اخر المقالات: الزعفران : دراسات وأبحاث بيولوجية واﻟﻔﻴﺰﻳﻮﻟﻮﺟﻴة لمكافحة التغيرات المناخية || “النخلة بعيون العالم” تواصل قبول أجمل صور العالم للشجرة المباركة || التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر || الطبيعة الأم ضد تغير المناخ || إحصاءات بيئية تدق ناقوس الخطر || الفيلم  الوثائقي “المملكة المستدامة” || منح شهادة “إيزو 20121” لمؤتمر الأطراف كوب 22 || “مسارات 2050”: مبادرة لتطوير نموذج اقتصادي منخفض الكربون || تجربة واحة ليوا أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بمراكش || محرك مبادرات وتمويلات المساهمات المعتزمة المحددة وطنيا NDCs || إعلان مراكش للعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة || شراكة بين المغرب والولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بالتدبير المستدام  للموارد الغابوية || قمة نساء الرائدات تجمع قياديات من أجل المناخ بمؤتمر COP22 || إطلاق شراكة مراكش من أجل العمل المناخي الشامل || تعزيز تكيف منطقة البحر المتوسط مع تقلبات المناخ || خطاب ملكي بقمة العمل الإفريقية خلال مؤتمر الأطراف COP22 || يخت عملاق لتنظيف المحيطات || مشاريع بيئية نموذجية بمدينة مراكش  || يوم التربية بمؤتمر الأطراف COP22 || الأميرة للا حسناء تفتتح يوم المحيط بمؤتمر الأطراف “كوب 22 “ ||

 2tolba

مصطفى كمال طلبه والبيئة صنوان. فهو من أسّس مفهوم «ديبلوماسية البيئة»، حين حوّل العمل البيئي من شعارات وأمنيات أطلقها مؤتمر استوكهولم حول البيئة الإنسانية عام 1972، إلى معاهدات واتفاقات دولية، منذ عمل مع موريس سترونغ على تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) عام 1973، ليتولى قيادته كمدير تنفيذي حتى عام 1992.

 عالم حصل على الدكتوراه من «إمبيريال كولدج» في جامعة لندن عام 1949، وشغل مناصب أكاديمية وسياسية رفيعة في مصر، منها وزارة الشباب ورئاسة الأكاديمية المصرية للبحث العلمي والتكنولوجيا، قبل التحاقه بـ«يونيب». وهو كان الرئيس الأول لمجلس أمناء المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، وله المساهمة الكبرى في تحديد توجهاته. لولا دعمه وتوجيهه، لما كان ممكناً تأسيس المنتدى. أعتز أنه معلّمي وصديقي الكبير، وأعترف أنني أشعر بالامتنان لأنه كُتب لي أن أعيش في عصر مصطفى كمال طلبه. أطال الله بعمره، وما زال في ذروة العطاء في عامه الحادي والتسعين.

 عكف الدكتور طلبه خلال السنتين الماضيتين على كتابة مذكّراته، التي نُشر جزء منها حول الشق المصري والسياسي في سلسلة «كتاب اليوم» لدار الأخبار المصرية. وهو خص قراء «البيئة والتنمية» بالجزء حول البيئة.

 نجيــب صعــب

****************************

  مصطفى كمال طلبه

  قد يَعجب القارئ الكريم اذا علم أنه لم يدر بخلدي في يوم من الأيام أن أعمل خارج الجامعة في مصر، ولم يخطر ببالي أبداً أنني يمكن أن أعمل في الأمم المتحدة.

كان كل فكري، منذ عودتي بعد حصولي على الدكتوراه من لندن ولقائي الأول مع أستاذي المرحوم الدكتور حسين سعيد وإصراره على أن أبدأ الإشراف مباشرة على باحثين يعملون معي للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، أن أسير في هذا الاتجاه العلمي. وفعلاً عملت طويلاً في الإشراف على الطالبات والطلبة الذين كانوا يدرسون لدرجتي الماجستير والدكتوراه، حتى بعد أن أُعرت إلى جامعة بغداد ثم إلى المجلس الأعلى للعلوم ووزارة التعليم العالي وعُينت وزيراً ثم رئيساً لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا. استمر ذلك طيلة الفترة من 1949 الى 1973، قرابة ربع قرن.

