من مسقط إلى العالم.. عبدالله العمري: العمل المناخي يحتاج إلى رؤية وشراكات ونتائج ملموسة

محمد التفراوتيمنذ 23 دقيقةآخر تحديث :
من مسقط إلى العالم.. عبدالله العمري: العمل المناخي يحتاج إلى رؤية وشراكات ونتائج ملموسة

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

في مسقط، حيث تلتقي رهانات الطاقة مع أسئلة البيئة والتنمية، ينطلق اليوم أسبوع عمان للمناخ 2026 حاملا سؤالا يتجاوز حدود المؤتمرات والبيانات: كيف يمكن تحويل الطموح المناخي إلى فعل يغير الواقع؟

ثلاثة أيام تجمع في العاصمة العمانية أكثر من 5000 مشارك و400 متحدث وممثلين عن أكثر من 50 دولة، إلى جانب الخبراء وصناع القرار والقطاع الخاص والباحثين والمبتكرين والشباب. وتفتح جلسات الأسبوع ملفات تمتد من التحول في الطاقة والهيدروجين الأخضر والتمويل المناخي، إلى الاقتصاد الدائري والتنوع الأحيائي والحلول القائمة على الطبيعة والابتكار.

في قلب هذا الحراك يقف الدكتور عبدالله بن علي العمري، رئيس هيئة البيئة، الذي ينظر إلى العمل المناخي من زاوية تتجاوز حدود حماية البيئة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والطاقة والموارد ومستقبل التنمية. بالنسبة إليه، أصبح المناخ عاملا حاضرا في القرارات الاقتصادية والاستثمارية وفي قدرة المجتمعات على الصمود.

في هذا الحوار، نتوقف معه عند دلالات استضافة مسقط لهذا الحدث، ونقترب من رؤية سلطنة عمان للتحول المناخي، ومن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم: كيف نغادر مساحة التعهدات والطموحات إلى فضاء التنفيذ، حيث تتحول الاستراتيجيات إلى مشروعات، والابتكار إلى حلول، والشراكات إلى نتائج قابلة للقياس؟

الدكتور عبدالله العمري: العمل المناخي أصبح جزءا من معادلة التنمية.. وأسبوع عُمان للمناخ منصة للانتقال من الرؤية إلى التنفيذ

حوار: محمد التفراوتي

سؤال:
تشهد مسقط اليوم انطلاق النسخة الثانية من أسبوع عمان للمناخ، بمشاركة أكثر من 50 دولة وأكثر من 5000 مشارك و400 متحدث، إلى جانب عشرات الفعاليات وورش التدريب والتقنيات البيئية. ما الذي تريد سلطنة عمان أن تضيفه من خلال هذا الحدث إلى الحوار المناخي الإقليمي والدولي؟

جواب:
أسبوع عمان للمناخ يمثل مساحة للحوار والتعاون وتبادل المعرفة والخبرات، لكنه في الوقت نفسه يعكس توجه سلطنة عمان نحو جعل العمل المناخي جزءا من مسار التنمية الوطنية والإقليمية.

نحن نعيش مرحلة أصبح فيها تغير المناخ مرتبطا بصورة مباشرة بالطاقة والمياه والغذاء والاستثمار والأمن الاقتصادي وتنافسية الاقتصادات. لذلك فإن التعامل مع المناخ يحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين حماية البيئة ومتطلبات التنمية، وبين الطموح المناخي والقدرة على التنفيذ.

وجود هذا العدد الكبير من الدول والمشاركين والخبراء والمؤسسات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمبتكرين في مسقط يعكس أهمية بناء الشراكات. ونريد أن يكون الأسبوع منصة تنتقل فيها الأفكار والمعرفة والتجارب إلى حوار عملي حول الحلول والمشروعات وآليات التنفيذ.

