آفاق بيئية: محمد التفراوتي
حين أتنقل بقلق بين المحطات الإعلامية المختلفة، يصيبني الضجر واليأس من المشهد الدولي الذي تحول، في كثير من تفاصيله، إلى بؤرة تلوث خطير للوعي وللبيئة معا. فبعد سلسلة القمم البيئية التي تخللتها التوصيات البراقة والمبادرات الواعدة، نعود بسرعة إلى نقطة الصفر، أو ما هو أسوأ من الصفر. مشاهد مؤلمة لأناس من بشر واحد لم يتمكنوا من العيش بسلام وألفة، بل تحولوا، بفعل السياسات والصراعات، إلى “بعضهم لبعض عدو”. كراهية، تجويع، فقر، دمار، فناء… وكأن شيئا لم يحدث. وكأن كل تلك المؤتمرات التي عقدت تحت شعارات حماية المحيطات والمناخ كانت مجرد فقاعات إعلامية سرعان ما انفجرت لدى أول اختبار جيوساسي.
هنا، في مضيق هرمز، حيث تلتقي خطوط النفط بخطوط النار، تتجلى المفارقة الأكثر إيلاما. وهناك، في مياه البحر المتوسط، حيث تتصارع مشاريع الغاز والنفوذ العسكري، تتكرر ذات المفارقة. فبينما تعقد قمم المناخ والمحيطات في قاعات فاخرة، يعاد إنتاج التدمير البيئي يوميا باسم الأمن القومي والردع العسكري. فإلى متى يظل البحر رهينة الصراعات؟ وإلى أين تتجه وعود حماية المحيطات في زمن الحرب؟.
التفاعلات الجديدة: عندما يصبح المحيط ساحة حرب
يشهد العالم تصاعدا في تسييس الفضاءات البحرية، حيث لم تعد المضائق والممرات المائية مجرد ممرات للتجارة أو أنظمة بيئية هشة، بل تحولت إلى خطوط مواجهة للصراعات الإقليمية والدولية. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من النفط العالمي، يتحول دوريا إلى نقطة احتكاك عسكري، بين تهديدات بالإغلاق واستهداف للسفن المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وفي الطرف الآخر من الخريطة، يتحول البحر المتوسط إلى مسرح معقد للصراعات. فمن مضيق جبل طارق إلى السواحل الليبية والسورية، تتداخل النزاعات الحدودية حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة مع التنقيب عن الغاز الطبيعي، في ظل وجود عسكري كثيف لحلف شمال الأطلسي وقواعد بحرية متنافسة. التوترات بين تركيا واليونان وقبرص، والصراع في ليبيا، والوجود الروسي في شرق المتوسط، كلها عوامل تجعل من هذا البحر العتيق بوتقة تتصادم فيها المصالح الجيوسياسية على حساب النظام البيئي الهش.

العواقب البيئية للنزاعات: الإغفال الكبير
هنا يكشف التناقض الكبير. فبينما تنعقد المؤتمرات الدولية للدعوة إلى اقتصاد أزرق مستدام ومحيط لا يعترف بالحدود، فإن الممارسات الفعلية تعيد إنتاج الحدود بالقوة، بل وتضيف حدودا جديدة للتهديد البيئي. التصعيد العسكري في الممرات المائية يهدد الملاحة، و يضغط على أنظمة بيئية تعاني أصلا من التلوث والاحتباس الحراري والاستنزاف البشري.
عند الحديث عن الضغط على مضيق هرمز أو التوترات في المتوسط، يظل البعد البيئي هو الغائب الأكبر عن التحليلات السائدة. فالحرب، حتى قبل أن تندلع، تترك آثارها البيئية المزمنة.
في مضيق هرمز، أي مواجهة عسكرية تستهدف ناقلات النفط أو منشآت الطاقة تعني احتمال حدوث تسربات نفطية هائلة يصعب احتواؤها في ممر مائي ضيق وضعيف العمق نسبيا. الكارثة البيئية الناتجة لن تقتصر على السواحل الإيرانية والعمانية والإماراتية، بل ستمتد لتدمير الأراضي الرطبة والشعاب المرجانية الفريدة في الخليج العربي، وهي شعاب تعاني أصلا من درجات حرارة قياسية وارتفاع الملوحة.
