اخر المقالات: قنص إيكولوجي و مستدام بمنطقة الأطلس الكبير || إنشاء مؤسسة “المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الإفريقية” بالمغرب || إعادة تمويل الصندوق العالمي || دليل متفائل لتغير المناخ ||  دليل للنيازك في افريقيا والعالم العربي || بنايات المستقبل رشيقة وصديقة للبيئة || لا يمكن لمعركة تغير المناخ تجاهل القضايا الاجتماعية || استعراض لأهم أحداث سنة 2018 والإجراءات اللازمة لخلق عالم أكثر شمولاً واستدامة. || البيئة في 2018: كوارث مناخية وحرب على البلاستيك || قمة المناخ نجحت || المنتزه الوطني للحسيمة بالمغرب || أبرز الاكتشافات العلمية لسنة 2018 || الواحات المغربية تراث إنساني يستحق الحماية والتثمين || التأثير الجيني : تجارب بدون موافقة || المغرب يوقع إعلانًا مشتركًا مع 4 دول من الاتحاد الأوروبي || حملات قنص الخنزير البري بسوس ماسة || نموذج أعمال من أجل الاستدامة || للسلامة المناخية، اتصل بالمهندسين || الترابط (Nexus) بين موارد المياه والطاقة والغذاء || حلقات نقاش تشاورية حول الجفاف وأمن المياه وتعريف مناطق الحماية في المغرب ||

آفاق بيئية :  جيفري د. ساش ، غيدو شميدت تروب ، فانيسا فاجانز تيرنر ،   فانيسا فاجانز تيرنر

يويورك ــ لا شك أن الإجراء الأكثر أهمية في مجال الصحة العامة في عام 2019 هو إعادة تمويل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. الواقع أن هذه الأمراض الثلاثة، التي تقتل حاليا نحو 2.5 مليون شخص سنويا، يمكن السيطرة عليها بالكامل بحلول عام 2030، مع انخفاض الوفيات الناجمة عنها إلى ما يقرب من الصِفر. ويُعَد الصندوق العالمي الأداة الأساسية التي يمكن استخدامها لتحقيق النجاح، وهو يحتاج إلى جمع 10 مليارات دولار سنويا لإنجاز مهمته.

يعود الفضل إلى الصندوق العالمي، الذي أنشأه كوفي أنان في عام 2001، في إنقاذ 27 مليون إنسان والسيطرة على الأوبئة الثلاثة إلى الحد الذي بات من الممكن معه إنهاء كل منها فعليا بحلول عام 2030. ورغم استحالة استئصال أي من هذه الأمراض الثلاثة بشكل كامل بحلول ذلك الوقت، فإن كل الوفيات والإصابات الجديدة يمكن وقفها، لأن وسائل التشخيص وسبل الوقاية والعلاج تحسنت بشكل ملحوظ وأصبحت أقل تكلفة بشكل كبير على مدار السنوات الخمس والعشرين الأخيرة.

في حالة الإيدز لم يعد علاج فيروس العوز المناعي البشري قادرا على الإبقاء على الأفراد المصابين به أصحاء فحسب، بل إنه يقلل أيضا من تعداد الفيروس في أجسامهم إلى الحد الذي يصبح معه من غير المحتمل أن تنتقل عدواه إلى آخرين. وبهذا يصبح “العلاج هو الوقاية”: بمعنى أن علاج نسبة عالية بالقدر الكافي من الأفراد المصابين بالفيروس من شأنه أن ينهي إلى حد كبير انتقال الفيروس.

على نحو مماثل، بفضل التقدم في سبل التشخيص (اختبار دم بسيط)، والوقاية (الناموسيات المعالجة بمبيدات حشرية طويلة الأمد بين أدوات أخرى)، والعلاج (العقاقير المركبة القائمة على الأرتيميسنين والمنخفضة التكلفة) أصبح من الممكن إنهاء كل الوفيات الناجمة عن الملاريا تقريبا (والتي انخفضت بالفعل بنحو 60% من الذروة التي بلغتها في أوائل العقد الأول من القرن الحالي). ولهذا السبب كان ارتفاع عدد الإصابات والوفيات في الآونة الأخيرة إشارة مقلقة إلى أن العالم عاد مرة أخرى إلى التقصير في تمويل الكفاح.

في ما يتصل بمرض السل، لا يزال التحدي متمثلا في التشخيص المبكر والعلاج الفعّال، مع إيلاء اهتمام خاص للسل المقاوِم للأدوية المتعددة. انحدر معدل الوفيات بمرض السل بنحو 42% منذ عام 2000. ومع التغطية الكافية للرصد والعلاج يصبح من الممكن أيضا إنهاء الوفيات المتبقية إلى حد كبير.

الواقع أن التكاليف المنخفضة نسبيا والفوائد الهائلة المترتبة على هذه التدخلات تعني أن الدول المرتفعة الدخل وذات الدخل المتوسط الأعلى ينبغي لها أن ترتب أولويات البرامج الصحية والميزانيات الوطنية تبعا لذلك. الحقيقة المذهلة الصادمة في الولايات المتحدة هي أن نحو نصف الأفراد المصابين بفيروس العوز المناعي البشري فقط يتلقون العلاج، بسبب إهمال الحكومة الفيدرالية.