 الرئيس السادات وعملي في الأمم المتحدة

 عُينت رئيساً لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في شهر أيلول (سبتمبر) 1971. في تلك الفترة، كانت كل دولة قد شكلت لجنة قومية للإعداد للمؤتمر الأول للبيئة الإنسانية، الذي كان مقرراً عقده في استوكهولم بالسويد في حزيران (يونيو) 1972. بحكم منصبي كرئيس للأكاديمية، عُينت رئيساً لهذه اللجنة. وبحكم المنصب أيضاً، لأنه لم تكن هناك وزارة بيئة في ذلك الوقت، عُينت رئيساً لوفد مصر إلى المؤتمر. كانت هناك أمور عاجلة مطلوبة في مجال البحث العلمي، فأجلت سفري إلى استوكهولم يومين بعد بدء المؤتمر لأكمل تلك الأمور. عندما وصلت الى استوكهولم، فوجئت بأن المجموعة العربية رشحتني في غيابي نائباً لرئيس المؤتمر عن المجموعة العربية، وانتُخبت. لا أعرف السبب. هل لأني كنت رئيساً لأكبر مؤسسة علمية في المنطقة العربية، أم لأني مصري؟ لا أعلم، ولم أسأل.

حضرت الاجتماع، وطلبوا مني أن أكون المتحدث باسم المجموعة العربية في المفاوضات. وبعدها بفترة قصيرة طلبت الدول الأفريقية أن أكون المتحدث باسم المجموعة الأفريقية أيضاً. تأزمت الأمور في المؤتمر حول إعلان استوكهولم. دار حوله جدل كبير بين الدول النامية والدول الصناعية. لم ينتهوا إلى شيء خلال الجلسات المفتوحة التي كانت تمتد حتى الساعة الثالثة أو الرابعة صباحاً. أمين عام المؤتمر، موريس سترونغ، قام بتشكيل لجنة صغيرة من رؤساء الوفود، نصفهم من الدول النامية ونصفهم الآخر من الدول الصناعية، يجتمعون في مشاورات غير رسميـة لإيجاد حل للقضايا المعلقة. وفعلاً جلسنا يومين كاملين في حجرة مغلقة حتى وصلنا الى حل. لاحظ موريس سترونغ أنني أعددت أكثر من مرة صياغات توفيقية بين فكر الدول النامية وفكر الـدول الصناعية، حتى وصلنا في النهاية الى شكل يقبله الطرفان. انتهى المؤتمر في حزيران (يونيو) 1972، وعدت الى عملي في القاهرة.

 ذهب موريس سترونغ بنتائج المؤتمر ـ إعلان استوكهولم وخطة العمل ـ إلى الجمعية العامة للأمم المتحـدة في تشـرين الأول (أكتوبر) 1972. وكان المؤتمـر قد أوصى بإنشاء منظمة أو كيـان ما في الأمم المتحـدة لمتابعة تنفيـذ توصياتـه. وبالفعل أنشأت الجمعيـة العامـة للأمم المتحـدة برنامج الأمم المتحدة للبيئة (United Nations Environment Programme – UNEP)، وصدر قرارها في كانون الأول (ديسمبر) 1972 بإنشاء البرنامج بالشكل نفسه الذي اقترحه المؤتمر، أي يتكون من مجلس محافظين (Governing Council) من 56 دولة تنتخبها الجمعية العامة، وصندوق تمويل، وسكرتارية يرأسها مدير تنفيذي (يُنتخب بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحـدة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد)، بالإضافة الى مجلس تنسيق مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى يسمى مجلس تنسيق البيئة (Environment Co-ordination Board-ECB) ويرأسه المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وبذلك أصبح المدير التنفيذي للبرنامج هو الوحيد الذي تنتخبه الجمعية العامة للأمم المتحدة، بين كل رؤساء البرامج والهيئات التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة الى أمين عام الأمم المتحدة. كان الأمين العام يرشح المدير التنفيذي بعد مشاورات مع الدول، ولكن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي التي تنتخبه.

 بدأ برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) العمل في أول كانون الثاني (يناير) 1973. في شباط (فبراير) 1973، اتصل بي موريس سترونغ تليفونياً من جنيف وأخبرني أنه انتُخب مديراً للبرنامج الجديد، وأنه يريد أن يزورني في مصر زيارة شخصية وليس زيارة رسمية. جاء فعلاً، وقابلته في الفندق الذي أقام فيه، وأخبرني أنه قابل كورت فالدهايم، أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت، بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بانتخابه مديراً تنفيذياً ليونيب، وذكر له أنه لا يستطيع أن يقود عمل هذا البرنامج الجديد من دون وجود شخص قادر علمياً من الدول النامية كنائب له. كان تبريره لذلك أنه ليس متعلماً سوى الدراسة الابتدائية، وأنه من الدول المتقدمة، وكل الدول النامية ما زالت غير متحمسة لقضية البيئة. ومن هنا جاء تركيزه على أن يكون نائب مدير البرنامج من العلميين ومن دولة نامية، مضيفاً أنه ليس لديه أسماء إلا مصطفى طلبه من مصر لهذا المنصب. وطلب من فالدهايم أن يحصل على موافقة الحكومة المصرية على تعيين مصطفى طلبه كأمين عام مساعد للأمم المتحدة نائباً له، مصراً على أنه بغير ذلك لا يمكن أن يقود البرنامج وليس أمامه إلا أن يستقيل.

