باريس: محمد التفراوتي
ولد أحمد عبد المحسن في مدينة مكناس، تلك الحاضرة المغربية التي تتنفس عبق التاريخ وتحتضن تقاليد التصوف العريق. نشأ في أسرة محافظة منفتحة على الثقافات المتعددة، متشبثة بالروحانية، وهو حفيد العلامة سيدي الحاج فضول الهواري الصوفي، أحد أعلام التصوف المغاربي الذي كان صوته يصدح في مساجد مكناس وفاس، خصوصا جامع القرويين. من جده استمد سمت الشخصية ومتانة العلم، ومن أبيه ورث طيبة الخلق ورهافة الحس، فكان مزيجا من الروحانية والمعرفة، من الصفاء والصرامة.
بدأت رحلته العلمية بالحصول على إجازة في اللغة الإنجليزية من جامعة مكناس سنة 1988، ثم واصل دراساته العليا في فرنسا حيث أنجز سنة 1990 دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات الإنجليزية بجامعة السوربون الجديدة، متناولا موضوعا مقارنا بين الضمائر الشخصية في العربية والإنجليزية. لم يتوقف عند ذلك، بل ارتحل إلى بريطانيا ليكمل أطروحة دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي بجامعة East Anglia، تحت إشراف الناقدة الشهيرة لورنا سيج (Lorna Sage)، حول موضوع “الموت في كلمات أخرى: الذات الكاتبة في روايات فرجينيا وولف”،(Dying in Other Words : The Writing Subject in Virginia Woolf’s Novels). وهو عمل بحثي عميق يستكشف العلاقة بين الكتابة والوجود.

منذ سنة 2001، ارتبط اسمه بجامعة إيفري باريس-ساكلاي، حيث يشغل منصب أستاذ باحث في اللغة الإنجليزية، وعضو في مختبر البحث SLAM. هناك، أضحى شخصية قيادية أسهمت في تطوير المؤسسة. تولى رئاسة قسم تقنيات التسويق بين 2010 و2017، وأدار لجنة اللغات لأكثر من عقد، كما كان وراء إدماج شهادات دولية مرموقة مثل TOEIC وVoltaire، فاتحا أمام الطلبة آفاقا جديدة في سوق العمل. كما اضطلع بمسؤوليات العلاقات الدولية، رابطا الجامعة بشبكات أكاديمية عالمية، ومؤكدا أن التعليم هو جسر للتبادل الثقافي والانفتاح.
في قاعات التدريس، كان الدكتور أحمد يدمج اللغة الإنجليزية في سياقات عملية من قبيل التسويق الرقمي، إدارة العلاقة مع الزبون، المالية والتأمين، الصحافة، الترجمة، وحتى المحاكاة المهنية عبر لعب الأدوار. لم يكن التعليم عنده مجرد قواعد لغوية، بل تجربة كاملة تربط اللغة بالحياة العملية وتهيئ الطلبة لمواجهة تحديات العالم المهني.
على الصعيد البحثي، ساهم في مؤلفات مرجعية مثل The Cambridge Guide to Women’s Writing in English، حيث كتب عن روايات فرجينيا وولف (The Voyage Out, Mrs Dalloway, The Waves, To the Lighthouse). كما شارك في مؤتمرات حول الـFASP (fiction à substrat professionnel)، رابطا بين الأدب والمهن، بين السرد والاقتصاد، بين الخيال والواقع. ورغم أن بعض مشاريعه البحثية لم تكتمل بسبب مسؤولياته الإدارية، ظل وفيا لشغفه بالبحث، خصوصا في مجال الشهادات اللغوية والابتكار التربوي.

بفضل عطائه، نال سنة 2020 وسام فارس في السعف الأكاديمية، تكريما لمسيرة تجمع بين الأصالة المغربية والحداثة الفرنسية، بين الروحانية الصوفية والصرامة العلمية، بين الانتماء المحلي والانفتاح العالمي.
إنها حكاية رجل بدأ من مكناس، يحمل إرث جده وأبيه، ليصبح اليوم أحد الأصوات البارزة في التعليم العالي الفرنسي، يجمع بين العلم والروح، بين الكلمة والإنجاز، وبين المغرب وفرنسا في رحلة واحدة.








































