ثورة في العمارة: عندما تصبح المباني كائنات حية مستقلة بفضل النمل الأبيض

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
ثورة في العمارة: عندما تصبح المباني كائنات حية مستقلة بفضل النمل الأبيض

آفاق بيئية: خالد غانم* 

في ظل التوترات الجيوسياسية التي تلوح في أفق مضيق هرمز,الشريان الذي يتدفق عبره خمس استهلاك النفط العالمي، تجد المدن الحديثة نفسها في مواجهة مأزق كبير , فالاعتماد الكلي على الطاقة لتبريد ناطحات السحاب الزجاجية يجعلها عرضة للشلل التام عند أي اضطراب في إمدادات الوقود

المهندس الزيمبابوي ميك بيرس قدم  (Mick Pearce) حلاً استراتيجياً استلهمه من هندسة تلال النمل الأبيض ,  و بيرس يعد أحد أبرز رواد العمارة البيئية الذين قرروا تسخير قوانين الطبيعة لخدمة العمران. لم يكتفِ بيرس بالتنظير، بل جسد فلسفته في مشاريع عالمية كبرى، أبرزها:

• مركز إيستجيت (Eastgate Centre): مجمع ضخم بمساحة 56,000 متر مربع في هراري، يعمل بلا “فريون” منذ 1996.

• مبنى Council House 2 (CH2): في ملبورن، والذي حصد أعلى تصنيفات المباني الخضراء عالمياً بفضل تقنيات التبريد السلبي.

العبقرية الهندسية للنمل الأبيض

استند “بيرس” في تصاميمه إلى دراسة النمل الأبيض (Isoptera)، ليس كحشرة مستهلكة للخشب، بل كمهندس بارع للتربة، و تكمن المعجزة في التلال الطينية التي يبنيها النمل، والتي تعمل كأجهزة تنفس طبيعية:

يبني النمل أبراجا تطرد ثاني أكسيد الكربون وتجذب الأكسجين مع الحفاظ على درجة حرارة ثابتة لمزارع الفطر داخلها، حتى لو بلغت الحرارة الخارجية 40 درجة مئوية.

وقد  استلهم بيرس هذا التأثير عبر استخدام مواد ذات “كتلة حرارية” عالية (كالخرسانة والطوب) لامتصاص الحرارة نهاراً، مع استخدام مراوح تسحب الهواء البارد ليلاً لتبريد الهيكل، تماماً كما تتنفس مستعمرة النمل.

من هندسة الحشرة إلى أمن المضيق

إن الربط بين عبقرية النمل الأبيض وأزمة مضيق هرمز ليس مجرد ربط نظري، بل هو ضرورة أمنية واقتصادية:

• الاستقلال عن الوقود: نجح “إيستجيت” في توفير 90% من استهلاك الطاقة، مما يجعله نموذجا للمباني التي يمكنها الصمود في وجه انقطاع إمدادات الطاقة الناتجة عن النزاعات الإقليمية.

• التحرر من الرهينة الطاقوية: يرى بيرس أن التحول نحو هذا النمط من الهندسة الحيوية يجعل المدن كيانات مستقلة “تتنفس” مع بيئتها، بدلا من كونها رهينة لتقلبات أسعار النفط أو سلامة الممرات الملاحية العالمية.

لقد أثبت ميك بيرس أن الحل لأزمات الطاقة العالمية لا يتطلب مزيداً من استهلاك الموارد، بل محاكاة ذكاء النمل الأبيض, و تبني هذه الهندسة هو السبيل الوحيد لتجاوز اختناقات ممرات الطاقة وضمان استمرارية الحياة في مدن المستقبل بذكاء واستدامة.

* د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر – مصر. شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات. مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء. و مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع jesup II  , وهو أول حديقة معرفة عالمية تعني بالزراعة التجديدية تدمج المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!