 وطلب مني سترونغ أن أقبل العرض عندما يصل من نيويورك. قلت له إنني أرحب بالعمل معه في مجال البيئة، ولكنه يطلب مني شيئاً ليس بيدي، فأنا معين بقرار من رئيس الجمهورية، ولا أستطيع أن أقول نعم أو لا. وإذا جاء عرض فسوف يقدم الى رئيس الجمهورية أولاً ليقرر هو القبول أو الرفض.

 بعدها مباشرة كنت مسافراً الى ليبيا في وفد صغير لنناقش مع المسؤولين الليبيين التعاون في مجالي الإلكترونيات والطاقة الذرية. استمر الاجتماع في طرابلس أربعة أيام. وكنت كلما عدت الى الفندق مساء يقولون لي جاءتك مكالمة تليفونية من وزارة الخارجية في مصر تقول إن هناك أمراً عاجلاً. واستمر هذا حتى عدت الى مصر. عندما نزلت من الطائرة في القاهرة وجدت الأستاذ حسن بلبل، الذي كان وكيلاً لوزارة الخارجية وصديقاً عزيزاً لي، واقفاً عند باب الطائرة. قال: حاولت الاتصال بك أربعة أيام متتالية ولم أنجح. سألته ما هو الأمر العاجل. قال: وصلت برقية من فالدهايم يطلب فيها مصطفى طلبه أميناً عاماً مساعداً للأمم المتحدة نائباً للمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وأضاف أن صديقي الدكتور مراد غالب، وزير الخارجية في ذلك الوقت، خارج البلاد ويقوم بعمله الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإعلام. وعندما اطلع الدكتور حاتم على البرقية رأى ضرورة عرضها على رئيس الوزراء، الدكتور عزيز صدقي ـ رحمة اللـه عليهم جميعاً ـ الذي قرر أن نرد على فالدهايم بأن الحكومة المصرية موافقة.

سألت حسن بلبل هل استأذن رئيس الوزراء الرئيس السادات. فأجاب: لا تسألني، أنا لا أعرف، تصرف أنت.

 كان حافظ اسماعيل ـ رحمه اللـه ـ يعمل مستشاراً للرئيس السادات للأمن القومي، بعد محمد عثمان اسماعيل، وكان صديقاً عزيزاً أيضاً. سألته تليفونياً فور وصولي إلى منزلي إذا كان قد عرف بهذا الطلب. قال: أنا رأيت البرقية التي وردت من فالدهايم، لكن لم أر الرد. فذكرت له ما علمت من حسن بلبل، فطلب أن أمر عليه في مكتبه. عندما قابلته قال إن الرئيس السادات طلب من رئيس الوزراء تقديم استقالته، وقدمها وقُبلت، وطلب منه الرئيس أن يستمر في تسيير العمل. وقال إن الرئيس السادات هو في الاسكندرية، يشكل الوزارة الجديدة برئاسته شخصياً. ثم أردف: لن نستطيع أن نبلغه هذا الأمر لأنه منع الاتصال به تماماً.

 حدثني حافظ اسماعيل تليفونياً مساء اليوم نفسه، وقال إن الرئيس اتصل به وقال إنه سيحضر إلى القاهرة بعد يومين، وسيتحدث إلى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ليعلن استقالة الحكومة وتشكيله هو للحكومة الجديدة، وإنه يود أن يركز في حديثه للجنة المركزية على التعليم العالي والبحث العلمي، وإنه يريد ورقة مني عن البحث العلمي في حدود صفحة أو صفحتين تكون جاهزة في صباح اليوم التالي، وإنه ـ حافظ اسماعيل ـ سوف يرسل لي سائقـاً في الساعة الثامنة صباحاً ليأخذها لنقلها الى الرئيس في الاسكندرية. سألته عما فعل في موضوع الأمم المتحدة. أجاب: قلت للرئيس إن برقية وصلت من فالدهايم تقول كذا وكذا. فرد الرئيس: «بلاش كلام فارغ، مصطفى مش هايمشي، مستمر معاي في الحكومة». ثم قال لي حافظ اسماعيل إنه يعتقد أن الرئيس السادات شكل الحكومة فعلاً وسيعلن التشكيل الذي سوف يضمني في اللجنة المركزية بعد غد.

