سياساتها في تخفيض استهلاك المنتجات البلاستيكية، وتحسين معدلات التدوير محلياً.

عربياً، تعتبر المواد البلاستيكية مشكلة معقدة من حيث الإنتاج والاستهلاك والتخلص. فمبيعات منتجي البلاستيك الخليجيين ذات عائد كبير حيث بلغت نحو 34 بليون دولار في سنة 2016، أي ما نسبته 4 في المئة من مبيعات هذا القطاع عالمياً. وكانت السعودية استأثرت بنصف الإنتاج الخليجي لتأتي في المرتبة الثامنة بين كبار منتجي الخامات البلاستيكية في العالم.

وفي المقابل، نجد أن الدول الخليجية تستهلك 8 في المئة من إجمالي البلاستيك المنتج عالمياً. وتحتل السعودية المرتبة الأولى في الشرق الأوسط في معدل استهلاك الفرد من الأكياس سنوياً، حيث تصل الكمية إلى 40 كغ في مقابل المعدل العالمي الذي يبلغ 24 كغ للشخص سنوياً.

واللافت هو النمو السريع في استهلاك المواد البلاستيكية في دول الخليج سنةً بعد سنة. ففي مدينة مكة المكرمة، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة المخلفات البلاستيكية في النفايات البلدية من 6 في المئة في 1997 لتبلغ 24 في المئة في 2017.

ولا تقتصر مشكلة النفايات البلاستيكية على الدول الخليجية، إذ وجدت دراسة جرى نشرها في دورية “ساينس” سنة 2015، أن مصر تأتي في المرتبة السابعة عالمياً كأكبر مصدر للنفايات البلاستيكية التي تتسرب إلى البحار والمحيطات، فيما تحتل الجزائر المرتبة 13 وتليها المغرب في المرتبة 18 عالمياً.

البحث عن حل متكامل

يظن البعض أن تدوير المخلفات البلاستيكية هو الهدف الأهم في الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لكن هذا غير صحيح. إن الهوس بتدوير البلاستيك يشجع على استهلاك المزيد من المنتجات ذات الاستخدام الواحد بعيداً عن تحقيق الغاية الأهم: خفض استهلاك المواد البلاستيكية.

خلصت دراسة قام بها باحثون من جامعتي كاليفورنيا ولوس أنجلس إلى أن الأشخاص الذين يتخلصون من القوارير البلاستيكية في حاويات إعادة التدوير لا يشغلون أنفسهم بمسألة استخدام هذه القوارير أكثر من مرة قبل التخلص منها، ولذلك فإن استهلاكهم من المواد البلاستيكية يبقى مرتفعاً. كما أن إغراق الأسواق بالمواد المصنعة من بلاستيك معاد تدويره يدفع سعره إلى الانخفاض، ويزيد من الطلب على المواد الخام.

تدوير المخلفات البلاستيكية وسيلة وليس غاية

التدوير يكون مجدياً فقط في حال أدى إلى خفض إنتاج البلاستيك الخام المصنع من النفط. وفوق ذلك، يجب أن يكون التحوّل إلى استخدام المواد غير بلاستيكية حكيماً بحيث لا يزيد من البصمة الكربونية. على سبيل المثال، يجب استخدام الحقيبة القطنية أكثر من 130 مرة لتكون كلفتها البيئية أدنى من استخدام الحقائب البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد بسبب الأثر البيئي الواسع لزراعة القطن.

وبشكل مشابه، يجب استخدام القوارير المعدنية 500 مرة لتعادل في بصمتها الكربونية القوارير البلاستيكية المصنعة من PET. وترى إحدى الدراسات الأكاديمية أن اعتماد قوارير البلاستيك العالي الكثافة HDPE والمتعددة الاستخدام يتسبب في انبعاثات كربون أقل مقارنة بالقوارير المصنعة من الستانلس ستيل.

ويشهد العالم خطوات متصاعدة لمواجهة الإفراط في استهلاك المواد البلاستيكية. فرنسا تبنت قانوناً يمنع تصنيع ورمي الأطباق وأدوات المائدة البلاستيكية، وإيطاليا تفرض أن تكون جميع الحقائب البلاستيكية من البلاستيك المنخفض الكثافة LDPE أو أن تكون متعددة الاستخدام أو قابلة للتحلل، وألمانيا تقضي بدفع سلفة مالية لاسترداد أكواب القهوة المتعددة الاستخدام، أما بريطانيا فقد اعتمدت ضريبةً على الأكياس البلاستيكية وتنظر في حظر قصبات الشراب البلاستيكية.

ولاتزال الخطوات العربية باتجاه الإقلال من استهلاك البلاستيك خجولة نسبياً، وإن كانت بعض الدول كالإمارات والأردن وتونس والمغرب وقطر، ومدن في السعودية والسودان، وضعت قيوداً على إنتاج واستهلاك الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد أو تلك التي تستخدم في تعبئة وحفظ الأغذية.

في عالم يتألف من نحو سبعة بلايين شخص، لا يمكننا أن نعتمد في طعامنا ولبسنا وسكننا على الخشب والحجارة والمعادن فقط، نحن بحاجة إلى البلاستيك. وفي عصر تشغل بصمتنا الكربونية حيزاً من اهتمامنا، يجب ألا ننسى أن اللدائن الخفيفة الوزن تحتاج إلى طاقة أقل في إنتاجها ونقلها مقارنةً بالمواد الأخرى. كما أن المواد البلاستيكية تجعل من التكنولوجيا الخضراء أمراً قابلاً للتطبيق، ولنا أن نتخيل صعوبة إنتاج ألواح شمسية وسيارات وطائرات خفيفة من دون وجود البلاستيك. هذه المادة الاصطناعية يمكنها أن تكون أفضل حليف لنا في حماية البيئة إذا أحسنا التعامل معها.

اترك تعليقاً