عصفور الكناري في منجم فحم الذكاء الاصطناعي

محمد التفراوتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
عصفور الكناري في منجم فحم الذكاء الاصطناعي

آفاق بيئية: كينيث روجو*

كامبريدج—يتسارع سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين بوتيرة مذهلة. ومرة تلو الأخرى، يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة تتقدم السباق، لكن الصين سرعان ما تحلق بها وتسد الفجوة.

في صميم هذه المنافسة، تكمن رؤيتان متباينتان حول الكيفية التي ينبغي بها تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقه. في حين تعتمد الشركات الأميركية إلى حد كبير على التكنولوجيات الـمُسَجَّـلة الـمِلكية لصيانة ميزتها التنافسية، تتبنى الصين على نحو متزايد الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر، وهذا يجعل النماذج المتقدمة متاحة على نطاق واسع للمطورين في مختلف أنحاء العالم.

على الرغم من اختلاف الاستراتيجيات، ينخرط كل من البلدين في سباق تسلح لا يرغب أي منهما في إبطائه. ومع تحول السرعة إلى الأولوية الطاغية، تتراجع السلامة على نحو متزايد إلى المرتبة الثانية، على الرغم من الخطر المرتفع إلى حد مقلق والمتمثل في حدوث فشل كارثي ناجم عن تضافر الخطأ البشري والذكاء الاصطناعي الفائق الذكاء.

أبرز خرق أمني وقع مؤخرا وشمل شركة OpenAI ومنصة Hugging Face خطورة التعامل مع السلامة على أنها مسألة ثانوية. وقع الحادث حينما كان باحثون من شركة OpenAI يعملون على تقييم قدرات الأمن السيبراني لاثنين من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة. ولتحديد نقاط الضعف والثغرات التي قد يستغلها قراصنة محترفون، قرروا تعطيل عدد كبير من تدابير الحماية العادية التي تستخدمها النماذج مؤقتا.

أُجريت التجربة داخل بيئة اختبار معزولة ومضبوطة بإحكام. وبرغم أن حواجز الأمان السلوكية للنماذج أزيلت مؤقتا، كان من المفترض أن تمنع بيئة الاختبار هذه النماذج من الوصول إلى الإنترنت المفتوح، حيث كان بإمكانها ــ نظريا على الأقل ــ إحداث أضرار جسيمة.

بدلا من ذلك، تعاملت النماذج مع البيئة المحمية ذاتها على أنها عقبة. وباستغلال خلل لم يكن معروفا من قبل في برنامج تابع لجهة خارجية، تمكنت النماذج من التحايل على قيودها والوصول إلى الإنترنت المفتوح. ولكن هل “تمردت” النماذج؟ ليس بالضبط. ففي النهاية، كانت النماذج تسعى ببساطة إلى تحقيق الهدف الذي كُلِّـفَت به: حل مشكلة صعبة في مجال الأمن السيبراني بأكبر قدر ممكن من الكفاءة.

برغم أن النماذج كان من المحتمل أن تكمل المهمة من داخل بيئة الاختبار المعزولة، فإنها “استنتجت” أنه من الأسهل كثيرا التسلل إلى منصة Hugging Face ــ التي تستضيف أكثر من مليوني نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر ــ أو على حد تعبير المتحدث باسم شركة OpenAI، “الحصول على حلول الاختبار مباشرة من قاعدة بيانات إنتاج منصة Hugging Face”. بالنسبة لذكاء اصطناعي يتمتع بقدرات قرصنة متقدمة، كان اختراق نظام آخر أمرا في غاية السهولة. الواقع أن الاختراق ظل قائما دون أن يُكتشف لعدة أيام وانتشر على ما يبدو إلى شركة ثانية.

من منظور النماذج، لم يكن هذا “غشا”، فهي لم تنتهك أي قاعدة صريحة برمجها مطوروها ــ بل عملت فقط على إيجاد طريقة أكثر كفاءة لتحقيق هدفها. لعل الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج هو أن أحد النماذج ترك، وفقا للتقارير، ملاحظات تشرح كيف يتسنى لأنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل الإفلات من بيئة الاختبار المحمية التي تستخدمها شركة OpenAI بقدر أكبر من السهولة.

قد يزعم خبراء الذكاء الاصطناعي، عن حق، أن هذه التجربة لم تكن مُـمَـثِّـلة للواقع. فقد أُضعِفَت تدابير حماية النماذج لاختبار المدى الكامل لقدراتها، ولم تتسبب في أي ضرر جسيم. فهي، على سبيل المثال، لم تخترق أنظمة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو البنك المركزي الأوروبي. ومع ذلك، أظهرت هذه الواقعة كيف من الممكن أن يُـضَـخِّـم الذكاء الاصطناعي أخطاء بشرية تبدو بسيطة، مع عواقب قد تكون كارثية.

تُـذَكِّرُنا هذه الحادثة بشكل مخيف بنظرية تسرب فيروس كوفيد-19 من المختبر، التي أثارت جدالا واسع الانتشار (ولم تثبت صحتها بعد)، والتي تزعم أن الفيروس أفلت من مختبر في ووهان بالصين، حيث يُزعم أن باحثين كانوا يجرون على الفيروسات أبحاثا محفوفة بالمخاطر ترتبط “باكتساب الوظائف”. في كلتا الحالتين، كان الجاني الرئيسي الخطأ البشري والغطرسة ــ وليس النية الخبيثة. والتاريخ زاخر بوفرة من القصص التحذيرية المماثلة.

