اخر المقالات: أطلس عالمي جديد حول استخدام التكنولوجيا المتقدمة لمراقبة نشاط الصيد || من يربح معركة العلم يربح معركة المستقبل || التربية البيئية لتنمية مستدامة في البلدان العربية || التربية البيئية :حقائق وأرقام من تقرير “أفد” || هل نشطاء المناخ الشباب على حق؟ || الإبداع لتعطيل تغير المناخ || تربية الماعز لمقاومة تغير المناخ || نحو اتفاق عالمي للتنوع البيولوجي || قرارات و تدابير مهمة لفائدة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود || تثمين النفايات الزراعية || اتفاقية إطار لمكافحة خطورة الأغشية والعبوات البلاستيكية الزراعية || شبكة تنمية السياحة القروية تجدد العزم من أجل النهوض بالسياحة بالعالم القروي || مؤهلات وآفاق السياحة القروية بجهة سوس ماسة || جعل المحيطات أولوية الاستثمار || الدورة العاشرة للملتقى الدولي للتمور بأرفود 2019 || البلدان النامية تقود العمل المناخي || تحسين الصحة ينقذ الأرواح ــ وكوكب الأرض || إحداث مركز للتعاون الإقليمي حول تغير المناخ في دبي || تقرير يوفر أحدث المعلومات العلمية حول تغير المناخ لواضعي السياسات || افتتاح المهرجان الدولي الثاني للتمور الأردنية بعمّان 2019 ||

آفاق بيئية : زهره مولو *

في التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، وبعد مرور أسبوعين من المفاوضات الشرسة في مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي الذي استضافته مدينة شرم الشيخ في مِصر، وافقت 196 دولة على قواعد صارمة بشأن استخدام ما يسمى “محركات الجينات”. فنظرا للعواقب البعيدة المدى المترتبة على استخدام تكنولوجيا تتسبب في انتشار مجموعة معينة من الجينات بين كل أفرد نوع ما ــ التغير الجوهري أو حتى زوال النوع بالكامل ــ تتجلى الأهمية الشديدة لمثل هذه القواعد. ولكن أهي كافية؟

كانت بعض البلدان لتفضل الوقف الرسمي الكامل لتجارب إطلاق الكائنات الحية باستخدام تكنولوجيا محركات الجينات ــ وهو الرأي الذي تقاسمته العديد من الشعوب الأصلية، والناشطون في مجال السيادة الغذائية، ومنظمات المجتمع المدني الأفريقية. وقد التقى معهم في منتصف الطريق الاتفاق النهائي الذي توصلت إليه الأمم المتحدة، والذي اعترف بالشكوك المتأصلة في استخدام محركات الجينات ــ التي يطلق عليها المعارضون وصف “محركات الإبادة” ــ ودعا الحكومات إلى ممارسة أعظم قدر ممكن من الحذر في إطلاق كائنات معدلة باستخدام محركات الجينات لأغراض البحوث التجريبية.

وفقا للاتفاقية، لا ينبغي إجراء مثل هذه التجارب إلا بعد إجراء “تقييمات سليمة علميا لكل حالة على حِدة”، فضلا عن “اتخاذ تدابير إدارة المخاطر الضرورية لتجنب التأثيرات الضارة المحتملة أو تقليلها إلى أقصى حد ممكن”. علاوة على ذلك، يجب أن تحصل المنظمات التي تسعى إلى إطلاق كائنات معدلة باستخدام محركات الجينات على “الموافقة الحرة والمسبقة والقائمة على الاطلاع على الحقائق كاملة” من قِبَل المجتمعات المتأثرة المحتملة.

في ظل الظروف الحالية، لا يبدو أن أيا من هذا يحدث في الممارسة العملية. ولنتأمل هنا سجل “الهدف الملاريا“، وهي المنظمة الأكبر على مستوى العالَم التي تجري التجارب على محركات الجينات، والتي شارك موظفوها في فرق التفاوض الرسمية من دولتين إفريقيتين على الأقل في مقاومة القيود المفرطة.

من المقرر أن تبدأ قريبا مبادرة “الهدف الملاريا” تنفيذ خطة في غرب ووسط أفريقيا لإطلاق “ذكور عقيمة” معدلة وراثيا (محركات غير جينية) من البعوض في قرية بانا وقرية سوركودينان في بوركينا فاسو، كخطوة أولى نحو إطلاق بعوض معدل بطريقة محركات الجينات في نهاية المطاف. ويتلخص الهدف في الحد من تعداد النوع الذي ينقل الطفيلي المسبب لمرض الملاريا.

ولكن يظل من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت منظمة الهدف الملاريا اكتسبت أي شيء قريب من “الموافقة الحرة المسبقة والقائمة على الاطلاع”. صحيح أن الهدف الملاريا أصدرت مقاطع فيديو لسكان محليين يؤيدون المشروع وقدمتهم للمراسلين. ولكن عندما سافرت بشكل مستقل عن الهدف الملاريا لمقابلة المجتمعات المحلية التي من المحتمل أن تتأثر، سمعت قصة مختلفة تماما، والتي أسردها في فيلم قصير.

