آفاق بيئية: محمد التفراوتي
في ظل التحولات العميقة التي يعرفها تدبير الشأن الترابي بالمغرب، وما تفرضه الجهوية المتقدمة من رهانات جديدة على مستوى الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبرز الرقابة على مالية الجماعات الترابية كأحد الأعمدة الأساسية لحماية المال العام وضمان نجاعة السياسات المحلية. إذ لم تعد هذه الرقابة مجرد آلية إجرائية أو تقنية محاسباتية، بل أضحت ممارسة مؤسساتية ذات أبعاد قانونية وتنموية وأخلاقية، تعكس مستوى نضج الدولة في تدبير مواردها العمومية.
وانطلاقا من هذا الوعي المتنامي بأهمية الرقابة المالية، تبرز الندوات العلمية واللقاءات الأكاديمية كفضاءات حيوية لتفكيك الإشكالات المطروحة، ومساءلة التجارب القائمة، واستشراف آفاق الإصلاح الممكنة. وفي هذا السياق، يكتسي النقاش حول مستقبل الرقابة على مالية الجماعات الترابية أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يرافقه من أسئلة متصلة بحدود التدبير الحر، ونجاعة آليات الافتحاص، ودور الرقمنة، ومكانة المواطن داخل المنظومة الرقابية.
وفي سياق هذه الدينامية العلمية، يفتح هذا الحوار نافذة للتفكير الهادئ والعميق في قضايا الرقابة المالية الترابية، من خلال مقاربة تجمع بين التحليل القانوني، والتشخيص الميداني، والاستشراف المؤسساتي، بما يسمح بإعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء رقابة مالية ذكية، عادلة وفعالة، تحصن المال العام دون أن تقيد الفعل التنموي المحلي؟
وفي هذا الإطار، أجري هذا الحوار مع الدكتور عبد الرحيم خالص، أحد منسقي ومنظمي هذه الندوة، وعضو الفريق البيداغوجي لماستر التدبير العمومي الترابي، وذلك في إطار ربط الأعمال النظرية بالأنشطة التطبيقية، كما دأب على ذلك في وحدة “المراقبة المالية للجماعات الترابية ” التي يشرف عليها، بهدف تعميق عدد من الأفكار والإشكالات التي أفرزتها مداخلات الجلسات، واستجلاء رؤيته حول آفاق تطوير الرقابة على مالية الجماعات الترابية بالمغرب.
السؤال 1: إلى أي حد ساهم تطور الإطار القانوني والمؤسساتي للرقابة على مالية الجماعات الترابية بالمغرب في تعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وما أبرز الثغرات التي ما تزال قائمة؟
الجواب– يتناول السؤال محورين أساسيين:
1- حول تعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة
فعلا، لقد ساهم الإطار القانوني (دستور 2011) والتنظيمي (قوانين الجماعات الترابية 111.14، 112.14، 113.14) والمؤسساتي (المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية وغيرها…) في تطوير الرقابة على مالية الجماعات الترابية، ولاسيما بعد الانتقال من عبارات “الوصاية” إلى عبارات “الرقابة”. وفي ذلك، تم التحول إلى ما يسمى برقابة الأداء والافتحاص القضائي. وهو ما يساهم في تطوير الطابع الرقابي، حيث تم تفعيل المبدأ الدستوري الوارد في الفصل 147، والذي جعل من المحاكم المالية جهازا مستقلا، مما رفع عدد الأحكام المتعلقة بالتأديب المالي إلى المئات من القرارات السنوية. بالإضافة إلى التدقيق السنوي الإلزامي الذي تتبناه تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، حيث يتم تدقيق أزيد من 100 جماعة ترابية بشكل دوري؛ وهو ما ساهم، في نظري، في خفض نسبة الأخطاء التدبيرية وبخاصة “الجسيمة” منها بنسبة تصل إلى 30% تقريبا في العقد الأخير (2011-2021). ثم الرقابة المواطنة التي فرضت أحيانا نشر القوائم المالية في إطار مؤشر الشفافية الميزانياتية المحلي للجماعات الترابية على مدى عقد من الزمن الترابي أيضا (2015-2025).
