آفاق بيئية: محمد التفراوتي
المفاوضات تدخل مرحلة الحسم: البيئة والاقتصاد في قلب النقاش
يشكل الجزء الثاني من الدورة الحادية والثلاثين للسلطة الدولية لقاع البحار، المنعقد في كينغستون بجامايكا خلال الفترة من 13 إلى 31 يوليوز 2026، امتدادا للمسار التفاوضي الذي انطلق خلال الجزء الأول من الدورة، المنعقد من 9 إلى 19 مارس الماضي. وقد أسفرت تلك الجولة عن تقدم في هيكلة مشروع لوائح استغلال الموارد المعدنية في المنطقة الدولية لقاع البحار، وتحديد القضايا ذات الأولوية التي تستدعي مزيدا من التفاوض، وفي مقدمتها المعايير البيئية، وآليات الامتثال والتفتيش، ونظام المسؤولية، وتقاسم العائدات، وخطط الإدارة البيئية الإقليمية، بما مهد الطريق أمام المرحلة الحالية من المفاوضات.
وأكد مصدر مطلع مشارك في الملتقى أن اختزال النقاش في مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لاستغلال المعادن في أعماق البحار لا يعكس حقيقة ما يجري داخل مجلس السلطة الدولية. وأوضح أن عددا كبيرا من الدول، ولا سيما الدول النامية، يدعم استغلال الموارد المعدنية في إطار قانوني وبيئي صارم يكفل حماية النظم الإيكولوجية البحرية، ويضمن حق جميع الدول في الاستفادة المنصفة من موارد “التراث المشترك للبشرية”، وفقا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وأضاف أن جوهر المفاوضات يتمثل في بناء منظومة حوكمة تحقق التوازن بين حماية البيئة البحرية، والأمن القانوني للاستثمارات، وحقوق الدول النامية في التنمية، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتقاسم المنافع بصورة عادلة.
وبعد ستة أيام من المداولات المكثفة، انتقلت المفاوضات من مناقشة المبادئ العامة إلى الخوض في أكثر القضايا التقنية والقانونية تعقيدا، بما يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق السلطة الدولية لقاع البحار في بناء إطار تنظيمي قادر على التوفيق بين استغلال الموارد المعدنية وصون أحد أكثر النظم البيئية هشاشة على كوكب الأرض.
ورغم إحراز تقدم في مراجعة عدد من مواد مشروع اللوائح وملاحقها، ما تزال ملفات جوهرية تتطلب مزيدا من التوافق، وفي مقدمتها مستوى الحماية البيئية، وحدود المسؤولية القانونية، وآليات الرقابة والامتثال، وشروط اعتماد أولى خطط الاستغلال التجاري.
وشكلت أعمال لجنة الشؤون القانونية والتقنية أحد أبرز محاور النقاش، حيث قدمت تقريرها بشأن أنشطة المتعاقدين، وتقييم برامج الاستكشاف، والتقدم المحرز في إعداد المعايير والإرشادات البيئية، وخطط الإدارة البيئية الإقليمية، وقيم العتبات البيئية، وإدارة البيانات العلمية. كما أظهرت التقارير أن عددا من المتعاقدين أنفق مبالغ أقل بكثير مما كان متوقعا في برامج الاستكشاف، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين التنظيمي، إلى جانب التحديات العلمية والاقتصادية المرتبطة باستغلال الموارد المعدنية في أعماق البحار.
واحتلت القضايا البيئية مساحة واسعة من المداولات، حيث ناقش المجلس تقييمات الأثر البيئي، وخطط الاستجابة للطوارئ، وبرامج الصحة والسلامة، وآليات الرصد البيئي، ومناطق التأثير المرجعية، ومناطق الحفظ المرجعية، باعتبارها أدوات أساسية لمراقبة الآثار المحتملة لأنشطة الاستغلال. كما شددت وفود عديدة على أهمية إدراج الآثار التراكمية، وعدم اليقين العلمي، والتغير المناخي، وفقدان التنوع البيولوجي ضمن منهجية تقييم المخاطر البيئية.