وفي البحر المتوسط، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فسنوات من الصراع في ليبيا وسوريا أدت إلى غرق سفن وشحنات وقود، وتسرب مواد خطرة من منشآت نفطية متضررة، إضافة إلى التلوث المزمن الناتج عن التدريبات العسكرية والتحركات البحرية المكثفة. كما أن أزمة الهجرة غير المسبوقة، وما رافقها من عمليات بحث وإنقاذ وإجراءات أمنية مشددة، خلقت ضغطا إضافيا على المناطق البحرية الحساسة. أما التنقيب عن الغاز باستخدام المسوحات الزلزالية، فيسبب تلوثا ضوضائيا يعطل قدرة الثدييات البحرية، كالدلافين والحيتان، على التواصل والملاحة، ناهيك عن تأثيره على الأرصدة السمكية التي يعتمد عليها ملايين الصيادين.
ثمة تأثير مزدوج يهدد كلا الحوضين. فهما يعانيان أصلا من آثار تغير المناخ من خلال ارتفاع حرارة المياه، تحمض المحيطات، ارتفاع منسوب سطح البحر. لذا فإن إضافة ضغوط الصراع العسكري والأنشطة المرتبطة به تجعل قدرة النظم البيئية على التعافي شبه مستحيلة.

“ميد موزايك”(Med Mosaic): عندما تواجه المبادرة المدنية تدمير البحار في زمن الحرب
وفي هذا السياق، تشير السيدة منى سماري، الخبيرة الدولية في البيئة البحرية، إلى أن “النزاعات والأنشطة العسكرية في البحر تعد من بين الضغوط الأقل وضوحا ولكنها الأكثر تدميرا على النظم البيئية البحرية اليوم. فالتلوث العرضي والضوضاء تحت الماء والاضطرابات التي تلحق بالموائل الهشة تؤثر بشكل مباشر على التنوع البيولوجي وموارد مصايد الأسماك التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص.”
ويربط البحر المتوسط جميع دول المنطقة، إذ يتحول التدهور البيئي في بلد ما إلى مشكلة عابرة للحدود. في هذا الإطار، لا تعني تغطية القضايا البيئية في أوقات الصراع تجاهل النزاعات، بل توثيق أزمة إضافية ستشكل مستقبل المنطقة لعقود. ويواجه قطاع الإعلام العالمي أزمة هيكلية، وغالبا ما يكون الإعلام البيئي أول الضحايا، رغم كونه أحد أهم القطاعات لمستقبل المنطقة. خاصة مع تحول قضايا مثل فقدان سبل عيش الصيادين وضعف المجتمعات الساحلية والتنافس على الموارد البحرية إلى تحديات أمنية للجيل القادم.
و يذكر أن السيدة منى سمري تقود مبادرة “Med Mosaic” التي تركز على القضايا البحرية في الدول التي تعاني من النزاعات أو مرحلة ما بعد النزاع في حوض المتوسط، حيث تتصدى لظواهر مثل الاستخدام المتزايد للصيد بالديناميت في لبنان وسوريا وليبيا.

تحليل قانوني: الحرب ضد القانون البيئي
ومن جهته أكد الدكتور محمد بلماحي، وهو خبير قانوني مغربي متخصص في القانون العام، أن الوضع يكشف عن قصور مستمر في الحوكمة البيئية الدولية. وقال إن النزاعات المسلحة تسلط الضوء على القيود الحالية للقانون البيئي الدولي، موضحا أنه عندما تصبح قضايا الأمن والطاقة من الأولويات غالبا ما يتم تهميش حماية النظم البيئية البحرية، رغم الالتزامات الدولية بالتنوع البيولوجي وحماية المحيطات.
ووفقا له، فإن حماية المحيطات في مناطق التوتر الجيوسياسي تتطلب تعزيز الآليات القانونية الدولية القادرة على دمج البعد البيئي في السياسات الأمنية وإدارة الأزمات، مشيرا إلى أن العلاقة بين الحرب والبيئة أصبحت اليوم من أكثر الإشكالات القانونية تعقيدا في النظام الدولي المعاصر.
ويؤكد أن النزاعات المسلحة الحديثة لم تعد تقتصر آثارها على البنية التحتية أو السكان المدنيين فقط، بل تمتد أيضا إلى النظم البيئية البحرية والبرية، إذ إن استهداف المنشآت النفطية، أو تعطيل الملاحة في المضائق الحيوية، أو تكثيف الأنشطة العسكرية البحرية، كلها عوامل قد تؤدي إلى أضرار بيئية جسيمة وطويلة الأمد.