2- حول الثغرات التي لا تزال قائمة في مجال الرقابة على المالية الترابية
وتتعلق أساسا، حسب نظري، بأهم التحديات الميدانية التي لا تزال تقف عائقا أمام تطبيق القانون. فرغم الترسانة القانونية، تظل الفجوات “بنيوية” الطابع أكثر مما هي “نصوصية” الطابع. فمثلا نجد عجزا مستمرا في الموارد البشرية، حيث تعاني تقريبا 60% من الجماعات الصغرى ولاسيما المتواجدة في المجالات القروية من غياب أطر متخصصة (مثل شسيعي المداخيل والمحاسبين)، وهو ما يجعل “المحاسبة” معقدة تقنيا وغير دقيقة ميدانيا ولا حتى منتظمة أو دزرية.
بالإضافة إلى الخلل السابق، نجد ما أسميه شخصيا بـ “التضخم الرقابي”، والذي يتضح أولا من خلال تعدد النصوص القانونية المعنية، وثانيا من ازدواجية الرقابة وتداخلها بين المجالس الجهوية للحسابات والمفتشيات المركزيةـ وبالخصوص ما يرتبط بالاختصاصات التي تربك أدوار الآمرين بالصرف وتعيق سرعة الإنجاز في عمليات الرقابة.
كل هذا، يؤثر في نجاعة عمليات الرقابة أو المتابعة القضائية، ويتضح ذلك من خلال التركيز على الأخطاء الشكلية التي تدخل ضمن العقوبات الإدارية دون الأخطاء في الأداء والمرتبطة أساسا عما تحدثنا عنه في البداية حول رقابة نجاعة الأداء. وبالتالي، نكون أمام فجوة كبيرة بين تبديد أو سوء تدبير المالية الترابية خاصة والعمومية عامة، وضعف تفعيل المتابعات القضائية الجنائية.
السؤال 2: كيف يمكن التوفيق بين توسيع صلاحيات الجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة وبين تشديد آليات الرقابة المالية دون المساس بمبدأ التدبير الحر؟
الجواب: يمكن القول بأن تطبيق آليات الرقابة على المالية الترابية لا يعد بتاتا تضييقا أو حتى مساسا بمبدأ التدبير الحر من خلال مختلف الاختصاصات المنوطة بالجماعات الترابية، سواء الذاتية أو المشتركة أو المنقولة. ولذلك، يمكن القول بأن ضرورة التوفيق بين مبدأ التدبير الحر وصرامة الرقابة المالية يتطلب الانتقال من “رقابة المنع” إلى “رقابة المواكبة”، وذلك عبر المرتكزات الآتية:
1- من خلال مرتكز التحول من المشروعية إلى النجاعة
بخصوص هذا المرتكز، تجدر الإشارة إلى أن التوفيق يكمن في عدم محاسبة الجماعة على المساطر التي تتبعها بخصوص طرق وآليات الصرف بقدر ما يمكن محاسبتها على النتائج المنتظرة من تلك الطرق والآليات. ويتضح ذلك عمليا، من خلال مؤشر تنزيل نجاعة الأداء الميزانياتي، والمتمثل في البرمجة المتعددة السنوات، والتي تقلص من تدخل سلطة الرقابة في التفاصيل التقنية والاهتمام باستقلالية القرار المحلي الذي يهدف إلى تحديد الأولويات التنموية بنسبة 40% تقريبا.
2- من خلال مرتكز الرقابة البعدية عوض القبلية
بخصوص هذا المرتكز أيضا، نثمن استبدال الرقابة القبلية التي تعطل جانبا كبيرا من تفعيل الاختصاصات والصلاحيات، بالرقابة البعدية من طرف المجالس الجهوية للحسابات، حيث لاحظنا بأن تقليص وزارة الداخلية مثلا للتأشيرة القبلية على الميزانيات قد ساهم في تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع التنموية للجماعات الترابية بمتوسط ثلاثة إلى ستة أشهر مقارنة بالسنوات الخمس الماضية (2020-2025).
3- من خلال مرتكز ربط الالتزام بالتحفيز المالي
مرتكز آخر سيحسن من علاقة الرقابة بمبدأ التدبير الحر لشؤون الجماعات الترابية، هو محاولة ربط الالتزام الإجرائي والمسطري بالنتائج الممكن تحقيقها ماليا، من خلال إطلاق مبادرات وخطط تحفيزية تمنح الجماعات الترابية التي تحقق نتائج أداء حسنة دعما ماليا. وفي هذا الإطار، نستحضر برنامج “تحسين أداء الجماعات الترابية” المدعوم من البنك الدولي، والذي استفادت منه أكثر من مئة جماعة ترابية عن طريق منح مالية إضافية أثناء امتثالها لمجموعة من مؤشرات الحكامة والشفافية. وهو ما يثبت التحول من الرقابة التقييدية إلى الرقابة التحفيزية من خلال مبادرات بتشجيعات مالية.