وفي الوقت نفسه، ركزت المفاوضات على ملفات الحوكمة الاقتصادية، بما في ذلك المسؤولية القانونية، وآليات التعويض عن الأضرار البيئية، ومبدأ “الملوث يؤدي”، ومنع الاحتكار، ومراجعة نظام الأداءات المالية وتقاسم المنافع. وتعكس هذه القضايا إدراكا متزايدا بأن نجاح أي نظام مستقبلي لاستغلال الموارد المعدنية يرتبط بقدرته على تحقيق العدالة الاقتصادية، والشفافية، والمساءلة، إلى جانب سلامة الجوانب التقنية.

الحضور المغربي والإفريقي: الدفاع عن حكامة بحرية عادلة
ومن أبرز القضايا التي برزت خلال الأسبوع الثاني، تفعيل “المؤسسة” التابعة للسلطة الدولية لقاع البحار، باعتبارها الآلية التي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لضمان المشاركة الفعلية للدول النامية في استغلال الموارد البحرية. وشددت وفود عديدة على أن نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وإقامة شراكات عادلة، تمثل عناصر أساسية لترجمة مبدأ “التراث المشترك للبشرية” إلى واقع عملي، بما يضمن استفادة أكثر إنصافا من الموارد البحرية.

وفي هذا السياق، أوضح سليم لحصيني، رئيس قسم الترويج للأصول الهيدروكربونية بالمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وعضو الوفد المغربي، أن مشاركة المملكة في أعمال المجلس تميزت بحضور فاعل على المستويين الوطني والإفريقي، حيث قدم الوفد المغربي، باسم المجموعة الإفريقية، مداخلات بشأن ملفات محورية شملت حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، والتعدين الاختباري والتجريبي، والإدارة البيئية والرصد، والخطط الإقليمية للإدارة البيئية (REMPs). وأضاف أن المجموعة الإفريقية شددت على ضرورة أن تستند القواعد المنظمة للاستغلال إلى أفضل المعارف العلمية المتاحة، وأن تكفل الشفافية والرقابة الفعالة، مع مراعاة الآثار التراكمية وعدم اليقين العلمي، مؤكدة أن الخطط الإقليمية للإدارة البيئية ينبغي أن تتحول إلى أدوات عملية توجه طلبات الاستغلال وخطط عمل المتعاقدين، مع ضمان المشاركة الكاملة والفعالة للدول الإفريقية والدول النامية في إعدادها وتحيينها. كما أوضح أن الوفد المغربي ساهم، على المستوى الوطني، في النقاش المتعلق بتفعيل “المؤسسة”، داعيا إلى ترسيخ مبادئ الإدارة التجارية السليمة بما يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والشفافية والاستقلالية المؤسسية، ويضمن مشاركة منصفة للدول النامية في الأنشطة والاستفادة من المنافع، إلى جانب نقل التكنولوجيا وبناء القدرات والخبرات الوطنية. ويعكس هذا التوجه رؤية المغرب للحكامة البحرية القائمة على حماية البيئة البحرية، وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ مبادئ الإنصاف في إدارة الموارد الواقعة خارج الولاية الوطنية، بما ينسجم مع التزام المملكة باتفاق حفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية (BBNJ)، ويترجم مبدأ التراث المشترك للبشرية إلى ممارسة عادلة تحفظ حقوق الأجيال الحالية والقادمة.
كما ناقش المجلس مستقبل لجنة التخطيط الاقتصادي، باعتبارها إحدى المؤسسات المنتظرة لتقييم الآثار الاقتصادية المحتملة لاستغلال المعادن في أعماق البحار، خاصة على الدول النامية المنتجة للمعادن البرية، بما يضمن مراعاة الآثار الاقتصادية والاجتماعية في عملية صنع القرار.
وتؤكد حصيلة الأيام الستة الأولى أن جوهر المفاوضات يتمحور حول الشروط القانونية والعلمية والمؤسساتية الكفيلة بتأطير استغلال الموارد المعدنية في أعماق البحار، بما يحقق التوازن بين حماية البيئة البحرية، والأمن القانوني، وحق الدول في التنمية وتقاسم المنافع.