ويضيف أن القانون الدولي، رغم توفره على بعض الآليات الحمائية، لا يزال يعاني من فجوات واضحة، موضحا أن القانون الدولي الإنساني يتضمن مبادئ عامة لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، مثل حظر إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف آليات التنفيذ وغياب آليات رقابة فعالة، خاصة في المناطق البحرية الحساسة.
ويرى أن التحدي القانوني الأكبر يتمثل في إدماج الاعتبارات البيئية بشكل إلزامي في القرارات العسكرية والاستراتيجية، خصوصا في الممرات المائية الدولية، مؤكدا أن حماية البيئة البحرية لا ينبغي أن تبقى مسألة ثانوية في زمن الأزمات، بل يجب أن تصبح جزءا من منظومة الأمن الدولي.
ويخلص إلى أن حماية البحار في مناطق النزاع لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت أيضا قضية قانونية وأخلاقية تتعلق بمستقبل الأمن البيئي العالمي.
المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية: بين التأطير المحلي والصمت الاستراتيجي
في مناطق التوتر مثل مضيق هرمز وشرق المتوسط، تواجه منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية معضلات بنيوية.
أولها التأطير الأمني، ذلك أن المخاوف البيئية غالبا ما تطوى تحت عباءة “الأمن القومي”، حيث تتعامل الدول مع أي حديث عن التأثير البيئي للصراعات باعتباره تهديدا أمنيا أو إفشاء لمعلومات حساسة. ثانيها الانقسام الإقليمي، فالوجود المدني في الخليج أو شرق المتوسط مجزأ . هناك منظمات بيئية تعمل في دولة الإمارات أو عمان أو إيران أو اليونان أو تركيا، لكن التنسيق العابر للحدود شبه معدوم بسبب التوترات السياسية. ثالثها أزمة التمويل. تميل تمويلات المنظمات الدولية إلى مشاريع “الاقتصاد الأزرق” و”الطاقة النظيفة” في المناطق المستقرة نسبيا، بينما تهمش مشاريع مراقبة التلوث الناتج عن الأنشطة العسكرية أو الاستعداد لمواجهة التسربات النفطية الكبرى في مناطق النزاع.
وهكذا تفشل المنظمات غير الحكومية في القيام بدور الوسيط البيئي الذي نجحت فيه في مناطق أخرى كالمحيط المتجمد الشمالي، حيث نجحت شبكات المنظمات في فرض قضايا الحماية رغم التوترات الجيوسياسية.

الإعلام: بين التصعيد والتعتيم
يواجه الإعلام معضلة مزدوجة. فعند وقوع حادثة من قبيل استهداف ناقلة في هرمز، أو اشتباك بحري في المتوسط، يغطي الإعلام الأبعاد الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة، بينما يختفي البعد البيئي تماما أو يذكر في سطر عابر. هذا هو وجه التصعيد الآني.
أما في فترات “لا حرب ولا سلم”، فيسود التعتيم الممنهج. لا توجد تغطية استقصائية لآثار التلوث المزمن الناتج عن الوجود العسكري الكثيف، أو عن مدى تدهور النظم البيئية بسبب التدريبات العسكرية المتكررة، أو عن تأثير ألغام الحروب السابقة التي لا تزال تهدد الممرات المائية.
الخطاب البيئي المتخصص يظل بعيدا عن التأثير في صناعة القرار طالما أن الأطر السائدة التي تفرضها وسائل الإعلام الكبرى هي الأمن والتسليح والتوترات السياسية، وليس المخاطر البيئية المشتركة التي لا تعترف بحدود.
البحث العلمي: غياب البيانات وإشكالية الحياد
في مناطق الصراع البحري، يواجه الباحثون تحديات بنيوية تجعل العلم أسيرا للسياسة. ففي مضيق هرمز، تعتبر الدول معلومات المسوحات البحرية والخرائط البيئية للمضيق معلومات ذات حساسية قومية، مما يعيق إنتاج علم مفتوح يمكن أن يسهم في تقييم المخاطر المشتركة. وفي البحر المتوسط، رغم توفر إطار للتعاون العلمي كاتفاقية برشلونة لحماية البيئة البحرية، فإن التوترات السياسية تعطل التبادل الحر للبيانات، خاصة في مناطق شرق المتوسط المتنازع عليها. و يعاني الباحثون كذلك، من غياب التمويل للدراسات العابرة للحدود. المشاريع البحثية إما وطنية بالكامل أو تخضع لاتفاقات ثنائية متوترة، ونادرا ما تمول دراسات شاملة تقيم التأثير التراكمي للأنشطة العسكرية والتنقيب عن الطاقة والنزاعات على النظم البيئية البحرية.