4- من خلال مرتكز الرقابة الذاتية
فهذا المرتكز الأخير، يمثل أهم خطوة في الرقابة المالية حيث يمكن للجماعة الترابية أمام تدبيرها الحر لشؤونها العمل على تطبيقها بشكل ذاتي قبل تدخل أي طرف خارجي. وهو ما يرتبط بتفعيل آليات المراقبة الداخلية كبديل للرقابة الخارجية، حيث أعتبر، شخصيا، مبدأ التدبير الحر بمثابة مبدأ يقتضي بأن تراقب الجماعة نفسها بنفسها. وعليه، فالجماعات التي تفعل مثلا عمليات التدقيق الداخلي، نجدها تسجل تقدما ملحوظا في الأخطاء التي ترتكب. بل، نجدها تحقق انخفاضا في عدد الملاحظات السلبية التي توجهها إليها المجالس الجهوية للحسابات بنسبة 50% تقريبا. وعليه، فالتوفيق بين مبدأ الرقابة ومبدأ التدبير الحر، يقتضي تحويل الرقابة من عمل تقييدي للفعل الترابي المالي إلى عمل استباقي في مراجعة الفعل الترابي المالي من الجماعات الترابية نفسها. وهو ما يسمى بـ “نظام إنذار مبكر” يضمن سلامة القرار المالي المحلي دون تقييد إرادة المنتخب في الأداء المالي الترابي.
السؤال 3: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الرقمنة، وتحديث أدوات الافتحاص المالي، في تحسين نجاعة الرقابة على مالية الجماعات الترابية، خاصة في ما يتعلق بالوقاية من الاختلالات بدل الاقتصار على رصدها بعد وقوعها؟
أضن شخصيا بأن هذا السؤال يحتمل الجواب في نفس الآن. فدور الرقمنة في تحسين نجاعة الرقابة المالية يمكن أن يتحقق، وبشكل كبير، تبعا لمنطق الرقابة الاستباقية التي تحدثت عنها في السؤال السابق، عن طريق الرقابة الوقائية. و”الوقائية” هو الكلمة المفتاح في هذا السؤال الذكي جدا. لذلك، يمكن القول بأن رقمنة الرقابة المالية الترابية تعد “الثورة الهادئة” القادمة، والتي يمكنها أن تنقل الرقابة من منطق “الزجر البعدي” إلى “الاستباق الوقائي”، عبر العناصر الآتية:
1- عبر الرقابة الآنية والرقمية
وهو ما يمثله النظام الحديث للرقابة الرقمية، نموذج منصة GID (وهي النظام الجماعي المندمج للمداخيل والنفقات)، والذي عن طريقه أصبحت الخزينة العامة للمملكة، مثلا، قادرة على رصد أي محاولة لتجاوز الاعتمادات أو تفتيت النفقة “قبل” حدوثها. بل، أكثر من ذلك، يصعب إن لم نقل يمنع برمجيا وآليا “التأشير” في حالة عدم المطابقة ما بين النفقات والمداخيل. وكذلك، يمكن استحضار البوابة الوطنية للصفقات العمومية والتي تستحضر في إطار تقاطع البيانات بينها وبين نظام “جِيد” الرقابة المبنية على التدقيق من خلال البيانات التي قد تمثل بالنسبة للمفتشيات شبهة هيمنة أو تكرار قد يؤدي إلى مخاطر على السير العادي للرقابة وفق القواعد المرسومة لها في النظامين: جِيد والبوابة الوطنية.