البحر المتوسط: امتدادات إقليمية لحوكمة أعماق البحار
تتجاوز أهمية هذه المفاوضات حدود المنطقة الدولية لقاع البحار لتشمل مختلف الأحواض البحرية، وفي مقدمتها البحر المتوسط، الذي يشهد تحديات متزايدة ترتبط بتغير المناخ، وتراجع التنوع البيولوجي، والتلوث، وتنامي الضغوط على الموارد البحرية. وتؤكد النقاشات الجارية أن القواعد التي يجري إعدادها اليوم ستتجاوز نطاق تنظيم استغلال الموارد المعدنية في أعماق البحار، لتصبح مرجعا متقدما في تطوير الحوكمة البحرية الدولية. وتشكل المبادئ البيئية والقانونية التي يجري التفاوض بشأنها داخل السلطة الدولية لقاع البحار مرجعا مهما لتطوير الحكامة البحرية، وتعزيز الإدارة القائمة على النظم الإيكولوجية، وترسيخ مبدأ الحيطة في تدبير الموارد البحرية على المستويين الإقليمي والدولي.
وتكشف المداولات الجارية داخل مجلس السلطة الدولية لقاع البحار أن المؤسسة تواجه اختبارا يتجاوز إعداد لوائح تنظيمية جديدة، ليطال قدرة منظومة الحوكمة البحرية الدولية على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الأزرق العالمي. فالتحدي يتمثل في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تتمتع بالشرعية والمصداقية، وتواكب التطورات العلمية والتكنولوجية والجيوسياسية، وتوفر ضمانات فعالة لحماية البيئة البحرية، وتعزز الثقة بين الدول الأعضاء، وتكفل الأمن القانوني، وتترجم مبدأ التراث المشترك للبشرية إلى ممارسة عملية قائمة على العدالة في تقاسم المنافع.
كما تعكس المفاوضات تباينا في الأولويات أكثر مما تعكس تعارضا في الأهداف، إذ تتقاطع اعتبارات التحول الطاقي العالمي مع متطلبات صون المحيطات وحقوق الدول، ولا سيما النامية، في التنمية، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات. وفي هذا السياق، ترسم الدورة الحادية والثلاثون ملامح نموذج جديد لحوكمة الموارد الطبيعية الواقعة خارج الولاية الوطنية، ستكون مخرجاته مؤثرة في مستقبل القانون الدولي للبحار، وفي إدارة الموارد البحرية للأجيال الحالية والقادمة.
و يكتسب الحضور المغربي أهمية خاصة، بحكم الموقع الجغرافي للمملكة عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. وتمثل المشاركة في صياغة هذه القواعد الدولية إسهاما في تطوير الحكامة البحرية العالمية، وترسيخ مقاربة تجمع بين حماية النظم الإيكولوجية البحرية، واستدامة استغلال الموارد، وتعزيز حقوق الدول النامية في الاستفادة العادلة من التراث المشترك للبشرية.

وفي هذا الأفق، ترسم الدورة الحادية والثلاثون للسلطة الدولية لقاع البحار ملامح مرحلة جديدة في إدارة الموارد البحرية، تتقاطع فيها الاعتبارات البيئية والقانونية والاقتصادية مع متطلبات العدالة الدولية، بما يعزز أسس حوكمة بحرية أكثر توازنا واستشرافا للمستقبل.
وهكذا، ترسم المفاوضات الجارية داخل السلطة الدولية لقاع البحار ملامح مرحلة جديدة في تطور الحوكمة البحرية العالمية، حيث تتقاطع الاعتبارات البيئية والقانونية والاقتصادية في بناء إطار دولي لتنظيم استغلال الموارد المعدنية في أعماق البحار. وستشكل مخرجات هذه الدورة مرجعا مؤثرا في مستقبل قانون البحار، وفي إدارة الموارد البحرية المشتركة، وفي ترسيخ التوازن بين حماية البيئة البحرية، والعدالة في تقاسم المنافع، وحق الدول في التنمية، بما يفتح مرحلة جديدة في تطور منظومة الحوكمة البحرية الدولية.











































