اخر المقالات: تدبير ندرة المياه بين الابتكار والاستدامة || المستقبل لا يتوافق مع الوقود الأحفوري || العرب يطالبون بالماء والكهرباء وحل مشكلة النفايات || النقل المستدام وتحديات المستقبل || تحويل النظم الزراعية والغذائية لتحسين التغذية وحماية الكوكب || تحليل مخاطر الجفاف ورسم الخرائط || نظام للقياس والإبلاغ والتحقق لمواجهة مخاطر التغير المناخي || النزاعات والصدمات المناخية تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحالي في العديد من الدول || وثائق خطيرة عن ظاهرة الاحترار المناخي || محاكمة القرن ضد حكومة الولايات المتحدة الامريكية من أجل المناخ || أسواق الغذاء العالمية تعزز جهود الاستجابة لتغير المناخ ومكافحة الجوع || نحو تخلص تدريجي من استخدام المواد المستنزفة للأوزون || نظفوا العالم || تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية || عدد الجياع في العالم يتزايد || نقطة التحول القادمه في معركة المناخ || بيئة لبنان: عَوْدٌ على بدء || انحسار كبير في رقعة الغابات || البنى التحتية بين الفساد والبيئة || اليوم ، نحن جميعا لاجئي المناخ ||

كيف تجعل طعامك صديقاً للبيئة؟

آفاق بيئية : البيئة والتنمية

في عالم اليوم، لا يحصل أغلب البشر على الطعام المغذي بطريقة مستدامة بيئياً. ومن بين 7 بلايين نسمة هم عدد سكان الأرض، يعاني نحو 800 مليون شخص من نقص التغذية، كما يوجد نحو 1200 مليون شخص من أصحاب الوزن الزائد وممن يواجهون مشاكل مع البدانة. كما تضع سلاسل الغذاء، من الإنتاج مروراً بالنقل والمعالجة وانتهاءً بالنفايات، ضغوطاً كبيرةً على الموارد البيئية. فكيف ستكون الحال في سنة 2050 عندما يرتفع الطلب على الغذاء بمقدار 70 في المئة؟

الغذاء يساهم في تغير المناخ

من الصعوبة بمكان الوصول إلى توافق حول ما يجب التغذي به، لارتباط ذلك بالقيم والاعتبارات الشخصية والدينية والفكرية والصحية التي تتباين من شخص إلى آخر. لكن عندما يتعلق الأمر بالطعام الذي يحمي البيئة، تصبح الأمور أكثر وضوحاً والخيارات تكاد تكون محسومة.

استناداً إلى تقرير صدر عن “المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية”، التي تضم 15 مركزاً بحثياً حول العالم، يعد نظام الغذاء العالمي مسؤولاً عن ثلث انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري. ويحظى الإنتاج الزراعي بحصة الأسد من الانبعاثات، بما نسبته 86 في المئة، يليه تصنيع الأسمدة ثم عمليات التبريد. وتشمل هذه الانبعاثات أيضاً ما تطلقه مراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج، بما فيها النقل والتغليف والتخزين وغيرها.

ووفقاً لتقرير آخر صدر عن المجموعة ذاتها، سيؤدي تغير المناخ في سنة 2050 إلى تراجع إنتاج البلدان النامية من محصول القمح المروي بمقدار 13 في المئة، كما سيتناقص إنتاج الرز المروي بنسبة 15 في المئة، وفي أفريقيا سينخفض إنتاج محصول الذرة بنحو 10 إلى 20 في المئة.

نظامنا الغذائي يؤثر ويتأثر بتغير المناخ، ولكن هذا ليس كل شيء. الإنتاج الغذائي هو السبب الأساسي لإزالة الغابات، وهو يلعب دوراً حاسماً في تغير استخدامات الأراضي وفقدان التنوع الحيوي في جميع أنحاء العالم. ويرتبط أيضاً بالإفراط في الصيد، والتلوث، واستنزاف المياه الجوفية، والاستخدام الكثيف للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية.

الحمية النباتية ليست الحل دائماً

إن الربط بين اعتماد النباتات للتغذية وحماية البيئة فكرة نشأت منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي. ففي كتابها “حمية غذائية من أجل كوكب صغير”، اقترحت الباحثة الأميركية فرانسيس مور لابيه سنة 1971 إمكانية التعافي من مشكلة الجوع في العالم في حال الإقلال من استهلاك اللحوم في الدول الغربية. وفي الولايات المتحدة، خلصت “اللجنة الاستشارية للتوجيهات الغذائية” سنة 2015 إلى أن الأنماط الغذائية التي تحتوي كميات أعلى من النباتات ونسب أقل من اللحوم هي أفضل للصحة وذات تأثير أقل على البيئة.

