آفاق بيئية: محمد التفراوتي
بين ضفتي أبي رقراق ومستنقعات أوكلاند.. رحلة البحث عن الأمل البيئي المفقود
سمك الشابل المغربي، المعروف باسم Alose، وتحديدا Alose feinte أو Grande alose حسب النوع، Alosa alosa، سمكة مهاجرة، و رمز بيئي وثقافي فريد. ينتمي هذا النوع إلى فصيلة الرنكات. وينقسم بشكل أساسي إلى نوعين. الشابل الكبير (Alosa alosa) الذي يتراوح طوله بين 30 و70 سم ويزن ما بين 1 و4 كيلوغرامات، والشابل الصغير (Alosa fallax) وهو الأصغر حجما حيث يتراوح طوله بين 35 و55 سنتمتر ولا يتعدى وزنه كيلوغرامين. وله جسم بحري مستطيل ومفلطح. وهو قادر على العيش في المياه المالحة والعذبة، ويتمتع بذاكرة قوية تمكنه من العودة إلى موقع تربيته الأصلي بعد آلاف الكيلومترات عبر المحيطات والأنهار، متحديا التيارات المعاكسة، ليصل إلى منابع الأنهار لوضع بيضه، وقد يقطع نحو مئات كيلومترات في هذا المسار.
وللشابل بعد اجتماعي وتاريخي عميق في المغرب، إذ تروي الروايات الشفوية أن مصايده كانت تعتبر وقفا، أي أحباسا إسلامية مخصصة للمنفعة العامة، منذ عهد السلطان مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر، خاصة في مدينة سلا قرب الرباط. وكان ناظر الأوقاف مسؤولا عن منح رخص صيد هذا النوع وتنظيم السمسرة العامة لكراء المصايد، مع اشتراط توزيع الصيد الأول على فقراء المدينة والعلماء وأشرافها. وقد تم ترسيخ هذا التقليد رسميا عام 1916 بظهير ملكي يؤكد تحبيس مصايد الشابل بمصب وادي أبي رقراق، ويكلف نظارة الأوقاف بالرباط وسلا بالإشراف على تنظيم السمسرات بما يعود بالنفع على أحباس المسلمين.
ومع ذلك، فإن تراجع الشابل في المغرب مؤشر بيئي مهم، فقد تقلصت أعداده بفعل بناء السدود، وقطع الاستمرارية البيئية للأنهار، وتدهور جودة المياه، والاستغلال المفرط. صنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) “الشابل الكبير” ضمن الأنواع “المعرضة للخطر”، بينما يعتبر “الشابل المصغر” في بعض المناطق “شبه مهدد بالانقراض”. وتعد هذه الأسماك حساسة للغاية للاضطرابات البيئية التي تشكل عوائق غير مرئية أمامها، مثل السدود، وتدهور جودة المياه، وحتى الضوضاء تحت الماء الناتجة عن أعمال البناء التي تؤثر على قدرتها على تحديد الاتجاهات.
ومع ذلك، فإن تراجع الشابل في المغرب مؤشر بيئي مهم، فقد تقلصت أعداده بفعل بناء السدود، وقطع الاستمرارية البيئية للأنهار، وتدهور جودة المياه، والاستغلال المفرط. صنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) “الشابل الكبير” ضمن الأنواع “المعرضة للخطر”، بينما يعتبر “الشابل المصغر” في بعض المناطق “شبه مهدد بالانقراض”. وتعد هذه الأسماك حساسة للغاية للاضطرابات البيئية التي تشكل عوائق غير مرئية أمامها، مثل السدود، وتدهور جودة المياه، وحتى الضوضاء تحت الماء الناتجة عن أعمال البناء التي تؤثر على قدرتها على تحديد الاتجاهات.
ولا يمكن فصل محنة سمك الشابل عن الواقع المناخي الراهن الذي يلقي بظلاله القاتمة على المملكة المغربية. فإلى جانب الحواجز الهيكلية كالسدود، بات الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف يمثلان تهديدا وجوديا لهذا النوع المهاجر. إن تراجع صبيب الأنهار وانخفاض منسوب المياه في المصبات لا يؤدي فقط إلى تدهور الجودة الكيميائية للمياه وزيادة ملوحتها، بل يكسر ‘الشفرة البيئية’ التي يستدل بها الشابل للعودة إلى منابعه. فبدون تدفقات مائية كافية تضمن الاستمرارية الهيدرولوجية، تجد هذه الأسماك نفسها محاصرة أمام حواجز طبيعية ومصطنعة، مما يجعل من استعادة “دورة الحياة” لهذا الرمز البيئي رهينا بسياسات مائية مرنة توازن بين احتياجات الإنسان وحق النظم البيئية في حصتها الحيوية من المياه.

لكن تراجع الأنواع لا يعني بالضرورة اختفائها النهائي. فالأخبار العلمية الحديثة بشأن إعادة اكتشاف سمكة الطين السوداء، (Neochanna diversus)، في الأراضي الرطبة بنيوزيلندا في نوفمبر 2025، تقدم نموذجا حيا على قدرة الطبيعة على الصمود. هذه السمكة، التي لم ير وجودها منذ عام 2014، اكتشفت في مستنقعين على الساحل الغربي لأوكلاند، ما أثار فرق البحث لإجراء مسح أوسع أدى إلى العثور على تجمع جديد كليا خلال شهرين فقط من الاكتشاف الأول.