والأخطر من ذلك، الفجوة الهائلة بين ما يعرفه الباحثون عن هشاشة هذه النظم وبين ما يترجم إلى سياسات حماية أثناء الصراعات. فالقرارات العسكرية تتخذ دون تقييمات بيئية استراتيجية مسبقة، ودون أي إلزام قانوني بمراعاة حساسية المناطق البحرية وقت النزاع.
ذوو القرار السياسي: أزمة الأولويات
في المؤتمرات الدولية، يظهر صناع القرار وهم يوقعون تعهدات طموحة لحماية المحيطات وتحقيق أهداف “30×30” (حماية 30 في المائة من المحيطات بحلول 2030). لكن التحليل النقدي للمشهد في مضيق هرمز وشرق المتوسط يكشف عن ازدواجية معايير صارخة.
فالدول التي ترعى مبادرات المحيطات وتدعم حماية البيئة البحرية، قد تكون هي نفسها التي توفر الغطاء الدبلوماسي أو الأسلحة للأطراف المتصادمة في هذه المضائق الحيوية، أو التي تمارس ضغوطا جيوسياسية تعطل أي جهد لحماية بيئية مشتركة.
عند الضغط على المضيق أو تصعيد التوتر في المتوسط، تصبح الأولويات واضحة: تأمين إمدادات الطاقة، الردع العسكري، التحالفات الإقليمية. وتهمش ملفات: حماية التنوع البيولوجي، مسؤولية التلوث، التأهب للكوارث البيئية، وحقوق المجتمعات الساحلية التي تعتمد على بحر نظيف ومستقر.
كما تظل هناك فجوة قانونية خطيرة: لا توجد آلية دولية ملزمة تفرض على الأطراف المتحاربة حماية النظم البيئية الحساسة في الممرات المائية بشكل استباقي. فاتفاقيات مثل “اتفاقية جنيف” تحمي البيئة في زمن الحرب بشكل عام، لكن التطبيق في مضائق حيوية مثل هرمز أو في بحر مغلق ومزدحم كالبحر المتوسط يظل ضعيفا ويحتاج إلى آليات تنفيذ فعالة.
ما يجمع مضيق هرمز والبحر المتوسط، رغم اختلاف السياقات، هو أن كلاهما يخضع لمنطق واحد. تسييس الفضاء البحري على حساب استدامته. في كلا الحوضين، تتحول الممرات المائية إلى ساحات للصراع، وتصبح البيئة البحرية رهينة حسابات القوة والنفوذ.

التحدي الحقيقي ليس فقط في جمع التعهدات في قمم المحيطات، بل في بناء آليات تجعل حماية البحار “منطقا مقاوما للحرب”، أي قوة ضغط تتجاوز حسابات التصعيد الآني. وهذا يتطلب إجبار الأطراف المتصارعة على إجراء تقييمات بيئية استراتيجية قبل أي عمل عسكري في الممرات المائية الحساسة، وجعل نتائجها ملزمة. و فتح قنوات تمويل للمجتمع المدني العابر للحدود في مناطق التوتر، بدلا من اقتصار النشاط البيئي على الدول المستقرة. ثم تحويل البحث العلمي من أداة تحتكر وطنيا إلى أداة ضغط عبر شبكات علماء المنطقة، تفرض معطياتها على صناع القرار بغض النظر عن الخلافات السياسية. فضلا عن خلق خطاب إعلامي يوازن بين “تغطية التصعيد” و”تغطية التدهور البيئي المزمن”، بحيث يصبح الوعي بالخطر البيئي المشترك جزءا لا يتجزأ من النقاش العام حول الصراعات.
في النهاية، إذا كان البحر لا يعترف بالحدود، فإن أفعالنا لن تكون فعالة ما لم نواجه الحقيقة الجديدة. الحدود السياسية تعاد إنتاجها بالقوة في البحر، ومن يدفع الثمن هو النظام البيئي الذي تعتمد عليه البشرية جمعاء، من الخليج العربي إلى شواطئ المتوسط، ومن مضيق هرمز إلى جبل طارق. فإما أن ندرك أن البيئة البحرية هي الضحية الصامتة للحروب، وإما أن نستمر في مشاهدة الكارثة ونحن نردد شعارات لا تجد طريقها إلى الفعل.