ولا تأتي هذه الاستنتاجات من فراغ، إذ أن الدراسات المتوالية تبرهن على التأثير المفيد للحمية الغذائية النباتية على البيئة. وفي بحث نُشر في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” الأميركية، أشارت النتائج إلى أن التحول الواسع نحو الحمية الغذائية النباتية سيؤدي إلى انخفاض انبعاث غازات الدفيئة ذات الصلة بالطعام بمقدار 63 في المئة. ويكفي التقيد بالمبادئ التوجيهية الصحية العالمية، في ما يتعلق باستهلاك اللحوم (مثل التخفيف من استهلاك البرغر)، لخفض هذه الانبعاثات بمقدار 29 في المئة.

يُفترض بهذه المؤشرات أن تكون كافية لإقناع الناس بالتحول إلى الحمية الغذائية النباتية، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى محدودية ذلك. ففي بريطانيا على سبيل المثال، تبلغ نسبة النباتيين 2 في المئة، أما نسبة النباتيين “الصرف”، أي الذين يمتنعون عن تناول جميع منتجات الحيوانات، بما فيها أيضاً الحليب والبيض، فهي أقل من 1 في المئة.

في المقابل، توجد دراسات لا تؤيد التحول تماماً نحو الحمية الغذائية النباتية. ففي سنة 2015، استنتجت دراسة أجراها باحثون في جامعة كارنيغي ميلون الأميركية أن “تناول الخس هو أسوأ في إنتاج غازات الدفيئة من تناول اللحم المقدد بمقدار ثلاثة أضعاف”.

ربما تبدو نتائج الأبحاث متناقضة، لكن هذا التناقض هو محصلة الإجابة عن سؤال معقد يتصل بالعديد من العوامل المؤثرة في التكاليف البيئية لإنتاج ونقل وتسويق الأغذية. هناك باحثون يتجاهلون تماماً بعض المؤثرات، مثل كمية الأطعمة التي تهدر، فيما يركّز باحثون آخرون على عوامل يرونها أكثر صلة.

على سبيل المثال، يطلق إنتاج اللحم الأحمر من دون شك غازات دفيئة أكثر بكثير مما يفعله إنتاج البروتين النباتي كالعدس والبازلاء، إذ تصل النسبة إلى 13 ضعفاً. لكن في حال كان الاهتمام باستخدامات الأراضي، فإن المواشي التي ترعى في أرض مهملة هي أنسب لتحقيق كفاءة إنتاج الطعام حيث تتعذر الاستفادة من الأرض في زراعة المحاصيل.

المواشي التي ترعى في أرض مهملة أنسب لتحقيق كفاءة إنتاج الطعام

أما ما يخص دراسة جامعة كارنيغي ميلون، فهي قائمة على أساس السعرات الحرارية لكل من الخس واللحم المقدد. وهذه المرجعية قد لا تكون عادلة من وجهة نظر الكثيرين. فمن ناحية الوزن تكون السعرات الحرارية متكافئة بين شريحتين من اللحم المقدد في مقابل 3.3 كغ من الخس. أي أن الدراسة تقارن الانبعاثات الناتجة عن الأغذية على أساس السعرات الحرارية بشكل مجرد.

وفي حالة الأطعمة المهدورة، وجدت دراسة جرى نشرها مؤخراً في دورية “بلاس وان” أن مخلفات المنتجات النباتية تشكّل نحو ثلثي نفايات الأغذية في الولايات المتحدة، فيما يضم الثلث المتبقي نفايات اللحوم والألبان. وفي المحصلة، فليس المطلوب الامتناع كلياً عن أنواع محددة من الطعام، بل الموازنة بين استهلاك الأغذية المتنوعة، وفق إمكانات الانتاج في كل بلد. ولا بد من وضع حد لهدر الطعام، أكان نباتياً أو حيوانياً.

