المدينة الذكية أم المدينة العادلة؟ حين تتحول الخوارزميات إلى سؤال أخلاقي

محمد التفراوتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
المدينة الذكية أم المدينة العادلة؟ حين تتحول الخوارزميات إلى سؤال أخلاقي

قراءة تحليلية في أطروحة الباحث عدنان فنون حول حوكمة المدن الذكية

آفاق بيئية: محمد التفراوتي

حين لا تكفي التكنولوجيا وحدها

لم تعد “المدينة الذكية” مفهوما مستقبليا أو ترفا تقنيا، بل أصبحت عنوانا مركزيا في السياسات الحضرية المعاصرة، وواجهة ترفع في المؤتمرات الدولية، وخيارا استراتيجيا تعلق عليه الحكومات آمال تحسين العيش المشترك، وتجويد الخدمات، ومواجهة الأزمات البيئية والاقتصادية المتراكمة. غير أن هذا المفهوم، رغم انتشاره الواسع، ظل محاطا بسوء فهم مزمن، اختزله في الرقمنة، والبنية التحتية التكنولوجية، وكثافة البيانات، متناسيا سؤالا جوهريا: لمن تبنى المدينة الذكية؟ وبأي منطق تدار؟
من هذا المنطلق، تأتي أطروحة الباحث عدنان فنون لتفتح نقاشا نقديا عميقا حول التحول نحو المدن الذكية، ليس بوصفه مسارا تقنيا محضا، بل باعتباره مشروعا مجتمعيا وسياسيا وبيئيا، يتقاطع فيه القرار العمومي، والمشاركة المواطنة، والحوكمة، والاستدامة.

المدينة الذكية: تفكيك وهم النموذج الجاهز

ناقش الباحث عدنان فنون في عمله العلمي إشكالية شيوع النماذج العالمية الجاهزة للمدن الذكية، تلك التي تسوق على أنها وصفات ناجحة وقابلة للتعميم، دون اعتبار للاختلافات العميقة بين السياقات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية.
ويرى الباحث أن كثيرا من التجارب المصنفة “ذكية” عالميا، تعتمد أساسا على مؤشرات تقنية: عدد المستشعرات، حجم البيانات، سرعة الإنترنت، أو مستوى المعالجة الآلية للخدمات، في حين يتم تهميش أسئلة أكثر جوهرية، مثل مدى عدالة توزيع هذه الخدمات، ودرجة إشراك السكان في اتخاذ القرار، و الأثر البيئي الحقيقي للتحول الرقمي، ثم قدرة المدينة على الصمود أمام الأزمات.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث عدنان فنون أن الذكاء الحضري لا يقاس بكثافة التكنولوجيا، بل بمدى ملاءمتها للإنسان والمجال، محذرا من تحويل المدينة الذكية إلى واجهة رقمية تخفي اختلالات اجتماعية ومجالية عميقة.

الحوكمة الذكية: من التدبير إلى الرؤية

وتناول الباحث محور الحوكمة الذكية باعتباره القلب النابض لأي مشروع حضري ناجح. فالمدينة، في نظر الباحث، لا تصبح ذكية بمجرد رقمنة خدماتها، بل حين تعيد بناء علاقتها بالمواطن على أساس الشفافية، والمساءلة، والمشاركة.
واستعرض الباحث فنون محدودية أنماط الحوكمة التقليدية التي تعتمد منطق القرار العمودي، حيث تتخذ السياسات في دوائر مغلقة، ثم تفرض على المجال والسكان، دون إشراك فعلي لهم في التشخيص أو التخطيط أو التقييم.
وفي المقابل، يدافع عن نموذج الحوكمة التشاركية الذكية، التي تقوم على إشراك المواطنين في صياغة السياسات، و استخدام البيانات المفتوحة كأداة ديمقراطية، وكذا اعتماد التقييم المستمر بدل التخطيط الجامد، والانتقال من رد الفعل إلى الاستباق.
ويؤكد الباحث عدنان أن الذكاء الحقيقي للمدينة يكمن في قدرتها على الإصغاء، وتحويل المعطيات الرقمية إلى معرفة اجتماعية، ثم إلى قرار عمومي منصف.