 بيد أن الميزانيات الوطنية في الدول النامية المنخفضة الدخل والعديد من الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى ليست كافية. إذ تشير حسابات صندوق النقد الدولي الأخيرة إلى أن هذه الدول تفتقر إلى الوسائل اللازمة لضمان التغطية الصحية الشاملة وغير ذلك من الخدمات الأساسية الضرورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

كان هذا واحدا من سببين لإنشاء الصندوق العالمي في المقام الأول: تعزيز قدرة الدول الأكثر فقرا على السيطرة على الأوبئة. أما السبب الآخر فهو جلب أفضل العلوم العالمية والإدارة الصارمة في مكافحة الأوبئة الثلاثة. وبفضل نموذج أعماله الفريد، يقوم الصندوق العالمي بتحقيق الغايتين: إنشاء ونشر المعرفة اللازمة لمكافحة الأمراض الثلاثة، ومراقبة تنفيذ المشاريع التي يمولها بكل صرامة.

كانت بداية الصندوق العالمي رائعة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، في ظل دعم قوي من الحزبين في الولايات المتحدة ودعم مماثل من قبل الأحزاب في دول أخرى. وكان الرئيس جورج دبليو بوش أقوى داعم للصندوق العالمي بين قادة العالَم، وكان بِل جيتس أبرز محبي الخير تمويلا له. لكن ميزانية الصندوق العالمي تراجعت في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، ونشأت فجوة بين المطلوب وما يجري تمويله بالفعل.

ولابد من إغلاق هذه الفجوة في أكتوبر/تشرين الأول 2019، عندما يحين موعد إعادة تمويل الصندوق العالمي للفترة 2020-2022 في إطار مؤتمر تستضيفه الحكومة الفرنسية في ليون. في جولة إعادة التمويل السابقة، حدد الصندوق العالمي احتياجاته التمويلية لتغطية السنوات الثلاث بنحو 98 مليار دولار، منها نحو 30 مليار دولار يمكن تلبيتها بواسطة الميزانيات المحلية ومصادر أخرى. ولكن بدلا من سد ثغرة المليارات الثلاثين (نحو عشرة مليارات سنويا)، أعطى المانحون الصندوق العالمي 13 مليار دولار فقط. وكان الافتقار إلى التمويل الكافي يعني استمرار الأمراض الثلاثة في القتل والانتشار دون أي داع.

وهذه المرة، يجب تغطية العجز بالكامل. من المقرر أن يصدر الصندوق العالمي قريبا تقييمه لاحتياجات التمويل، لكن الأرقام من غير المرجح أن تتغير كثيرا: نحو 30 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، أو 10 مليارات دولار سنويا.

الحق أن هذا ثمن صغير للغاية لإنقاذ ملايين الأرواح. ولنتأمل هنا ماذا يعني حقا مبلغ 10 مليارات دولار سنويا. بالنسبة لنحو 1.2 مليار شخص في الدول المرتفعة الدخل، يعني 8 دولارات لكل شخص في السنة. وبالنسبة لوزارة الدفاع الأميركية، يعني نحو خمسة أيام من الإنفاق. وبالنسبة لنحو 2208 ملياردير على مستوى العالَم، يعني نحو 0.1% من صافي ثرواتهم مجتمعة (نحو 9.1 تريليون دولار).

لدينا هنا إذا اقتراح أساسي: ينبغي للصندوق العالمي أن يتعهد ببذل قصارى جهده لجمع 30 مليار دولار على مدار السنوات الثلاث المقبلة. ومن الممكن جمع نصف هذا المبلغ من الحكومات المانحة. وينبغي للولايات المتحدة أن تواصل تقليدها المتمثل في الدعم الثنائي من الحزبين. وينبغي للصين، المستفيدة السابقة من الصندوق العالمي، أن تصبح الآن دولة مانحة. ومن الممكن أن يأتي النصف الآخر من التمويل من أغنى الناس في العالَم، الذين ارتفعت ثرواتهم إلى عنان السماء في السنوات الأخيرة. وقد حدد بِل جيتس المعيار، وفي إطار “تعهد العطاء” الذي أطلقه هو ووارين بافيت، يستطيع المئات من فاحشي الثراء أن يتعهدوا بسهولة بتقديم خمسة مليارات دولار سنويا خلال الفترة من 2020 إلى 2022.

في عالَم منقسم بفِعل الصراعات والجشع، يشكل كفاح الصندوق العالمي ضد الأمراض الوبائية الثلاثة مصلحة ذاتية مستنيرة. وهو يذكرنا أيضا بكم الخير الذي تستطيع البشرية أن تحققه عندما نتعاون لإنقاذ الأرواح.

—————————————————————-

ترجمة: إبراهيم محمد علي /بروجيكت سنديكيت

*جيفري د. ساش ، أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسات والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا ، وهو مدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة. تشمل كتبه “نهاية الفقر ، والثروة المشتركة ، وعصر التنمية المستدامة ، وبناء الاقتصاد الأميركي الجديد ، ومؤخرا” سياسة خارجية جديدة: ما وراء الاستثنائية الأمريكية.

* جويدو شميت تراب المدير التنفيذي لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة (SDSN).

*فانيسا فاجانز-تيرنر هي مديرة حساب التكاليف والتمويل SDG لشبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN).

اترك تعليقاً