سؤال:
يحمل الأسبوع شعار «من الرؤية إلى التنفيذ». أنتم تتابعون التحولات التي يشهدها العمل المناخي العالمي، من مفاوضات المناخ إلى تحولات الطاقة والتمويل والابتكار والحلول القائمة على الطبيعة. هل نحن أمام مرحلة جديدة في السياسات المناخية، أم أمام تحول أعمق في مفهوم التنمية نفسه؟

جواب:
أعتقد أننا أمام تحول أعمق في مفهوم التنمية. العمل المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة يمكن التعامل معها من خلال قطاع واحد أو مؤسسة واحدة. أصبح عنصرا أساسيا في القرارات المتعلقة بالطاقة والمياه والغذاء والاستثمار والبنية الأساسية والصناعة والاقتصاد.

ولهذا فإن الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ يعني أن تصبح الاعتبارات المناخية جزءا من عملية صنع القرار نفسها، وأن تتحول الاستراتيجيات والمستهدفات إلى سياسات ومشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ والقياس.

سلطنة عمان تنظر إلى الاستدامة البيئية باعتبارها عنصرا محوريا في مسارها التنموي، وتعمل على تحقيق الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050 من خلال انتقال منظم وواقعي يراعي الأولويات الوطنية ويحافظ على تنافسية الاقتصاد وأمن الطاقة، مع فتح المجال أمام التقنيات والحلول منخفضة الكربون.

سؤال:
الفجوة بين الالتزامات المناخية والتنفيذ على الأرض ما تزال من أبرز تحديات العمل المناخي العالمي. ما الذي تحتاجه المرحلة المقبلة حتى تصبح الاستراتيجيات والالتزامات مشروعات ونتائج ملموسة؟

جواب:
نحتاج أولا إلى تعزيز القدرة على التنفيذ، وهذا يتطلب شراكات حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والبحثية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

كما نحتاج إلى التمويل والتكنولوجيا والبيانات وبناء القدرات. لا يمكن تنفيذ التحول المناخي من خلال الطموح وحده. يجب أن تتوافر الأدوات التي تمكن الدول والمؤسسات والمجتمعات من تحويل هذا الطموح إلى مشروعات وحلول.

وهنا تكمن أهمية أسبوع عمان للمناخ. نحن لا نريد أن يكون الحوار منفصلا عن الاقتصاد الحقيقي، وإنما نريد ربط المعرفة والابتكار والتمويل بالاحتياجات الفعلية، والوصول إلى شراكات يمكن أن تنتج عنها مشروعات وحلول قابلة للتطبيق والتوسع.

سؤال:
تظل الطاقة في قلب المعادلة الاقتصادية، فيما تتجه سلطنة عمان نحو الحياد الصفري وتطور مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة. كيف تنظرون إلى هذا التحول، خصوصا في ظل ضرورة الحفاظ على أمن الطاقة والتنافسية الاقتصادية؟

جواب:
التحول في قطاع الطاقة يجب أن يكون منظما وواقعيا ويراعي الظروف الوطنية. بالنسبة إلى سلطنة عمان، فإن الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون يمثل فرصة لتطوير قطاعات جديدة والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، مع الحفاظ على أمن الطاقة واستدامة النمو الاقتصادي.

الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة تمثل مجالات مهمة في هذا المسار. كما أن الابتكار يفتح مجالات جديدة، ومنها تطوير حلول لإنتاج الهيدروجين والاستفادة من المياه المعالجة والمحلول الملحي الناتج عن عمليات التحلية.

المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجعل التحول في الطاقة فرصة اقتصادية وتنموية، وتساعد في الوقت نفسه على خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة على مواجهة آثار تغير المناخ.

سؤال:
يحظى الابتكار بحضور لافت في أسبوع عمان للمناخ، من خلال «إيكوثون» بمشاركة 150 مبتكرا، وورش التدريب، والمعرض الذي يضم أكثر من 80 عارضا، إضافة إلى الإعلان عن برنامج تعاون لإنشاء مركز الابتكار البيئي. ما الرؤية التي تقفون وراءها من خلال هذه المبادرة؟

جواب:
نريد أن ننتقل بالابتكار البيئي من مرحلة الأفكار إلى مرحلة التطبيق. لدينا طاقات كبيرة لدى الشباب والباحثين والمبتكرين ورواد الأعمال، وهذه الطاقات تحتاج إلى منظومة تحتضنها وتوفر لها المعرفة والدعم الفني والاستشاري والتمويل والشراكات.