2- عبر تبسيط المساطر والإجراءات
هناك العديد من الأنظمة الرقمية والمنصات، كما سبق الإشارة، التي تساهم في تسريع الرقابة وتجويدها من خلال رقمنة إجراءاتها ومساطرها، وهو ما يبسط عمليات المتابعة والرصد بهدف تجنب المخاطر التي قد تهدد السير العادي لميزان النفقات والمداخل أو تهدد السير العادي لعمليات التدقيق والافتحاص الاستباقي أو الموازي قبل البعدي. وتجدر الإشارة إلى أن احترام رقمنة المساطر أدى إلى تبسيطها، حيث ساهمت في تقليص الزمن المرفقي بين الإدارة والمرتفقين، من حيث الكم والكيف، في نفس الآن. فعلى سبيل المثال، يعد الاحتساب الآلي للرسوم – كالرسوم على الأراضي غير المبنية أو على رخص التعمير – والذي يؤدي إلى خفض الاختلالات التي كانت قبل الرقمنة تسجل على مستوى المداخيل إلى الحد من الهدر الضريبي الذي كان يفوت على خزينة الجماعات الترابية تقريبا ربع مواردها الذاتية.
وبالرغم من ذلك، لا تزال الأنظمة كما البرامج الرقمية تعاني من عدة ثغرات في بلادنا. لذلك، ومن منظري الشخصي، أرى بأنها تتطلب وبشكل مستعجل توفير الموارد البشرية المؤهلة تقنيا لتدبيرها من جهة، والموارد المالية الكافية لتطويرها ومراقبتها ضد أي خرق من جهة أخرى. وهذا، لتفادي أي مخاطر أو تحايلات أو خرق رقمي قد يهدد مسارا طويلا ومعقدا من المساطر والإجراءات التي تحمي الرقابة المالية الترابية في إطار القوانين والمؤسسات المؤطرة لها.
السؤال 4: كيف يمكن للطلبة، خاصة في مسارات التدبير العمومي والمالية المحلية، أن يتحولوا من متلقين للمعرفة إلى فاعلين في ترسيخ ثقافة الرقابة على مالية الجماعات الترابية، سواء عبر البحث الأكاديمي أو التكوين الميداني أو الانخراط المواطني؟
هناك ثلاث سبل لتحول الطالب الباحث من متلقي إلى فاعل رقابي، من خلال المسارات الآتية:
1- مسار البحث الأكاديمي التحليلي
في هذا المسار، يتوجب على الطالب الجامعي في سلك الماستر خصوصا والباحث عموما، أن يتبع سبيل النظر إلى المعطيات المتوفرة أو الظواهر الاجتماعية بعين التحليل والسؤال ثم النقد، وليس عليه الركون نهائيا إلى التفسير والشرح والدعم فقط ودائما.
لماذا؟ لأن الأثر الذي يوقعه الشيء أو الفعل على النتيجة الحاصلة أو الأداء الحاصل، يصعب شرحه أو تفسيره أو حتى وصفه فقط، بل يتطلب الأمر لفهمه ومعرفة الأسباب الكامنة وراءه أو الدوافع المؤدية إليه، تحليل ذلك الأثر. فبدلا من تحرير عرض أو كتابة درس حول “اختصاصات المحاكم المالية”، وهو تحرير لن يخرج عن شرح وتفسير النصوص القانونية، يجب على الطلبة والباحثين، على سبيل المثال، إنتاج بحوث حول تأثير تقارير المجلس الأعلى للحسابات، أو المجالس الجهوية، على سلوك الآمرين بالصرف، من خلال اعتماد دراسة حالة كمثال. وهو ما ينقل الدرس النظري إلى العمل الميداني عن طريق أبحاث تطبيقية، تعتمد مجتمع الدراسة وعينتها ثم الآليات الضرورية لاستقراء المعلومة كالاستبيانات أو المقابلات أو المجموعات البؤرية حسب الحالة. وعليه، سنجد، وبشكل تلقائي، بأن البحوث الميدانية هي التي تصنع الفارق المعرفي وتبين الإضافة النوعية في البحوث العلمية. وهذا هو دور الطالب الباحث في سلك الماستر عامة والدكتوراه خاصة، حيث ينتقل بالبحث الأكاديمي من التفسير والشرح إلى محاولة التحليل والنقد فالبناء.
2- مسار البحوث الميدانية والتداريب التطبيقية
وهذا المسار، هو ما أكدت عليه في نهاية البحث الأكاديمي التحليلي، حيث يتوجب على الطلبة التوجه أكثر إلى الدراسات والأبحاث الميدانية والتي تستدعي في بعضها القيام بالملاحظة المباشرة أو غير المباشر للوقائع والأحداث والظواهر الاجتماعية واستقراء المعلومات منها، وفي بعضها الآخر إلى القيام بفترات تدريب عملية، حيث يمكنهم تتبع المساطر والإجراءات ومدى علاقتها بالقرار الذي يتخذ في النهاية، سواء تأثيرا أو تأثرا؛ وبالتالي، إمكانية استخراج واستنتاج القواعد التي تحكم تلك العلاقة.
