نهر جليدي اصطناعي لتخزين المياه لمواجهة صيفٍ جافٍ

محمد التفراوتي25 أغسطس 2023آخر تحديث :
©FAO/Evgeniy Pechurin
©FAO/Evgeniy Pechurin

يساعد سكان قرية جبلية في قيرغيزستان على تلبية احتياجاتهم من المياه

آفاق بيئية : الفاو

ترحب السيدة « Manzura Orolbaeva » بالضيوف، حسب العادات والتقاليد التي درج عليها سكان قيرغيزستان، بتقديم الخبز المصنوع منزليًا وصحن من الزبدة المذابة. فالخبز مصنوع باستخدام دقيق الحبوب من مزرعتها أما الزبدة فتأتي من الماشية التي تربيها.

وتشكِّل الزراعة المصدر الرئيسي للدخل والغذاء لعدد كبير من السكان المحليين في قرية كارا دوبو (Kara-Dobo) الجبلية الواقعة في جنوب قيرغيزستان، ولكن بسبب المناخ الجاف ونقص الأراضي الصالحة للزراعة، بات من الصعب زراعة المحاصيل هنا. إذ أضحى الحصول على المياه يطرح تحديًا كبيرًا.

وبالنسبة إلى السيدة” « Manzura »  ، فإن أقرب مصدر لها للحصول على المياه هو منبع جبلي يقع على بعد كيلومترين. وتقطع هذه المرأة البالغة من العمر 63 عامًا وأحباؤها تلك المسافة ذهابًا وإيابًا، ليس مرة واحدة بل عدة مرات في اليوم، من أجل جلب ما يكفي من المياه لتلبية احتياجاتهم واحتياجات حيواناتهم ونباتاتهم في مزرعتهم.

وتوضِّح السيدة «  Manzura » قائلة “يمكن للإنسان العيش بدون غاز؛ وبدون إنترنت، لكن يستحيل عليه العيش بدون ماءٍ”.

وليست قرية كارا دوبو (Kara-Dobo) وحدها التي تعاني من شح المياه، بل هناك أيضًا العديد من القرى الأخرى التي تعاني نفس الأمر في هذه المنطقة التي يقل فيها سقوط الأمطار. ففي الشتاء يكون الجو باردًا ونادرًا ما يشهد تساقطات ثلجية، وفي الصيف يكون الجو حارًا جدًا ونادرًا ما يشهد تساقطات مطرية. وتشكِّل الينابيع الجبلية مصادر المياه الرئيسية، لكنها غالبًا ما تكون في أماكن وعرة يصعب الوصول إليها.

وتعاني قيرغيزستان بشكل حاد، باعتبارها بلدًا مرتفعًا عن سطح البحر، من آثار تغير المناخ. إذ تؤدي تقلّبات درجات الحرارة إلى تقلّب أنماط هطول الأمطار كما أن وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية بشكل أكثر تواترًا يتسبب في القحط والجفاف، لا سيما في المراعي الجبلية.

ولزيادة قدرة المجتمعات على الصمود أمام هذه الظواهر المناخية القصوى، اقترح خبراء من المنظمة إنشاء نهر جليدي اصطناعي في المنطقة كجزء من مشروع “الازدهار المشترك من خلال التعاون في المناطق الحدودية لقيرغيزستان وأوزبكستان.”

ويُنفذ هذا المشروع بالتعاون بين المنظمة وصندوق الأمم المتحدة للسكان بتمويل من صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام، ويهدف إلى تعزيز التعاون البيئي والاجتماعي والاقتصادي عبر الحدود بين أوزبكستان وقيرغيزستان؛ كما يرمي إلى بناء الثقة بين الحكومات والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني. ويستخدم المشروع ممارسات زراعية ذكية مناخيًا للحفاظ على الموارد الطبيعية المشتركة واستدامتها.

وكان الكثيرون يرون فكرة إنشاء نهر جليدي اصطناعي مجرد مزحة، كما تقول السيدة Manzura Orolbaeva، لكن سكان قرية كارا دوبو (Kara-Dobo) أيّدوا المبادرة.

وتشير السيدة  «  Manzura » ، في هذا الصدد، قائلة “إذا لم نسق البساتين، فسيجّف كل شيء. وبالتالي، لن نستطيع تغطية نفقاتنا أو إطعام ماشيتنا”.

وتولى القرويون بأنفسهم أعمال البناء، في حين قدمت المنظمة لهم الدعم الفني والمالي. وانطلق إنشاء النهر الجليدي الاصطناعي بتركيب خط أنابيب تحت الأرض. وفي أسبوع واحد فقط، حفر 55 شخصًا خندقًا باستعمال آلات يدوية ووضعوا فيه أنابيب تبدأ من منبع الجبل إلى المراعي، حيث ترعى مواشيهم. ورُفعت نهاية الأنبوب بمقدار 20 مترًا فوق سطح الأرض.

وأثناء سير الأشغال، أصبح منزل السيدة «  Manzura » شبيهًا “بمقر قيادة” حيث كان القرويون يخططون مسار العمل. وقد قدمت لكل من شارك في حفر الخندق الشاي والحلويات المصنوعة منزليًا.

وفي فصل الشتاء، يتشكّل الجبل الجليدي. حيث تبدأ المياه الخارجة من الأنبوب تتجمّد وتتحوّل ببطء إلى برج جليدي ضخم. ثم في الصيف، يذوب جبل الجليد ببطء، ما يتيح للسكان الحصول بشكل منتظم على المياه العذبة لأغراض الري واستخداماتهم الخاصة.

وخلال فصل الشتاء الأول، وصل ارتفاع الجبل الجليدي إلى أكثر من 70 ألف متر مكعّب من الجليد. وهذه مياه كافية لملء حجم 100 ملعب كرة قدم.

وأعربت السيدة « Manzura » قائلة “لقد أثارت تجربتنا الآن اهتمام سكان القرى الأخرى، الذين لم يصدقونا في البداية.” وأضافت بالقول “قد تُنشأ في العام القادم أنهار جليدية اصطناعية أخرى في منطقتنا. فالمياه هي الحياة”.

وتعتزم السلطات المحلية إنشاء نهر جليدي آخر من مصادر تمويلها الخاصة وإدراج النفقات في خطة الميزانية المحلية.

وتدعم المنظمة في قيرغيزستان عدة مشاريع لمعالجة ندرة المياه ومساعدة القرويين على استخدامها بحكمة. فعلى سبيل المثال، اعتُمد نظام إلكتروني لقياس حجم مياه الري مؤخرًا، بمساعدة فنية ومالية من المنظمة، في مقاطعة كوتشكور (Kochkor) في منطقة نارين (Naryn) في قيرغيزستان. ولم تساعد التكنولوجيات الرقمية من هذا القبيل في التوزيع الرشيد للمياه فحسب، بل قضت أيضًا على النزاعات بين المزارعين حول هذا المورد الحيوي.

المياه هي الحياة؛ المياه هي الغذاء. إنها قوة دافعة للناس والاقتصادات والطبيعة وأساس نظمنا الغذائية. ولكن هذا المورد الثمين محدود. ومع اقتراب يوم الأغذية العالمي، الذي سيُعقد في 16 أكتوبر/تشرين الأول، نغتنم هذه الفرصة لكي نشكر # أبطال_الأغذية الذين يتخذون # إجراءات بشأن المياه لإدارتها بحكمة مع توفير الأغذية لنا حاضرًا ومستقبلًا – من دون ترك أي أحد خلف الركب.

 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!