 ذهبت في اليوم التالي لمقابلة الدكتور محمود فوزي مساعد رئيس الجمهورية ـ وهو أول رئيس للوزراء عملت معه وكان رجلاً فاضلاً عميق التفكير شديد الحكمة ـ وشرحت له ما جرى وما سمعته من حافظ اسماعيل. قال: هذا الموضوع خطير لأنه يضعنا في موقف حرج مع الأمم المتحدة، والرئيس فعلاً حظر مقابلة أي شخص، لكن هذا الموضوع لا بد أن أنقله له قبل أن يعلن القرار الجمهوري بتشكيل الحكومة الجديدة.

 سافر محمود فوزي الى الاسكندرية، وقابل الرئيس، الذي استشاط غضباً لأن رئيس الوزراء وافق من دون استشارته. وشكل السادات مجلس الوزراء برئاسته في شباط (فبراير) 1973، وكان هذا استعداداً للحرب مع إسرائيل. وأصدر في الوقت ذاته قراراً جمهورياً ينص على أن يحضر رئيس أكاديمية البحث العلمي ورئيس المخابرات العامة اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ومجلس الوزراء التي يرأسها رئيس الجمهورية.

 ظل الرئيس السادات يرفض توقيع القرار الجمهوري بإعارتي الى الأمم المتحدة من شهر شباط (فبراير) الى شهر أيار (مايو) 1973. تدخل الدكتور محمود فوزي مرة أخرى بعد أن طالت المدة، فأقنع الرئيس ووقع القرار.

 هكذا يتضح أنها المصادفة فقط هي التي قادتني الى العمل في الأمم المتحدة. فلو لم أترك وزارة الشباب وأعيَّن رئيساً لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا لما عينت رئيساً للجنة القومية لمؤتمر الأمم المتحدة للبيئة، ولما عينت رئيساً لوفد مصر إلى المؤتمر.

 الالتحاق بـ «يونيب»

 سافرت الى جنيف، المقر الموقت ليونيب، في أيار (مايو) 1973، ومنها إلى نيروبي في آب (أغسطس) ثم أيلول (سبتمبر) 1973.

 بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، طلب الرئيس السادات في أوائل 1974 من الدكتور عبدالعزيز حجازي ـ وكان قد أصبح رئيساً للوزراء ـ أن أعود إلى مصر لأشغل منصب وزير التعليم العالي. وعاود هذا الطلب أكثر من مرة. طلب مني الصديق عبدالعزيز حجازي، وكنت أزوره عند مروري بالقاهرة في أواخر عام 1975، أن أستعد للعودة بعد رجوعي إلى نيروبي. توقف هذا الطلب المستمر بعد تشكيل المرحوم ممدوح سالم للوزارة الجديدة خلفاً للدكتور حجازي.

 تسلمت عملي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة ـ كما ذكرت ـ في منتصف أيار (مايو) 1973 في مقره في جنيف. وبقيت إلى آخر آب (أغسطس) 1973، حين انتقل يونيب إلى مقره الدائم نيروبي في أول أيلول (سبتمبر) 1973.

بدأت عملي في الأمم المتحدة ومعي عدد من التجارب:

● العمل العلمي كأستاذ جامعي له مدرسته العلمية وبحوثه الكثيرة المنشورة في المجلات العلمية العالمية.

● العمل التخطيطي كسكرتير عام للمجلس الأعلى للعلوم ورئيس لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا.

● العمل التنفيذي كوكيل لوزارة التعليم العالي ووزير للشباب ورئيس لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (بديل وزارة البحث العلمي).

● العمل الدولي كعضو مناوب في المجلس التنفيذي لليونسكو ورئيس وفد مصر إلى مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة في استوكهولم 1972.