ومثل ذلك، محاولة الاستفادة أثناء التداريب داخل الجماعات الترابية، في مجال المالية والجبايات المحلية على سبيل المثال، من الممارسات التطبيقية التي تتطلب العمل على تتبع مسار عملية معينة مثل عمليات النفقات، من بداية الالتزام إلى فترة الأداء؛ وهو ما سيمكنه في الأخير من ملاحظة ورصد طبيعة الفوارق الكامنة بين النص القانوني والتطبيق العملي الذي قد يوصله إلى بعض إكراهات الواقع في تنفيذ القوانين أو تتبع بعض المساطير.
وهذه الخطوة، هي ما تسعى إليها التغييرات الأخيرة على مستوى الدفتر البيداغوجي لسلك الماستر، حيث أكد على ضرورة العمل على إنجاز بحوث ميدانية وتطبيقية، من خلال تداريب عملية في المحيط الاجتماعي والإداري والاقتصادي للمؤسسات الجامعية، والمرتبطة بإنجاز رسائل الماستر التي تعد كمشروع نهاية للدراسة بهذا السلك الجامعي.
3- مسار تكريس الوعي المجتمعي عن طريق الرقابة المواطنة
كل طالب باحث في سلك الماستر أو الدكتوراه، وحتى على مستوى الدراسات الأساسية بأسلاك الإجازة، ولاسيما السنة الأخيرة؛ شخصيا، أرى بأنه من واجبهم تكريس الوعي المجتمعي بكل ما تعلموه واكتسبوه من معارف نظرية وعملية، في سبيل لعب دور الوساطة العلمية بين الجامعة والمجتمع، في نشر الثقافة وتكريس الوعي ونقل الخبرات.
وفي مجال ترسيخ ثقافة الرقابة على المالية الترابية، يجب تفعيل دور المواطن المراقب عبر القنوات القانونية المتاحة. وفي هذا الإطار، يمكن استحضار قانون الحق في الحصول على المعلومات (رقم 31.13) والذي يخدم المواطنين ويسهل عليهم مهمة الرقابة المواطنة، من خلال تكريس حقهم في الاطلاع على مختلف الوثائق المسموح بها قانونيا وذات العلاقة بالمالية الترابية، مثل طلب ميزانيات الجماعات أو بعض وثائق الصفقات العمومية، بهدف نشر المعلومات وتحليلها وتبسيطها لفائدة الرأي العام؛ الأمر الذي سيكرس في نفس الآن وعيا مجتمعيا بدور الرقابة المواطنة في الحفاظ على المال العام ورقابة مالية الجماعات الترابية حتى توظف فيما يخدم المصلحة العامة. بل أكثر من ذلك، فإذا استثمر الطالب الباحث قدراته في التحليل كما أشرنا سابقا ولاسيما تحليل الأثر لبعض الأرقام في الميزانيات أو الصفقات أو سندات الطلبات على سبيل المثال، فسيساهم في تحويل النص القانوني والإجراءات والمساطر الإدارية في مجال المالية الترابية مما هو صلب أو جاف وغير مفهوم إلى تحليلات واقعية بمثابة قصص نجاح أو فشل في درجات التنمية المأمولة من المال العمومي الترابي على مستوى النفوذ الترابي لكل جماعية ترابية على حدة. هذا هو الدور المنتظر من الطالب الباحث من قارء للأرقام إلى محلل لها بمنطق الفهم السلس عند المواطن البسيط الذي يمثله وينوب عنه في مثل هذه القضايا المجتمعية ذات البعد المواطني.
السؤال 5: ما هي الكفاءات والمهارات التي ينبغي على الطلبة اكتسابها اليوم ليكونوا غدا فاعلين حقيقيين في إصلاح
يمكن أن أسوق لكم مجموعة من الكفاءات أو المهارات التي لا حصر لها. لكن، في مجال الرقابة على المالية الترابية والتوعية بها مجتمعيا من باب الرقابة المواطنة، فيمكن استحضار مجموعة من النقط التي يتوجب عليهم اكتسابها كنقاط قوة لهم، وهي أربع نقط بالأولوية:
1- الصرامة القانونية والكفاءة المنهجية
والتي أربطها شخصيا بالكفاءة القانونية التحليلية، والتي ترتبط أولا وقبل كل شيء بمعرفة وضبط وإتقان النصوص القانونية ذات العلاقة بالمالية العامة والمالية الترابية أيضا، وهو ما أعني به التراتبية التشريعية بين مقتضيات الفصول الدستورية ومقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية ومقتضيات القوانين التنظيمية للجماعات الترابية وكل القوانين الأخرى التي تتقاطع معها وعلى رأسها قانون قضاء المحاكم المالية ومرسوم الصفقات العمومية.