سمكة الطين السوداء تعتبر من أكثر أنواع الأسماك العذبة غرابة ومرونة في نيوزيلندا. على الرغم من شكلها الخارجي البسيط والمتواضع، فإن جسمها الأسطواني وزعانفها المدببة الملتفة حول الذيل مهيأة تماما للتوغل في طين المستنقعات بين النباتات، خاصة عندما تنخفض مياه السطح في الصيف. في تلك الفترات، تستطيع السمكة التنفس عبر جلدها، وخفض معدل الأيض، وتحمل فترات طويلة بدون ماء حتى تعود الأمطار، ما يمنحها ميزة فريدة على المنافسين المحتملين. وقد لوحظ وجود صغارها في كلا المستنقعين، ما يشير إلى استمرار التكاثر رغم حجم التعداد الصغير مقارنة بمساحة الموائل.
إن هذه الاكتشافات، ضمن برنامج حماية سمكة الطين السوداء الذي بدأ عام 2014، توفر أملا جديدا ومسارا واضحا لإعادة التأهيل البيئي، من خلال التعاون مع ملاك الأراضي للسيطرة على النباتات الدخيلة والمفترسات، واستعادة الحواجز الطبيعية للمستنقعات، وإعادة تهيئة الهيدرولوجيا عند الضرورة. إنها تذكرنا بأن حتى أصغر وأخف الأسماك يمكن أن تحمل قصصا عظيمة، وأن الزوايا الهادئة في المستنقعات قد تخفي مفاجآت استثنائية.
من هذا المنظور، توفر تجربة الطين السوداء مثالا ملهما للمغرب، مشيرا إلى أن إعادة الحياة للأنواع المهددة مثل الشابل ممكنة إذا ما وجدت الإرادة العلمية والمؤسساتية، وأن الاستثمار في استعادة الموائل الدقيقة وحماية التنوع البيولوجي بات ضرورة لاستدامة النظم البيئية وحياة الأجيال القادمة.
سمكة الطين السوداء تعتبر من أكثر أنواع الأسماك العذبة غرابة ومرونة في نيوزيلندا. على الرغم من شكلها الخارجي البسيط والمتواضع، فإن جسمها الأسطواني وزعانفها المدببة الملتفة حول الذيل مهيأة تماما للتوغل في طين المستنقعات بين النباتات، خاصة عندما تنخفض مياه السطح في الصيف. في تلك الفترات، تستطيع السمكة التنفس عبر جلدها، وخفض معدل الأيض، وتحمل فترات طويلة بدون ماء حتى تعود الأمطار، ما يمنحها ميزة فريدة على المنافسين المحتملين. وقد لوحظ وجود صغارها في كلا المستنقعين، ما يشير إلى استمرار التكاثر رغم حجم التعداد الصغير مقارنة بمساحة الموائل.
إن هذه الاكتشافات، ضمن برنامج حماية سمكة الطين السوداء الذي بدأ عام 2014، توفر أملا جديدا ومسارا واضحا لإعادة التأهيل البيئي، من خلال التعاون مع ملاك الأراضي للسيطرة على النباتات الدخيلة والمفترسات، واستعادة الحواجز الطبيعية للمستنقعات، وإعادة تهيئة الهيدرولوجيا عند الضرورة. إنها تذكرنا بأن حتى أصغر وأخف الأسماك يمكن أن تحمل قصصا عظيمة، وأن الزوايا الهادئة في المستنقعات قد تخفي مفاجآت استثنائية.
من هذا المنظور، توفر تجربة الطين السوداء مثالا ملهما للمغرب، مشيرا إلى أن إعادة الحياة للأنواع المهددة مثل الشابل ممكنة إذا ما وجدت الإرادة العلمية والمؤسساتية، وأن الاستثمار في استعادة الموائل الدقيقة وحماية التنوع البيولوجي بات ضرورة لاستدامة النظم البيئية وحياة الأجيال القادمة.
إن هذا المثال الدولي يوضح أن الجمع بين الرصد العلمي الدقيق، واستعادة المواطن الطبيعية، والعمل المؤسساتي المنسق يمكن أن يفتح آفاقا حقيقية لاستعادة أنواع على حافة الانقراض. ومن هذا المنظور، تظل حالة الشابل في المغرب دعوة لإطلاق برنامج بحثي وطني يشمل الدراسات الوراثية، والمسوح الإيكولوجية، وتقييم فعالية ممرات الأسماك، وإعادة النظر في تدفقات الأنهار لضمان الحد الأدنى من الاستمرارية البيئية اللازمة للهجرة والتكاثر.
ويتعزز في هذا السياق دور الجامعات ومراكز البحث في شراكة وثيقة مع الجهة الوصية ممثلة في وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ومع الوكالة الوطنية للمياه والغابات، لصياغة رؤية استراتيجية لإعادة الحياة إلى الأنواع السمكية المهاجرة ضمن منظومة متكاملة لحكامة الأحواض المائية. فالأمل في استعادة الشابل، الذي يعد حلم يرواد المغاربة، يمكن أن يتحقق عندما تتوفر الإرادة العلمية والمؤسساتية، كما تؤكد تجربة سمكة الطين السوداء في نيوزيلندا، حيث عادت الأنواع التي اختفت عن الأنظار بمجرد إعادة الاعتبار لمواطنها الطبيعية.






