الحشرات مصدر مفضل للبروتين

نتيجةً النمو السكاني وازدياد أصحاب الدخل المتوسطـ، ارتفع معدل استهلاك اللحوم في العالم بأكثر من سبعين في المئة خلال السنوات الخمسين الماضية. وفي العالم العربي زادت كمية اللحوم التي يستهلكها الشخص سنوياً من 12 كغ في سنة 1968 إلى 30 كغ في سنة 2018، ومن المتوقع أن تصل إلى 35 كغ في سنة 2030.

تقديرات استهلاك اللحوم عالمياً، منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)

إن الزيادة المطردة في استهلاك اللحوم تثير المخاوف من حصول أزمة في توفير البروتين، خاصةً مع تراجع موثوقية مصادر الغذاء الأساسية، لارتباطها بتغير المناخ العالمي والقلق من الآثار البيئية لزراعة المحاصيل والصيد التجاري. وفيما يزدادون ثراءً، يميل الناس إلى التحول من الحمية الغذائية القائمة على الحبوب والمنتجات النباتية إلى الوجبات التي تحتوي على اللحوم.

من الخيارات التي لاتزال قيد التطوير لسد الفجوة المتوقعة في الطلب على البروتين الحيواني هو إنتاج اللحوم مخبريا بشكل مستقل عن الكائنات الحية، ومن ذلك ما قام به العالم الهولندي مارك بوست بإنتاج أول شطيرة برغر مصنع مخبرياً عن طريق تغذية خلايا جذعية مأخوذة من أنسجة عضلية لبقرة، طيلة ثمانية أسابيع. كلفة إنتاج هذه الشطيرة التجريبية كانت مرتفعة للغاية إذ بلغت 340 ألف دولار أميركي، ولكن مارك بوست كان واثقاً من أن هذه الكلفة ستتراجع لتصبح معقولةً في المستقبل.

ومن الخيارات الأخرى تطوير لحوم صناعية باستخدام خلطة من البروتينات ذات المنشأ النباتي، مثل فول الصويا والقمح والبطاطا، مع إضافات أخرى مثل زيت جوز الهند والزنك. وتجري إضافة النكهة المميزة للحم بالاعتماد على مادة مصنّعة تحتوي بعضاً من المركبات الكيميائية للهيموغلوبين المتواجد في خلايا الدم الحمراء، التي تعطي للحوم مذاقها المميز.

أما البديل الأكثر واقعية فهو استخدام الحشرات كمصدر للبروتين الحيواني، لاسيما أن الحشرات هي من الأنواع المقبولة على موائد نحو بليوني شخص في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ويوجد حالياً نحو ألفي نوع من الحشرات التي تتغذى عليها الكثير من الشعوب، مثل الجنادب واليساريع والجراد والخنافس والديدان وغيرها. وهي، مقارنةً باللحوم التقليدية، ذات محتوى بروتيني مماثل، فضلاً عن أنها تحوي كميات أكبر من الأحماض الدهنية غير المشبعة والمعادن الضرورية كالحديد والزنك.

ويعد استهلاك الحشرات من قبل البشر مصدراً للبروتين المستدام والرخيص، بشهادة خبراء التغذية والعلماء. ولذلك قامت الفاو في سنة 2013 بإطلاق برنامج لتشجيع تربية الحشرات على نطاق واسع بهدف مكافحة الجوع في البلدان النامية.

لكن تناول وجبات من الحشرات يبقى أمراً مثيراً للغثيان في العديد من البلدان والثقافات المختلفة. وربما يكون أكثر تقبلاً أن يتم إدخال بروتين الحشرات إلى قاعدة السلسلة الغذائية، أي كعلف في إنتاج اللحوم التي يتغذى عليها الإنسان.

وحتى في هذه الحالة، تواجه “صناعة الحشرات” بعض العقبات، مثل عدم استساغة بعض المجتمعات تغذية المواشي على الحشرات، والمصاعب المرتبطة بإقناع الجهات الرقابية بأن الحشرات لن تتسبب بإدخال سموم جديدة في الإمدادات الغذائية.

وأياً تكن المصاعب التنظيمية التي تواجه قطاع إنتاج الحشرات، فإن استبدال 5 أو 10 في المئة من البروتينات التي تأتي من المصائد البحرية أو من المزارع التقليدية بتلك التي تأتي من مزارع إكثار الحشرات يعد عملاً مؤثراً في الحفاظ على المصادر الطبيعية.