ودعما لذلك، يتوجب على الطالب الباحث التميز بالكفاءة المنهجية، من خلال ضرورة إتقانه لكل من منهجية تحليل النصوص القانونية ومنهجية التعليق على قرار أو حكم قضائي، فضلا عن منهجية تقديم الاستشارات القانونية في مجال المنازعات القضائية ذات البعد المالي الترابي خاصة.
2- الذكاء المحاسبي والكفاءة التقنية
تجدر الإشارة إلى أن الذكاء المحاسبي أقصد به الذكاء الذي يتوجب على الطالب الباحث التميز به في مجال المحاسبة العمومية، من خلال قراءة الوثائق المحاسبية وما تتطلبه من تقنيات تحليلية وحسابية تتبع معادلات رياضية. ومن ذلك، القدرة على تحليل الوثائق المالية كالقدرة على قراءة ميزانية الجماعة وبيان الحساب الإداري سابقا، وفهم مؤشرات المديونية والقدرة على حساب كل أنواع النفقات في علاقتها بمجموع المداخيل.
أما من ناحية الكفاءة التقنية، فهو ملزم بمعرفة مختلف تقنيات الافتحاص والتحقق من الصدقية وجرد الأصول وكيفية صياغة تقارير التدقيق التي ترتكز على المخاطر الجوهرية، سواء الآنية أو المحتملة.
3- التمكن الرقمي والكفاءات البرمجية
وهو ما سيساعده على فهم دقيق لمختلف أنظمة التدبير المندمج كنظام GID، فضلا عن العديد من البرامج والتطبيقات التي تستثمر في تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية للرقابة على المالية الترابية كالبوابة الوطنية للصفقات العمومية التي أشرنا إليها سابقا. وكل ذلك، اعتمادا على المعرفة التقنية المكتسبة لدى الطلبة الباحثين في استثمار قدراتهم البحثية والتنقيبية باستعمال أدوات الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وتوليد الأفكار واستثمار المعادلات الرياضية، في إطار عمليات مسرعة ودقيقة ثم خالية من الأخطاء الشكلية وحتى النصية أيضا.
4- توظيف المهارات الناعمة ذات العلاقة بالكفاءات الذاتية المحضة
وأقصد بها كل ما يتمتع به الباحث في مجال المالية الترابية من ملكات معرفية ذاتية وموضوعية. وأذكر على سبيل المثال الحس الأخلاقي والاستقامة والأمانة في أداء مهامه البحثية بخصوص عمليات الرقابة في مختلف مراحلها. فالرقابة أمانة قبل أن تكون مهمة عند البعض أو وظيفة عند البعض الآخر. وبالتالي، على الباحث أن ينوء بنفسه عن كل الشبهات التي يمكن أن تنعته بالفاسد أو الطامع أو السارق أو المختلس وغيرها من الصفات غير المحمودة العواقب.
وفي هذا الإطار، يتوجب عليهم، أداء مهامهم الرقابية، وفق ما يتمتعون به من قوة التواصل المبني على الإقناع بالأدلة والبراهين، والمرتبطة بالنصوص القانونية والإجراءات والمساطر الإدارية بعيدا عن أي تمويه أو أي سوء فهم يمكنهم الوقوع فيه بقصد أو من دونه.
وكما قلنا سابقا، فالطالب الباحث المجد والقادر على الوصول إلى غاياته، سيكون من بين الباحثين الذين يعرفون ويفهمون روح القانون وليس ظاهره فقط، فيسعون عن طريق التحليل الموضوعي والبناء الواقعي إلى ربط القانون وقواعده المسطرية بالممارسة العملية والواقعية؛ وبالتالي تفسير الأرقام والقرارات وفق منطق التحليل بالأثر وليس وفق منطق الشرح بالأداء فقط.








































