آفاق بيئية: محمد التفراوتي
شهدت المرتفعات الجبلية بالمغرب خلال شهر يناير 2026 تساقطات ثلجية مهمة غيرت ملامح القمم والمرتفعات، وحولتها إلى خزانات طبيعية لتجميع المياه. بات المشهد لوحة شتوية جميلة، يحمل أبعادا استراتيجية مرتبطة بالأمن المائي الوطني، في ظل التقلبات المناخية وتوالي سنوات الجفاف.
وقد مكنت صور الأقمار الصناعية والقياسات الميدانية التي حللتها فرق ومركز تطبيقات الاستشعار عن بعد (CRSA) التابع لـجامعة محمد السادس متعددة التخصصات(UM6P) من إعداد خرائط دقيقة لامتداد الغطاء الثلجي فوق السلاسل الجبلية المغربية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 15 ألفا و740 كيلومترا مربعا غطتها الثلوج، مع تفاوت كبير في السماكة حسب الارتفاع والتضاريس، إذ تراوحت بين 40 سنتيمترا في حدود 2500 متر، وتجاوزت 150 سنتيمترا في المناطق التي تفوق 3000 متر.

وعلى المستوى الهيدرولوجي، أتاح الجمع بين المعطيات الفضائية والقياسات الميدانية والنماذج الرقمية للثلوج، المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تقدير حجم المياه المخزنة في شكل ثلوج بحوالي 1478 مليون متر مكعب. وتمثل هذه الكمية احتياطيا طبيعيا مهما من شأنه دعم السدود والأنهار والفرشات المائية مع ذوبان الثلوج تدريجيا خلال فصل الربيع.

وفي تصريح مرتبط بهذه النتائج، أكد البروفسور عبد الغني الشهبوني أن هذه التقديرات تستند إلى أعمال علمية دقيقة أنجزها باحثو مركز الاستشعار عن بعد بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، مبرزا الدور المتنامي لتقنيات الاستشعار الفضائي والنمذجة الرقمية في فهم دينامية الثلوج بالمغرب.
كما أظهرت التحليلات حسب الأحواض المائية وجود تفاوتات واضحة، حيث سجل حوض أم الربيع أكبر مخزون مائي مكافئ للثلوج، في حين جاء حوض سوس ماسة بأحجام أقل. وينبه الباحثون، في المقابل، إلى أن جزء مهما من هذه الكميات قد يفقد في الغلاف الجوي بفعل تبخر جزء من المياه في الهواء، إذ تشير بعض الدراسات إلى إمكانية ضياع ما يصل إلى 40 في المائة من المياه قبل وصولها الفعلي إلى الموارد السطحية والجوفية.
وتسعى الأبحاث الجارية حاليا داخل مركز الاستشعار عن بعد إلى تقدير هذه الخسائر بدقة أكبر، سواء المرتبطة بالتبخر، مع العمل على فهم المسار الحقيقي لمياه ذوبان الثلوج. كما يتعاون الباحثون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل قياس الكميات التي تتسرب فعليا إلى الفرشات المائية، وذلك بالاعتماد على التقنيات النظيرية المتقدمة التي تتيح تتبع رحلة المياه من الغطاء الثلجي إلى الخزانات الجوفية.
وهكذا، فإن هذه الظاهرة الثلجية لا تقتصر على بعدها المناخي العابر، بل تبرز الأهمية الحيوية للجبال المغربية باعتبارها «أبراجا مائية» طبيعية، وتؤكد في الوقت ذاته ضرورة المتابعة العلمية المستمرة لتوقع وفرة المياه وتوجيه سياسات التدبير المستدام في مواجهة التحديات المناخية المقبلة.