 سبق التحاقي بيونيب تجربتي في المجلس التنفيذي لليونسكو، عندما كان الصدام محتدماً بين مصر وإسرائيل بشأن الكتب في قطاع غزة الذي كانت تديره مصر منذ 1948 ومحاولات إسرائيل الدائمة لتغيير الكتب في القطاع عن الكتب المصرية. كان هذا الخلاف يتم داخل المجلس التنفيذي لليونسكو طيلة الفترة من 1966 الى 1973، أساساً بين العضو المصري المنتخب والعضو الإسرائيلي. ولكن غياب العضو المنتخب (وزير الثقافة أو وزير التعليم العالي) عن عدد من الاجتماعات بسبب مسؤولياته في القاهرة وضعني أنا في المواجهة المباشرة مع المندوب الإسرائيلي. عرفت خلالها التكتلات الإقليمية ومحاولات اجتذاب الأصوات الى جانب أو آخر، وكيفية الافادة القصوى من القواعد الإجرائية للعمل في مجلس من مجالس الأمم المتحدة.

 سبق هذا أيضاً تجربتي العربية حين أَنشأتْ جامعة الدول العربية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليسكو) على نسق اليونسكو العالمية، وكان لها مؤتمر عام ومجلس تنفيذي يضم ممثلاً واحداً عن كل دولة عربية. وكنت أنا ممثلاً لمصر، وانتخبت أول رئيس للمجلس التنفيذي، وشاهدت كل الاختلافات بين مواقف أعضاء المجلس، وحاولت طيلة رئاستي للمجلس إيجاد الحلول الوسط التي يقبلها الجميع. أعتقد أن تجربتي أثناء دراستي في لندن أفادتني في هذا المجال.

 كل هذا حملته معي عندما انتقلت للعمل في الأمم المتحدة. وساعدتني هذه التجارب على المستوى الوطني والإقليمي والدولي في إدارة يونيب.

  اختيار نيروبي مقراً ليونيب

 لم يكن اختيار نيروبي مقراً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أمراً سهلاً. عند إقرار إنشاء البرنامج، عرضت كينيا مشروع قرار يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة من فقرتين، تنص الأولى على أن أي منظمة جديدة تُنشأ في الأمم المتحدة لا بد أن تُنشأ في دولة نامية. فلم يكن هناك أي منظمة من منظمات الأمم المتحدة خارج الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا وسويسرا وفرنسا وإنكلترا، بل كانت كلها في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. وتنص الفقرة الثانية من مشروع القرار على اختيار نيروبي مقراً للمنظمة الجديدة ـ برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

 وافقت كل الدول النامية على الفقرة الأولى، ودار تنافس على مقر البرنامج بين المكسيك والهند وكينيا. فازت نيروبي (كينيا) لأنها الأجمل جواً وطبيعة، وكان عرضها سخياً. قدمت الحكومة الكينية للأمم المتحدة مركزاً في نيروبي يحمل اسم «مركز كينياتا للمؤتمرات»، نسبة إلى جومو كينياتا أول رئيس للجمهورية في كينيا. قدموا للمنظمة الوليدة ستة عشر طابقاً في هذا المركز، من الطابق الحادي عشر حتى السادس والعشرين، يتكفلون هم بدفع نصف إيجارها لمدة خمس سنوات، بالاضافة الى مئة فدان في منطقة غابات جيجيري خارج نيروبي مباشرة.

 كان مكتب مدير البرنامج ومكتبي في الطابق السادس والعشرين من مركز كينياتا. فكنا نطل على جبلين جميلين هما ماونت كينيا وماونت كالمينجارو، بانوراما طبيعية رائعة، وكلاهما كان مغطى كلياً بالثلوج ويخدم سياحة التزحلق على الجليد في الشتاء. هذان الجبلان فقدا معظم الجليد بسبب ارتفاع معدل حرارة العالم، ويستخدم هذا كأحد الأدلة الهامة على تغير المناخ والاحترار العالمي (Global Warming).

 كان موريس سترونغ، مدير البرنامج، رجل أعمال ذكياً إلى أبعد الحدود، على رغم أنه لم يحصل إلا على قدر محدود من التعليم. وهو كرر أكثر من مرة أنه يرى أن برنامج البيئة أصبح برنامجاً علمياً ويصعب عليه الاستمرار في إدارته. أقنع سترونغ الحكومة الكندية، بعد أقل من ثلاث سنوات على إدارته ليونيب، بإنشاء مؤسسة كندية للطاقة. أنشأت كندا المؤسسة، وعين سترونغ رئيساً لها، وترك يونيب في نهاية 1975.