وكأي مادة يجري استهلاكها من قبل البشر، توجد العديد من القواعد التي يمكن تبنيها إذا أردنا تناول طعام صديق للبيئة. فالأولوية تأتي دائماً للأغذية المنتجة محلياً، خاصةً تلك التي تستهلك طازجة من دون الحاجة للتخزين أو التصنيع أو التعبئة أو التغليف.

وإلى جانب التقدم الذي تشهده الزراعة من دون تربة (الهيدروبونيك) وزراعة الأسطح في المناطق الحضرية، من المتوقع أن يشهد المستقبل القريب تطورات لافتة في ما يخص الزراعات المكثفة التي توفر في استهلاك المياه وتقاوم الأمراض والآفات الزراعية وتترك أثراً محدوداً على البيئة.

ماذا نأكل لنحمي كوكب الأرض؟

خمسة أغذية يُنصح بتناولها

  1. بلح البحر: يتم إكثار هذا النوع من المحار على الحبال، ما يجعل ضرره على النظام البيئي في حده الأدنى. ويتميز بلح البحر أيضاً بكفاءته في امتصاص الكربون من المحيط من أجل بناء قوقعته. وفوق ذلك، يقوم بلح البحر بارتشاح الطعام من ماء البحر ولا يحتاج إلى تغذية إضافية. كما أنه غني بالأحماض الدهنية والفيتامينات.
  2. البقوليات: مقارنة بمصادر البروتين الأخرى، تستهلك البقوليات (الفاصولياء والبازلاء والعدس) كميات أقل من المياه والأسمدة. كما أن بصمتها الكربونية منخفضة. ومن ناحية أخرى، تقوم هذه النباتات بتثبيت النيتروجين من الغلاف الجوي في التربة، وتحوله إلى الأمونيا التي تستفيد منها أنواع النباتات الأخرى.
  3. سمك البلطي (المشط): يمكن لهذا النوع من أسماك المياه العذبة أن يتكاثر في أنظمة الأحواض المغلقة، وتكون ملوثاته أقل من تلك التي تنتج عن أنواع سمك المزارع الأخرى. وبما أن البلطي من الأسماك النباتية، فهو لا يحتاج إلى مسحوق الأسماك كغذاء، وبالتالي لا يستنزف مخزونات الأسماك البحرية.
  4. الجبن الطري: تأتي الأجبان في المرتبة الثانية بعد اللحوم الحمراء في إطلاق غازات الدفيئة الناتجة عن النظام الغذائي. ولذلك يجب اختيار الأنواع التي تحتوي على كميات أقل من الحليب وتستلزم طاقة أدنى عند الإنتاج.
  5. الخضروات والفاكهة المحلية الموسمية: قد تكون بعض الأصناف محدودة محلياً، لكن يجب أن نتذكر أن نحو 10 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن المواد الغذائية تأتي من عمليات النقل. يمكنك الحد من هذه الانبعاثات إذا اشتريت الخضار والفاكهة التي تزرع قريباً من مسكنك.

خمسة أغذية يُنصح بتجنبها

  1. السكّر: إن الكميات الهائلة من السكر المنتج عالمياً ذات أثر بيئي كبير. ويعد قصب السكر من أكثر أنواع المحاصيل تطلباً للمياه. كما أن تحويل الموائل الهشة إلى مزارع لإنتاج السكر أضر التنوع البيولوجي العالمي بشكل خطير.
  2. التونا: توجد أنواع مختلفة من التونا بحيث يصعب التأكد من مصدرها واستدامتها. التغذي على تونا “السكيب جاك” أفضل من التغذي على تونا “البلوفين” من ناحية الحفاظ على الأنواع، والأنسب هو التمسك بخيارات أكثر أماناً إذا كنت تود حماية أسماك التونا.
  3. الأفوكادو: منذ أصبحت فاكهة الأفوكادو مرادفةً لنمط الحياة الصحية والصاخبة، بتنا نتجاهل أنها خصم لكوكب الأرض. إن إنتاج حبتين أو ثلاث من الأفوكادو يستهلك أكثر من 270 لتراً من الماء. والأسوأ أن هذه الفاكهة كثيراً ما تزرع في مناطق منكوبة بالجفاف نتيجة الطلب الكبير عليها.
  4. فول الصويا: ترتبط الصويا بالكثير من المشاكل البيئية، من تلوث المياه الجوفية إلى إزالة الغابات المطيرة في الأمازون. لا يتوجب على النباتيين القلق من استخدام الصويا كبديل للحم في شطائر البرغر، بل يجب أن يطال القلق مستهلكي اللحوم، إذ تمثل الصويا 75 في المئة من تركيب الأعلاف المقدمة للمواشي.
  5. اللحم البقري: اللحوم بشكل عام غير جيدة للبيئة، لكن اللحم البقري هو الأكثر تأثيراً. إحدى الدراسات قدّرت أن اللحم البقري يحتاج أرضاً تعادل 28 ضعف مساحة الأرض التي يحتاجها إنتاج الكمية ذاتها من لحوم الخراف والدواجن. كما يحتاج اللحم البقري 11 ضعفاً من المياه، وينتج 5 أضعاف كمية غازات الاحتباس الحراري.