في الرحلتين اللتين قمت بهما لمناقشة المشروع مع السكان المحليين في المناطق المتأثرة في بوركينا فاسو ــ برفقة اثنين من النشطاء أولا، ثم بصحبة مترجم ــ ظهر نمط واضح. كان المسؤولون الذين يتمتعون بسلطة سياسية في وسط بانا على علم بمنظمة الهدف الملاريا وقد اتخذوا موقفا معاديا بدرجة مذهلة تجاهنا. وقد واجهت سيليان ماسيه، التي تكتب في صحيف ليببيراسيون الفرنسية مشاكل مماثلة عندما حاولت الوصول إلى “بانا” و”سوركودينان”.

على أطراف القرى ــ التي تظل ضمن نطاق إطلاق البعوض ــ كان الناس يميلون إلى الشعور بقدر أكبر من الارتياح أثناء مقابلتهم. وكانوا أيضا أقل دراية بمشروع الهدف الملاريا ومحركات الجينات في عموم الأمر. وكانت المعلومات عن الأمرين متاحة لهم من مصدر واحد فقط: الهدف الملاريا.

كما بدت القرى المجاورة أيضا غير مطلعة على القدر الكافي من المعلومات. من المفترض أن يجري نشر الكائنات المعدلة باستخدام محركات الجينات إلى أجل غير مسمى، ومن المعروف أن حشرات البعوض، وخاصة الإناث، قادرة على امتطاء تيارات الهواء على ارتفاعات عالية نسبيا (من 40 إلى 290 مترا)، حيث قد تحملها الرياح مئات الأميال. وهذا يعني أن ضرورة تأمين الموافقة على مسافة بعيدة خارج دائرة الإطلاق.

ومع ذلك، في قرية ناسو، بالقرب من بانا، أخبرتنا السلطات بأنها على الرغم من اجتماعها بمنظمة الهدف الملاريا فإنها لا تزال لديها تساؤلات ومخاوف بشأن الآثار الضارة المحتملة المترتبة على إطلاق البعوض. وكذا لم تُستَشَر بالقدر الكافي منظمات المجتمع المدني العاملة في وحول القرى الخاضعة للتجارب بشأن عمل منظمة الهدف الملاريا.

كلما أجريت المزيد من المقابلات، كلما تبين لي بقدر أكبر من الوضوح أن السكان المحليين لم يشاركوا في حوار تشاركي حقيقي بشأن مشروع الهدف الملاريا، ناهيك عن الحصول منهم على الموافقة القائمة على الاطلاع. بل على العكس من ذلك، دعا العديد من الأشخاص الذين قمت بمقابلتهم إلى وقف الإطلاق التجريبي للبعوض المعدل وراثيا إلى أن يتم التحقق بشكل واف من المخاطر والعواقب المترتبة على هذه التجارب، وإطلاع منظمات المجتمع المدني في مختلف أنحاء بوركينا فاسو على الحقائق بشكل كامل.

ينعكس عدم التزام منظمة الهدف الملاريا بالحصول على الموافقة في خطابها الذي يتجنب كلمة “الموافقة”، لكنه يستخدم على نحو منتظم مصطلحات مثل “المشاركة” و”القبول المجتمعي”. وربما يشير هذا الاختيار إلى أن قادة المنظمة قرروا بالفعل المضي قدما في إطلاق البعوض.

وفي تعزيز لهذا الاستنتاج، بعد اتفاقية الأمم المتحدة، حاولت المنظمة رسم تمييز واضح بين مطلب الموافقة الحرة المسبقة والقائمة على الاطلاع في سياق البحوث الطبية على الأفراد (حيث تكون مطلوبة) وبين سياق الصحة العامة. ووفقا للمنظمة: “من غير الممكن من الناحية اللوجستية الحصول على موافقة كل شخص متضرر” بفِعل إطلاق البعوض المعدل وراثيا.

لكن السبب وراء صعوبة الحصول على الموافقة على أساس الاطلاع من كل المتضررين بتجارب محركات الجينات هو ذاته الذي يجعل القيام بذلك أمرا بالغ الأهمية. الحق أنها تكنولوجيا مثيرة للجدال بدرجة هائلة، وتنطوي على تأثيرات إيكولوجية بعيدة المدى وعواقب صحية غير معلومة حتى الآن. ومن الواضح أن تأمين موافقة حفنة فقط من السكان المحليين لا يكفي ببساطة.

ولأن تجارب الهدف الملاريا في بوركينا فاسو تُعَد بين الأولى من نوعها، فمن المؤكد أنها ستخدم كسابقة قوية لتجارب مماثلة في مختلف أنحاء العالَم. وفي ظل مقترحات بإطلاق الكائنات المعدلة باستخدام محركات الجينات في أقاليم يقطنها سكان أصليون في نيوزيلندا، وأستراليا، وهاواي على الأجندة في السنوات المقبلة، فإن الحاجة تشتد إلى إنشاء عتبة واضحة لما يمكن اعتباره موافقة عن اطلاع وكيف يمكن تأمينها.

*زهره مولو :صحافية تحقيق  ومنتجة أفلام وثائقية ، وباحثة

المصدر : بروجيكت سنديكيت

ترجمة: إبراهيم محمد علي        

اترك تعليقاً