 كانت المدة المقررة للمدير التنفيذي ليونيب، طبقاً لقرار إنشاء البرنامج، أربع سنوات. اتصل بي الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كورت فالدهايم، وقال إنه يريدني أن أكون مديراً للمنظمة بالإنابة خلال السنة الباقية من فترة موريس سترونغ. قلت ليس هناك في قرار إنشاء يونيب ما يسمح بهذا، فقرار الإنشاء ينص على أن مدير المنظمة ينتخب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمدة أربع سنوات، وكون سترونغ بقي ثلاث سنوات فقط يعني، في تقديري، أن تكون السنة الباقية بالانتخاب من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 وافق فالدهايم على هذا الرأي، وأعلنت الأمم المتحدة عن خلو المنصب. قدمت الحكومات أسماء مختلفة للمنصب، ودعا فالدهايم، طبقاً للنظام المتبع في الأمم المتحدة، رؤساء المجموعات الإقليمية لمقابلته: أفريقيا، وأوروبا الغربية، وأوروبا الشرقية (كانت أوروبا مجموعتين في ذلك الوقت)، وآسيا والباسيفيكي، وأميركا الشمالية، وأميركا اللاتينية ودول الكاريبي. قدم لهم الأسماء المرشحة. وقدم اسمي بصفتي نائب مدير المنظمة، لأن مصر لم تتقدم بترشيحي. فوجد أن غالبية الدول تؤيد مصطفى طلبه، وقدم اسمي فقط للجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتخبت بالإجماع للسنة الباقية من فترة موريس سترونغ (1976). في اعتقادي أن الدول كانت ترى أن البرنامج حديث عهد بالإنشاء وأن انتخابي يمثل الاستمرارية.

 في نهاية تلك السنة بدأ عدد من الدول يرشح أسماء لمنصب مدير البرنامج، ولم تتقدم مصر بترشيحي، أعاد فالدهايم أسلوب التشاور نفسه مع الدول على الأسماء، ومعها اسمي باعتباري المدير التنفيذي للبرنامج في ذلك الوقت. انتهى الأمر إلى انتخابي بالإجماع لمدة أربع سنوات (1977ـ 1980). وتكرر الأمر نفسه للفترة 1981 ـ 1984. انتُخب أمين عام جديد للأمم المتحدة هو بيريز دي كويلار، وعاد الترشيح لمدير يونيب ومرة أخرى أعيد انتخابي عام 1985، ثم أعيد انتخابي للمرة الخامسة لمدة أربع سنوات من 1989 حتى 1992.

 أعود الى صـديقـي موريس سترونغ. كان، كما قلت، رجل أعمال ذكياً جداً. بعد سنتين من العمل في نيروبي، اقترح سترونغ على الحكومة الكينية أن تدفع مقدماً قيمة مساهمتها في إيجار المقر الذي نشغله (50 في المئة) عن السنوات الثلاث الباقية، ووافقت الحكومة الكينية على ذلك. عاد سترونغ بعد ذلك الى مجلس المحافظين في يونيب وأخطرهم بأنه حصل على مليون دولار، هو نصيب الحكومة الكينية في الإيجار عن السنوات الثلاث التالية. وطلب موافقة المجلس على قبول هذا المبلغ، وعلى أن يستدين من صندوق المنظمة مليون دولار أخرى ليشيد مبنى خاصاً ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة على الأرض التي قدمتها لنا كينيا، وأن يعيد المليون دولار على أقساط سنوية تعادل قيمة الإيجار بعد الانتقال إلى المبنى الجديد.

 وافق المجلس، وشيّدنا مبنى بسيطاً تسلمناه في نهاية 1975، بعد أن غادر سترونغ نيروبي لتولي منصبه الجديد في كندا مباشرة.

**********************************

 شخصيات في حياتي

 مر بي في حياتي آلاف من البشر من مختلف الجنسيات والمستويات. أعتقد أنه يصعب على أي إنسان أن يذكر كل من قابله، خاصة اذا تعرض مثلي للعمل الدولي لفترة طويلة وزار والتقى علماء ومحامين ومسؤولين في أكثر من ثمانين دولة.

 لكن هناك أسماء تركت موقعاً خاصاً في نفسي، وهناك مواقف مع أشخاص بعينهم لا تمحى من ذاكرتي. وسيتم نشرها بالتوالي شهرياً على حلقات من فترات زمنية متنوعة.