صناعة إكثار الحشرات

يرتبط نمو الطلب على اللحوم مع زيادة الطلب على الأعلاف، فإنتاج كيلوغرام واحد من الدجاج يستلزم استهلاك كيلوغرامين من العلف، أما إنتاج كيلوغرام واحد من الأبقار فيتراوح بين 5 و20 كغ من العلف.

إن التوسع في زراعة فول الصويا، الذي يُستخدم منذ عقود كمكون أساسي في علف الدواجن والمواشي، ليس حلاً فعالاً على المدى الطويل لأن هذه الزراعة تساهم في إزالة الغابات وتستلزم استهلاك كميات كبيرة من المواد الكيميائية الزراعية ذات الأثر السلبي الواسع على المحيط.

كما أن الاعتماد على مسحوق الأسماك، المصنّع من نواتج المصائد البحرية ومخلفات الأسماك، لم يعد موثوقاً نتيجة التبدلات المناخية المفاجئة والقيود التي توضع لتنظيم الصيد البحري ومنع الإفراط به.

إن المساحيق السمكية تضم أنواعاً مختلفةً من الأسماك الزيتية كالأنشوفة (البلم) والرنكة، وهي تمثل نحو 25 في المئة من الحصة الغذائية النموذجية في مزارع الأسماك التي تشمل أيضاً الحبوب أو فول الصويا. ولا توجد جدوى من الاعتماد فقط على المحاصيل الزراعية لتغذية الأسماك التي تعتبر لاحمةً بطبيعتها، ذلك أن البروتين الحيواني يعزز نمو الأسماك ويزيد مقاومتها للأمراض.

تقوم مزارع الحشرات بإكثار يرقات ذباب “الجندي الأسود” وديدان خنافس “الظلاميات” كونها من أنواع الحشرات الطيّعة التي تسهل تربيتها، ونظراً لغناها بالبروتين والدهن الذي يمكن هضمه. ويجري إكثار ديدان خنافس الظلاميات باستخدام كميات قليلة من المياه، وهي تستطيع استخلاص المغذيات من الحبوب التي لا تناسب إنتاج المواشي من دون تمرير المواد السامة الخطرة. أما يرقات ذباب الجندي الأسود فهي تحتوي مستويات مرتفعة من الكالسيوم والحديد، ويمكنها التغذي على طيف واسع من نفايات الطعام.

يرقات ذباب الجندي الأسود غنية بالكالسيوم والحديد

وللمقارنة فإن الجنادب، التي تعد غذاءً مفضلاً لدى بعض الشعوب، هي حشرات صعبة الإرضاء لا تأكل كل ما يقدم لها. كما أنها كائنات صاخبة، وتشكل خطراً على المحاصيل في الجوار فيما لو تمكنت من الهرب.

إن شركات إكثار الحشرات كمادة علفية لا تكشف عادةً عن التكاليف والكميات المنتجة، لكن الأسعار الرائجة لهذا النوع من الأعلاف تساوي أو تزيد قليلاً عن أسعار الأعلاف المنافسة مثل مسحوق السمك.

وحيث أن الذائقة الغربية لا تستسيغ تناول الحشرات كغذاء، فإن العلف الحشري لايزال موضع تحفظ لدى الكثير من المشرّعين. وبينما حصلت يرقات ذباب الجندي الأسود على موافقة العديد من الدول في أوروبا وأميركا الشمالية لاستخدامها في مزارع الأسماك، لازال الطريق طويلاً لانتزاع الموافقة على استخدامها في تغذية الأنواع الأخرى كالدجاج والحيوانات الأليفة.

(يُنشر بالاتفاق مع مجلة البيئة والتنمية)

اترك تعليقاً