آفاق بيئية: محمد التفراوتي
لقد ظل الساحل المغربي، الممتد على أكثر من 3500 كيلومتر على واجهتين بحريتين، يشكل مجالا استراتيجيا يجمع بين الرهانات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ورغم هذه الأهمية، لم يحظ هذا المجال، إلى حدود العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بإطار قانوني متكامل يؤطر تدبيره وفق رؤية مندمجة.
قبل صدور القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، اتسمت المنظومة القانونية المغربية بالتشتت، واعتمدت على نصوص متفرقة، من أبرزها الظهير الشريف لسنة 1981 المنشئ للمنطقة الاقتصادية الخالصة، الذي أكد في فصله الرابع ضرورة المحافظة على البيئة البحرية ومنع كل أشكال التلوث التي قد تمس الموارد البحرية أو الأمن الاقتصادي للمملكة. غير أن هذا الظهير، شأنه شأن باقي النصوص القطاعية، اقتصر على إقرار المبادئ القانونية دون أن يوفر منظومة متكاملة لتدبير الساحل وحمايته.
كما أن ممارسة المغرب لاختصاصاته داخل منطقة اقتصادية خالصة تمتد إلى 200 ميل بحري ظلت تصطدم بإكراهات موضوعية مرتبطة بضعف وسائل المراقبة البحرية، ونقص الإمكانات التقنية والبشرية، وتعقيد مراقبة الصيد غير القانوني والتلوث البحري، فضلا عن الإشكالات المرتبطة باستغلال الموارد السمكية في إطار الاتفاقيات الدولية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 81.12 بعد مسار تشريعي استغرق أكثر من خمسة عشر عاما، ليؤسس لأول مرة لمفهوم التدبير المندمج للساحل، باعتباره مقاربة تتجاوز المعالجة القطاعية التقليدية نحو رؤية تقوم على التكامل بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية والتخطيط الترابي.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على صدور هذا القانون، هو: إلى أي حد نجح في تحقيق أهدافه؟ وهل استطاع فعلا الانتقال بالساحل المغربي من مجال يعاني تعدد المتدخلين إلى مجال يخضع لحكامة بيئية فعالة؟
مكاسب لا يمكن إنكارها
يمثل القانون تحولا نوعيا في التشريع البيئي المغربي، إذ اعتمد لأول مرة التدبير المندمج للمناطق الساحلية، واعتبر الساحل تراثا وطنيا مشتركا ينبغي الحفاظ عليه، وربط بين التخطيط العمراني والحماية البيئية، وأحدث أدوات للتخطيط من قبيل المخطط الوطني للساحل والمخططات الجهوية، كما كرس مبدأ التنسيق بين مختلف الفاعلين وأكد أهمية المشاركة العمومية.
كما انسجم مع دستور 2011، والقانون الإطار بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، ومع الالتزامات الدولية للمغرب، خاصة بروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية واتفاقية برشلونة.
لكن… أين تكمن مواطن الضعف؟
تكشف الممارسة أن القانون، رغم أهميته، ما زال يعاني عدة اختلالات.
أولها، أنه جاء متأخرا، بعدما كانت أجزاء واسعة من الساحل قد تعرضت لضغوط عمرانية وسياحية وصناعية كبيرة، الأمر الذي جعل القانون يتعامل مع واقع قائم بدل أن يوجه التنمية منذ بدايتها.
ثانيا، يغلب على العديد من مقتضياته الطابع التوجيهي، إذ يعلن المبادئ أكثر مما يحدد آليات التنفيذ، ويترك تفاصيل كثيرة للنصوص التنظيمية، وهو ما أبطأ تنزيل عدد من مقتضياته.
ثالثا، ما تزال حكامة الساحل تعاني تعدد المتدخلين، بين قطاعات البيئة والتجهيز والتعمير والصيد البحري والداخلية والجماعات الترابية والوكالات المختلفة، دون وجود مؤسسة وطنية موحدة تتولى التنسيق الفعلي، وهو ما يؤدي أحيانا إلى تداخل الاختصاصات وضعف الالتقائية.
رابعا، تبدو بعض العقوبات المحددة في القانون غير كافية أمام حجم الأرباح التي تحققها بعض التجاوزات، سواء تعلق الأمر بالبناء داخل المجال الساحلي أو الاحتلال غير المشروع للملك العمومي البحري.
خامسا، لا يزال تنزيل أدوات التخطيط يعرف بطئا ملحوظا، كما أن المراقبة الميدانية تعاني محدودية الإمكانات البشرية والتقنية.
وأخيرا، ورغم أن القانون سبق اعتماد كثير من السياسات المناخية الحالية، فإنه لم يمنح المكانة التي تستحقها إشكالات التغير المناخي، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، وتآكل السواحل، والفيضانات الساحلية، وفقدان النظم البيئية الساحلية، وهي قضايا أصبحت اليوم في صلب السياسات الدولية.
أي إصلاح مطلوب؟
بعد أكثر من عشر سنوات، يبدو من الضروري فتح ورش مراجعة القانون، بما يسمح بتحيين مقتضياته وفق المستجدات البيئية والمناخية، وتقوية آليات الزجر، وإحداث هيئة وطنية لحكامة الساحل، وتسريع إعداد المخططات الوطنية والجهوية، وتوسيع مشاركة الجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، مع اعتماد الحلول القائمة على الطبيعة في حماية الشواطئ والأنظمة البيئية الساحلية.
لقد شكل القانون رقم 81.12 خطوة تشريعية مهمة نقلت المغرب من منطق حماية الساحل عبر نصوص متفرقة إلى منطق التدبير المندمج للمناطق الساحلية. غير أن التجربة أظهرت أن جودة النص القانوني، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لتحقيق الحماية المنشودة. ففعالية القانون تظل رهينة بوجود حكامة مؤسساتية منسجمة، وإرادة سياسية مستمرة، وموارد مالية وبشرية كافية، وآليات مراقبة ناجعة. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد يتمثل في سن قوانين جديدة، بقدر ما يكمن في الانتقال من التشريع إلى الفعالية، ومن النص القانوني إلى الحكامة الساحلية المستدامة.

