مصطفى كمال طلبه

  

محمد عبد الفتاح القصّاص

التحق محمد القصاص بكلية العلوم بعد التحاقي بها بسنة واحدة. لم نرتبط كثيراً أثناء فترة الدراسة. ولكن بعد تخرجه ـ بعدي بسنة (1944) ـ عين معيداً وتوثقت الصلة بيننا. القصاص من برج البرلس، وكان يأتينا في قسم النبات بالسردين والفسيخ الرائع.kassas

 أُوفدت في بعثة الى إنكلترا، وتبعني بعد سنة في بعثة الى إنكلترا أيضاً. كنت أدرس في لندن، وكان يدرس في كامبريدج. كنا نتزاور باستمرار حتى عدت الى القاهرة وعاد هو بعدي بعام. أصبحنا مدرسين في قسم النبات، ثم أستاذين مساعدين، ثم أستاذين. لم تنقطع صلتي بالقصاص منذ قرابة سبعين عاماً حتى توفي في 21 آذار (مارس) 2012. تزوج السيدة فريدة، وتوثقت صلاتنا العائلية الى أن توفي، واستمرت قوية بعد وفاته مع السيدة حرمه وولده شريف وكريمته عايدة.

 القصاص كان أحد الخبراء العالميين في مجال بيئة الصحراء. كان أحد كبار المستشارين لي في يونيب، ويرجع إليه الفضل في نجاحي بإعداد وعقد مؤتمر الأمم المتحدة للتصحر عام 1977 وتنفيذ برنامجه. كما أنه كان المستشار الرئيسي خلال كل المفاوضات التي جرت للوصول الى اتفاقية الأمم المتحدة لمواجهة التصحر.

 كان أيضاً حجة في اللغة العربية، إضافة إلى أنه يكتب الانكليزية بسهولة العربية وربما أكثر. اختير عضواً في مجمع اللغة العربية، إضافة إلى أنه أحد الأعضاء البارزين في المجمع العلمي المصري، أقدم المؤسسات العلمية في مصر الذي أنشأه نابوليون بونابارت.

 أثناء قيادتي ليونيب، انتخب القصاص رئيساً للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة ((International Union for the Conservation of Nature – IUCN. كانت كل الأفكار في تلك المنظمة تدور حول المحميات الطبيعية وحماية الطبيعة. تحدثنا ـ القصاص وأنا ـ طويلاً عن معنى مصطلح الحفاظ على الطبيعة (Conservation of Nature) واتفقنا على أن المفهوم يلزم أن يصبح الحفاظ على مصادر الثروة الطبيعية باستخدامها استخداماً رشيداً .

 دعا القصاص بجـرأة وبعلم راسخ الى ذلك، وتحركت المنظمة وأصدرت بالاشتراك مع يونيب وصندوق الحياة البرية (WWF) الميثاق العالمي للطبيعة (World Charter of Nature)، ثم الاستراتيجيـة العالميـة لحفـظ الطبيعة (World Conservation Strategy) أعلنها مديرو المنظمات الثلاث في مؤتمر صحافي مشترك وأقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ترك القصاص تلك المنظمة بعد دورتين مدة كل منهما أربع سنوات، هي أقصى ما يمكن أن ينتخب لها رئيس، غيَّر فيها مفاهيم تلك المنظمة التي دامت عقوداً كثيرة تغييراً شاملاً.

أخي المرحوم محمد القصاص كان لا يمر أسبوع من دون أن يسأل عني أو أسأل عنه مرات. صديق عمر اعتززت به وسوف أعتز به طيلة حياتي. كان بالنسبة إلي ما قاله العرب قديماً: رب أخ لك لم تلده أمك. أدعو الـله له بالرحمة وأن يجزيه في آخرته خير الجزاء مقابل ما قدمه لوطنه وللعالم من علم وجهد، وأعاننا جميعاً ـ أسرته وأصدقاءه وزملاءه ـ على تحمل هذا الفقد الكبير.

 نجيب صعب

مهندس معماري لبناني درس أيضاً الصحافة ومارسها. بدأ حياته العملية معي في يونيب في إدارة الإعلام. تحمس لقضايا البيئة بدرجة فاقت كل التصور. ترك يونيب في مرحلة مبكرةsaabb ليمارس العمل الهندسي، لكنه استمر في تأدية مهام استشارية للمنظمة، وأقام في هولندا موطن زوجته. قرر نجيب عام 1996 أن يترك عملاً ناجحاً كمستشار هندسي لكبريات الشركات العالمية، ويترك حياة هادئة في أوروبا، ويعود الى لبنان ليصدر مجلة باسم «البيئة والتنمية» موجهة باللغة العربية الى العالم العربي كله. أشفقت عليه نظراً لتشتت النظرة العربية حول قضايا البيئة وتغاير الاهتمامات بها وتباعد الأفكار حول الأولويات. لكن نجيب غامر وبدأ التجربة، وأصبحت مجلة «البيئة والتنمية»معروفة في كل العالم العربي، وأصبحت موادها مراجع تعود اليها الصحافة العربية والدارسون. وأنا أعتبرها أول وآخر مجلة بيئية إقليمية عربية ذات مستوى رفيع. تعرّض في افتتاحياته لمشكلات البيئة العربية بصدق وأمانة أعجبت الكثيرين، ولكنها أيضاً أغضبت الكثيرين. وكان فكري دائماً في صف نجيب، لأنه لا يجامل بل يقول الحقيقة، ولكن الصراحة لا بد أن تغضب البعض.