وتتفاقم المشكلة بفِعل انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة المصدر. فبما أن أدوات الذكاء الاصطناعي المتطورة لم تعد محصورة في قِلة من المختبرات الرائدة، فإنها مسألة وقت فقط قبل أن تحاول دول مارقة وجماعات إرهابية استخدامها لتطوير أسلحة بيولوجية، أو سموم جديدة، أو قنابل قذرة. من السذاجة بدرجة خطيرة أن نفترض، كما يفترض عدد كبير من صُـنّاع السياسات الأميركيين فيما يبدو، أن مثل هذه القدرات موجودة فقط في وادي السيليكون.

لكن الخطر الأكثر إلحاحا قد يكون سياسيا، وليس تكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يُـمَكِّن بالفعل قوى خبيثة من إنتاج مقاطع فيديو مزيفة (deepfakes) أكثر إقناعا وحملات للتلاعب بالناخبين على نطاق غير مسبوق. إذا تُركت دون ضابط أو رابط فقد تتسبب هذه الأدوات في مزيد من تآكل ثقة الجمهور، وتؤجج الاستقطاب السياسي، وتسرع من وتيرة الانقسام الاجتماعي.

قد يتسبب تطور الذكاء الاصطناعي السريع على هذا النحو في تمهيد الطريق نحو الاستبداد، حيث تخلق فترات انعدام الاستقرار الاجتماعي غالبا الفرص للحكومات لتوسيع سلطتها بذريعة استعادة النظام، أو مكافحة التفاوت بين الناس، أو حماية الأمن القومي. في عهد الرئيس دونالد ترمب، قد يبدو الأمر أحيانا وكأن الولايات المتحدة تسير في هذا الاتجاه بالفعل. لكن أي إدارة ديمقراطية تأتي في المستقبل قد تثبت كونها على استعداد بذات القدر لاستغلال الذكاء الاصطناعي في ملاحقة أهدافها السياسية.

لا يقلل أي من هذا من وعد الذكاء الاصطناعي غير العادي. فقد تُـحدِث هذه التكنولوجيا ثورة في الطب من خلال تعزيز الأبحاث حول أمراض مثل السرطان ومرض الزهايمر، وتحويل إنتاج الغذاء، والمساعدة في التصدي لتغير المناخ ــ وهذا مجرد غيض من فيض. السؤال، إذن، ليس ما إذا كان ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يتقدم، بل بأي سرعة وبأي ثمن.

هنا تكمن المعضلة المركزية: تتمثل الحجة الرئيسية التي تسوقها شركات التكنولوجيا الأميركية ضد تنظيم الذكاء الاصطناعي في أن القيام بذلك من شأنه أن يجعل أميركا تخسر الأرض لصالح الصين. ولكن إذا تمكنت الصين في نهاية المطاف من تقليد أو سرقة كل اختراق أميركي رئيسي ــ كما فعلت على نحو متكرر ــ فإن السباق الدائم لبناء ذكاء اصطناعي متزايد القوة يصبح وصفة للكارثة. سوف تتطلب السلامة الدائمة في نهاية المطاف درجة ما من التعاون الدولي، تماما كما أصبح الحد من الأسلحة النووية أمرا لا غنى عنه أثناء الحرب الباردة.

في حين يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف عميقة بشأن تشغيل العمالة، وأوجه التفاوت، والتماسك الاجتماعي، فإن لا شيء من ذلك أكثر أهمية من السلامة. إن الحجة التي تسوقها الصناعة بضرورة تجنب التنظيم الفَعّال، لأنه قد يُبطئ الإبداع أو يقوض قدرة الولايات المتحدة التنافسية، تستخف بدرجة خطيرة بالمخاطر المحيطة بنشر أنظمة ذكاء اصطناعي متزايدة التطور قبل أن نعرف كيف نتحكم فيها.

من المؤكد أن الهيئات التنظيمية سترتكب أخطاء، وقد يتبين أن بعض القواعد مُـفرِطة التقييد. لكن هذه الأخطاء يمكن تصحيحها. على النقيض من ذلك، قد لا تكون العواقب المترتبة على التسرع في نشر واحدة من أكثر التكنولوجيات التي ابتكرتها البشرية تأثيرا على الإطلاق، دون ضمانات كافية، قابلة للتصحيح.

يجب أن يخدم اختراق منصة Hugging Face كتحذير صارخ لصُنّاع السياسات في واشنطن وبكين. فلن يكون للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي أهمية تُذكَر إذا ما تسببنا، في هذه العملية، في خلق مخاطر لا يستطيع أي بلد احتواءها.

*كينيث روجوف كبير خبراء الاقتصاد الأسبق لدى صندوق النقد الدولي، هو أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد وحائز على جائزة دويتشه بنك في الاقتصاد المالي لعام 2011. هو المؤلف الـمُـشارِك (مع كارمن راينهارت) لكتاب “هذه المرة مختلفة: ثمانية قرون من الحماقة المالية” (دار نشر جامعة برينستون، 2011) ومؤلف كتاب “دولارنا، مشكلتكم” (دار نشر جامعة ييل، 2025).

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!