البيانات المفتوحة: من الشفافية إلى الفعل

و أفاد الباحث بأن البيانات المفتوحة تشكل أحد أعمدة المدينة الذكية، لكن بشرط عدم اختزالها في مجرد نشر جداول وأرقام. فالبيانات، في نظره، لا تكتسب قيمتها إلا حين تحول إلى أداة للفهم، والمساءلة، وصناعة القرار.
ويبين أن العديد من التجارب الحضرية فشلت في استثمار البيانات المفتوحة، لأنها تعاملت معها كالتزام شكلي، لا كرافعة للتغيير. في حين أن الاستخدام الذكي للبيانات يمكن أن يكشف اختلالات السياسات العمومية،
و يسهل مشاركة المجتمع المدني، ثم يدعم الابتكار المحلي، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وتناول الباحث فنون توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الدلالي لفهم النصوص القانونية والتشريعية، وتحليل مدى إدماج مفاهيم الاستدامة والبيئة والعدالة المجالية فيها، كاشفا عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

البيئة: الحلقة المنسية في السياسات الحضرية

وأكد الباحث أن البعد البيئي ما يزال الحلقة الأضعف في أغلب مشاريع المدن الذكية، رغم رفع شعار “الاستدامة” في الخطابات الرسمية. فالتحليل الذي قدمه يبرز أن البيئة غالبا ما تدرج في السياسات الحضرية بشكل قطاعي، مجزأ، وتفاعلي، بدل اعتماد رؤية شمولية واستباقية. ويشير إلى أن العديد من التشريعات الحضرية لا تأخذ بعين الاعتبار التغير المناخي بشكل كاف، و تفتقر إلى أدوات قياس الأثر البيئي، وتتعامل مع الأزمات البيئية بمنطق الطوارئ لا بمنطق التخطيط.
وفي هذا السياق، يدعو الباحث إلى إعادة تعريف “المدينة الذكية” باعتبارها مدينة قادرة على التكيف والصمود، لا مجرد مدينة رقمية، معتبرا أن الذكاء البيئي يجب أن يكون في صلب السياسات الحضرية، لا في هوامشها.

المؤشرات المركبة: حين يصبح القياس أداة قرار

واستعرض الباحث نموذجا تحليليا مبتكرا يعتمد على مؤشرات مركبة لقياس أداء المدن الذكية، لا من حيث الكفاءة التقنية فقط، بل من حيث العدالة الاجتماعية،
الاستدامة البيئية، و الصمود الحضري، ومستوى المشاركة المواطنة.
ويشرح الباحث كيف أن الاعتماد على مؤشر واحد أو تصنيف عالمي قد يكون مضللا، داعيا إلى بناء مؤشرات محلية، مرنة، قابلة للتكييف، تعكس خصوصيات كل مدينة. كما يوظف منهجية تحليل التسلسل الهرمي (AHP) لترتيب الأولويات، بما يسمح لصناع القرار بتوجيه الموارد المحدودة نحو المجالات ذات الأثر الأكبر، بدل تشتيتها في مشاريع رمزية أو استعراضية.

التنبؤ بدل رد الفعل: نحو مدينة تستبق الأزمات

من أبرز ما يميز عمل الباحث، تقديمه لنماذج تنبؤية تعتمد أدوات إحصائية (مثل ARIMA)، بهدف مساعدة المدن على استشراف التحولات المستقبلية، سواء تعلق الأمر بالنمو السكاني، أو الضغط على الموارد، أو المخاطر البيئية.
ويؤكد أن المدينة الذكية لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الحاضر، بل بمدى استعدادها للمستقبل، وقدرتها على تقليص كلفة الأزمات قبل وقوعها، بدل الاكتفاء بتدبير نتائجها.

المواطن: من مستهلك للخدمة إلى شريك في القرار

في قلب هذا التصور، يضع الباحث المواطن، لا باعتباره مستفيدا سلبيا من الخدمات، بل شريكا فعليا في صياغة المدينة. ويقترح آليات مبتكرة، من بينها “التلعيب” (Gamification)، لتحفيز المشاركة، وتغيير السلوك الحضري، وتحويل التفاعل اليومي إلى مساهمة جماعية في القرار.
ويرى أن المشاركة لا تتحقق بالشعارات، بل بتصميم ذكي للأنظمة، يجعل من الانخراط المدني تجربة بسيطة، محفزة، وذات أثر ملموس.

أي مدينة نريد؟

قدم الباحث عدنان فنون أطروحة معمقة حول المدن الذكية، لا بوصفها مشروعا تقنيا محضا، بل باعتبارها خيارا مجتمعيا يحمل أبعادا سياسية وأخلاقية واضحة. ومن خلال هذا العمل، يطرح سؤالا جوهريا يتجاوز لغة الخوارزميات والمؤشرات. هل نريد مدينة ذكية تدار بالأنظمة الرقمية وحدها، أم مدينة عادلة تدار بالحكمة، والمعرفة، والمشاركة المواطنة؟
إن هذا العمل يشكل مساهمة نوعية في إعادة التفكير في السياسات الحضرية، خصوصا في سياقات الجنوب، حيث لا يكفي استيراد النماذج، بل يتطلب الأمر بناء حلول محلية، إنسانية، ومستدامة.
فالمدينة الذكية، كما يخلص الباحث، ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء مدينة قابلة للعيش، عادلة، وقادرة على الصمود.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!