 اقترح نجيب، بعد أن استقر أمر المجلة، أن ننشئ «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» كأول منظمة إقليمية غير حكومية في الموضوع. وجاهد وكافح وسافر يميناً ويساراً للحصول على الدعم المالي والمعنوي لإنشاء المنتدى. ونجح. رأست مجلس أمناء المنتدى لسنوات عدة. اتفقنا على أن أهم ما يمكن أن يقوم به المنتدى إعداد تقارير سنوية عن حالة البيئة العربية، تكتب بلغة تخاطب المواطن العادي وتعرّفه بمشاكل البيئة في وطنه العربي الكبير. مرة كل خمس سنوات يكون التقرير شاملاً، ويتناول قضايا محددة في كل سنة بينها. نجح نجيب في تحقيق ذلك. عُرضت ستة تقارير حتى الآن على المؤتمر العام للمنتدى، الذي يعقد في شهر تشرين الأول (أكتوبر) أو تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام ويضم ممثلين عن كل الدول العربية، بينهم الوزراء والأكاديميون والمنظمات غير الحكومية، ويدعى لحضوره الكثيرون من الخبراء الأجانب. وقد استندتُ إلى التقرير الأول المفصل في ما كتبته في الفصل الثاني من مذكراتي عن حالة البيئة في العالم العربي.

 شغف نجيب بالبيئة انتقل إلى أولاده، حيث درس ابنه البكر سياسات الطاقة والبيئة في جامعتي كامبريدج البريطانية وجونز هوبكنز الأميركية. وتعمل كريمته للحصول على الدكتوراه في القانون الدولي في جامعة لندن حول أثر تغيّر المناخ على حقوق الإنسان. سعدتُ بها حين استشارتني حول مخطط بحثها.

 نجيب، مؤسس المجلة العربية الإقليمية الوحيدة عن «البيئة والتنمية» وأمين عام «المنتدى العربي للبيئة والتنمية»، مرة أخرى، المنظمة غير الحكومية الإقليمية العربية الوحيدة في هذا المجال، ما زال دائم الاتصال بي والتشاور معي في ما يقوم به المنتدى. دعائي له باستمرار التوفيق والعطاء.

 وليام براون

كان الدكتور وليام براون أستاذ أمراض النبات في كلية العلوم بالكلية الامبراطورية للعلوم والتكنولوجيا في لندن.بعد أن حصلت على الدكتوراه تحت إشرافه عام 1949، وقبل عودتي إلى الوطن، زرته في مكتبه لأقدم له الشكر وأودعه. أجلسني أمامه وتراجع للخلف على كرسيه أمام المكتب ونظر إلي وقال: لقد أعددتَ رسالة من جزءين، كل منهما ـ باعتراف الممتحن الخارجي ـ يرقى للحصول على درجة الدكتوراه. وقد مر علي عدد من المصريين عملوا تحت إشرافي، كلهم كانوا متميزين، ولكني لم أسمع بعد عودتهم إلى مصر إلا عن واحد منهم فقط في مجال البحث العلمي. يبدو أنكم عندما تعودون إلى مصر تستمتعون بكرسي مريح، تشربون القهوة وتقرأون الجرائد وتنسون العلم.

 ثبت في ذهني هذا الكلام.

كان لإصراره علي أن أزور كامبريدج قبل عودتي إلى الوطن للتعرف على بعض ما يتم في المدرسة الكبرى الأخرى في مجال تخصصي ـ مدرسة الأستاذ بروكس في كامبريدج ـ أكبر الأثر في نفسي. لا تعالٍ ولا مهاترات، وإنما احترام متبادل بين أكبر مدرستين في إنكلترا وربما في العالم كله في ذلك الوقت في هذا المجال. تم هذا رغم أن السائد في ذلك الوقت كان أن جامعات أكسفورد وكامبريدج وإمبيريال لا تدعو إنساناً بلقب «دكتور» من الحاصلين على الدكتوراه من جامعات أخرى. كان الجميع بالنسبة إلى كل منها «السيد» (.Mr) ما عدا خريجيها.

اترك تعليقاً