من الحسانية الى الاسبانية ثم العربية: رحلة نص انثروبولوجي في ذاكرة الصحراء المغربية

محمد التفراوتيمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
من الحسانية الى الاسبانية ثم العربية: رحلة نص انثروبولوجي في ذاكرة الصحراء المغربية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

ولادة جديدة لنص كلاسيكي

ها هو عالم الصحراء المغربية يطل علينا من جديد، عبر كتاب دراسات صحراوية الذي ينقل إلينا ذاكرة القبائل كما رآها المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، وكما أعاد إحيائها الدكتور أحمد صابر بترجمة رصينة.

بفضل الجهد العلمي الرصين للدكتور أحمد صابر، يطل علينا اليوم كتاب “دراسات صحراوية” للمؤرخ وعالم الانثروبولوجيا الاسباني خوليو كارو باروخا (Julio Caro Baroja) في ثوب عربي فصيح، بعد أن ظل حبيس اللغة الاسبانية لعقود طويلة.

ولعل أبرز ما يميز هذا العمل الفريد يعتبر دراسة اثنوغرافية. ويعد موسوعة حية ترصد البنية الاجتماعية والثقافية لقبائل الصحراء المغربية في خمسينيات القرن الماضي، من خلال شهادات أعيانها ورموزها، وما حملته من عادات وتقاليد، و شعر ملحمي، و حكايات وأساطير، وصور وخرائط ووثائق نادرة.

مرآة مزدوجة: كيف رآنا الآخر وكيف عبرنا عن ذواتنا

إنه كتاب يضع بين أيدينا مرآة مزدوجة. كيف رآنا الآخر، وكيف عبرنا نحن عن ذواتنا في لحظة تاريخية دقيقة. وإذا كان العمل يحمل خصوصية في زاوية المعالجة، فإن تلك الخصوصية تمثل جزء من قيمته، إذ تكشف عن تفاعل معرفي بين الثقافات. إن قيمته العلمية تكمن في الكم الهائل من المعطيات التي جمعها المؤلف، وفي الجهد الصادق الذي بذله المترجم لنقلها بأمانة وصرامة علمية.
يشار أن مؤسسة الشيخ مربيه ربه لاحياء التراث والتبادل الثقافي تتشرف باحتضان هذا الاصدار، الذي يمكن اعتباره ولادة ثانية للنص، وإضافة نوعية الى المكتبة المغربية والعربية، ونافذة لفهم أعمق لعالم الصحراء، انسانا وثقافة وتاريخا.


يعيد كتاب “دراسات صحراوية” للمؤرخ وعالم الانثروبولوجيا الإسباني خوليو كارو باروخا فتح ملفات اجتماعية وثقافية وتاريخية قلما تناولتها الدراسات الحديثة بهذه الدقة والشمولية.

إن هذا الكتاب لا يخاطب الباحثين في الأنثروبولوجيا فحسب، بل يشكل أيضا مرجعا للدبلوماسيين وصناع القرار لفهم ديناميات مجتمع الصحراء.

البنية الاجتماعية والاقتصاد الصحراوي

الكتاب هو موسوعة اثنوغرافية ضخمة، تضم بين دفتيها تحليلا للبنية الاجتماعية التقليدية لقبائل الصحراء المغربية، من النسب والقبيلة وأفخاذها، الى الأعراف والعلاقات الداخلية، وطرق الحماية والسلطة والبركة. كما يقدم رصدا دقيقا للاقتصاد الصحراوي، من الفلاحة والرعي وتجارة الماشية، الى المؤسسات الخيرية ودلالاتها، مع إحصاءات حول العمر والجنس والبنيات العائلية. ويعرض وصفا حيا لنمط التعايش بين الرحل، و الخيمة ومعداتها، و الزواج، و الأمراض والتداوي، وحتى طقوس الوفاة. كما يتضمن سردا تاريخيا للمعارك والتحالفات والاضطرابات، كما رواها الرحل انفسهم، بما في ذلك الجهاد ضد الفرنسيين ومعارك الركيبات وأولاد جرير وغيرهم، إضافة الى ذاكرة غنية بالشعر الحساني والملحمة والأصول والأنساب والحكايات والأساطير، وملحقات توثق الاعراف والاحتفالات وأسماء السنوات.
ما يميز هذا الكتاب انه يجمع بين شهادة الداخل، من خلال أعيان القبائل ورموزها الذين نقلوا للمؤلف تفاصيل حياتهم، وعين الخارج عبر المؤرخ الاسباني الذي حاول فهم مجتمع يختلف جذريا عن مجتمعه الاوروبي. ورغم اعتراف المؤرخ باروخا بجهله المسبق بالعالم الاسلامي، فقد خاض مغامرة علمية جريئة، مستخدما شبكة مترجمين محليين لنقل الثقافة الحسانية الى الاسبانية، ومنها الى العربية اليوم.
هذا التداخل بين الثقافات يجعل الكتاب وثيقة مركبة تتجاوز مجرد الوصف، إذ يتيح لنا إعادة قراءة الصورة التي صاغها الباحث الأجنبي عن مجتمع الصحراء، والتأمل في حدود الحياد والانحياز في الدراسات الكولونيالية المبكرة، دون أن يقلل ذلك من القيمة العلمية للمادة التي جمعها.

جهد المترجم وأمانة النقل العلمي

لقد كان للدكتور أحمد صابر فضل كبير في إحياء هذا النص، إذ تعامل معه بصرامة علمية وحرص على الأمانة في النقل دون نقصان أو زيادة، ليقدم للقارئ العربي نسخة كاملة من هذا السفر الفريد. كما كان لمؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي دور محوري في احتضان هذا المشروع ونشره، إدراكا منها لأهمية إعادة الاعتبار لذاكرة الصحراء المغربية وتاريخها الاجتماعي والثقافي.
إن كتاب دراسات صحراوية يعتبر وثيقة تاريخية، و جسر معرفي بين الماضي والحاضر، وبين الداخل والخارج، وبين الاسبانية والعربية. إنه يثري المكتبة المغربية والعربية ويفتح آفاقا جديدة أمام الباحثين والدبلوماسيين والمهتمين بالانثروبولوجيا لفهم أعمق لمجتمع الصحراء، إنسانا وثقافة وتاريخا.
وبذلك يمكن القول ان هذا الاصدار يشكل بالفعل ولادة ثانية للنص، ونافذة نادرة على عالم ظل طويلا بعيدا عن أعين الباحثين العرب، ليعود اليوم حيا نابضا بالمعرفة والذاكرة.

أصوات الصحراء حية في وجدان القارئ

إنه سفر يعيد إلينا أصوات الصحراء، ويمنحها حياة جديدة في وجدان القارئ العربي، لتظل شاهدا على تفاعل الإنسان مع المكان والزمان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!