مركز الابتكار البيئي يمكن أن يشكل جزءا مهما من هذه المنظومة، من خلال دعم الاحتضان والتسريع وتبادل المعرفة وبناء القدرات وربط المبتكرين ورواد الأعمال بالجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمستثمرين.

الهدف في النهاية هو أن تتحول الفكرة إلى حل، والحل إلى مشروع، والمشروع إلى قيمة اقتصادية وبيئية واجتماعية قابلة للقياس والتوسع.

سؤال:
تحتل الحلول القائمة على الطبيعة، وأشجار القرم، والكربون الأزرق، وحماية التنوع الأحيائي والاقتصاد الدائري مساحة مهمة في أجندة الأسبوع. كيف يمكن أن تتحول حماية الطبيعة من مفهوم بيئي إلى رافعة للتنمية والاقتصاد؟

جواب:
الطبيعة تمثل أحد أهم عناصر قدرتنا على مواجهة تغير المناخ. النظم البيئية الساحلية، ومنها أشجار القرم، تؤدي أدوارا مهمة في حماية السواحل وتخزين الكربون ودعم التنوع الأحيائي وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف.

ولهذا نعمل على تحويل هذه المجالات إلى جزء من الحل المناخي والاقتصادي في الوقت نفسه. الاستثمار في المحميات والسياحة البيئية، واستعادة النظم البيئية، والكربون الأزرق، والاقتصاد الدائري وإدارة النفايات، كلها مجالات يمكن أن تنتج قيمة بيئية واقتصادية واجتماعية.

وهنا أيضا تظهر أهمية الشراكة مع المجتمعات المحلية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية، حتى تصبح حماية الطبيعة مسارا للتنمية المستدامة وفرص العمل والابتكار.

سؤال:
في ظل ارتفاع كلفة التغير المناخي وتزايد الحاجة إلى التمويل والتكنولوجيا، كيف يمكن تعزيز الشراكات الدولية؟ وهل تطمح سلطنة عمان إلى أن تصبح مسقط منصة إقليمية للحوار والعمل المناخي؟

جواب:
سلطنة عمان تمتلك موقعا استراتيجيا وإمكانات اقتصادية وخبرة في قطاع الطاقة وإرثا دبلوماسيا يمكن أن يساعدها على أداء دور مهم في الحوار المناخي الإقليمي والدولي.

نحن نؤمن بأن العمل المناخي يحتاج إلى التعاون. لا تستطيع دولة واحدة أن تواجه هذه التحديات منفردة. نحتاج إلى تبادل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا، وإلى شراكات استثمارية وتمويلية، وإلى مشروعات مشتركة تحقق فوائد بيئية واقتصادية وتنموية.

وأسبوع عمان للمناخ يوفر مساحة مهمة لهذا النوع من التواصل، لأنه يجمع صناع القرار والخبراء والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والمبتكرين والشباب في مكان واحد.

سؤال:
إذا تجاوزنا الأيام الثلاثة لأسبوع عمان للمناخ، ما الأثر الذي تتطلعون إلى أن يتركه هذا الحدث؟ وما الذي سيجعل نجاحه قابلا للقياس؟

جواب:
نجاح أي فعالية مناخية لا يقاس بعدد الجلسات أو المشاركين فقط، وإنما بما يمكن أن تنتج عنه من تعاون ومشروعات وقرارات وحلول.

نريد أن يترك أسبوع عمان للمناخ أثرا يتجاوز أيام انعقاده، وأن تتحول النقاشات إلى شراكات، والأفكار إلى مشروعات، والابتكارات إلى حلول، والمعرفة إلى قرارات.

رسالتنا واضحة: المرحلة المقبلة تحتاج إلى تسريع العمل المناخي، وربط الطموح بالتنفيذ، وربط العمل المناخي بالاقتصاد الحقيقي والتنمية وجودة الحياة.

وسلطنة عُمان ماضية في هذا المسار من خلال رؤية واضحة تستند إلى الاستدامة، والابتكار، والشراكة، والاستثمار في الحلول التي تساعد على بناء مستقبل أكثر مرونة واستدامة للأجيال القادمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!