عرض علمي للبروفيسور مايكل جاكوبسون في أكادير ينظمه المركز الدولي لأركان
آفاق بيئية: محمد التفراوتي
نظم المركز الدولي لأركان، التابع للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان (ANDZOA)، لقاء علميا يوم الخميس 29 يناير 2026، قدم خلاله الدكتور مايكل جاكوبسون (Michael Jacobson, Ph.D) محاضرة علمية تناولت قضايا الزراعة الغابوية في المناطق الجافة، من حيث المفاهيم والممارسات والآفاق المستقبلية.
وقد خصص جزء مهم من هذا اللقاء لمنظومة أركان الفلاحي باعتبارها نموذجا بيئيا واجتماعيا متعدد الوظائف، كما استعرض المتدخل تجارب دولية ناجحة في هذا المجال. وشهد اللقاء نقاشا حول سبل اعتماد وتكييف الزراعة الحرجية على الصعيد المحلي.
و في اطار النقاشات العلمية المتزايدة حول سبل تعزيز صمود النظم البيئية في المناطق الجافة وشبه الجافة، قدم البروفيسور مايكل جاكوبسون، أستاذ الموارد الغابوية بجامعة بنسلفانيا، عرضا علميا معمقا بالمركز الدولي لاركان بأكادير، خصص لموضوع الزراعة الغابوية في المجالات القاحلة: المفاهيم، الممارسات، والافاق داخل منظومة أركان.
لماذا الزراعة الغابوية في المناطق الجافة؟
استهل مايكل عرضه بتفسير تركيزه على نظم الزراعة الغابوية التقليدية في المجالات الجافة، مؤكدا ان العالم يتجه نحو مناخ اكثر حرارة وجفافا، وان هذه المناطق، التي تمثل نحو 42 في المائة من مساحة اليابسة عالميا، تؤوي اكثر من مليار نسمة، لكنها لا تحظى بالاهتمام البحثي والسياساتي الكافي. وأوضح أن الاراضي شبه الجافة، رغم هشاشتها، تختزن إمكانات كبيرة لتحسين سبل العيش، شريطة اعتماد مقاربات مندمجة تراعي العلاقة بين الشجرة، التربة، والمحاصيل، بدل الاقتصار على منطق الانتاج الاحادي.
الزراعة الغابوية: علم حديث بجذور تقليدية
و أفاد البروفيسور جاكوبسون ان الزراعة الغابوية، كمفهوم علمي، لم تتبلور الا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، نتيجة القطيعة التاريخية بين قطاعي الفلاحة والغابات. و أكد ان الفلاحين ظلوا، عبر قرون، يمارسون الزراعة الغابوية دون أن يعترف بهم كمدبرين للموارد الطبيعية، بل غالبا ما صوروا كتهديد للغابة.
وأضاف ان تطور هذا الحقل العلمي مر من التركيز على القطعة الفلاحية والتفاعلات البيولوجية الدقيقة، الى مقاربة مجالية شمولية تعنى بالامن الغذائي، التنوع البيولوجي، تخزين الكربون، وتنظيم المياه.
مفارقة التعدد الوظيفي
و اشار المتدخل الى ما سماه مفارقة التعدد الوظيفي للزراعة الغابوية، موضحا أن قدرتها على انتاج الغذاء والعلف والحطب وحماية التربة وتعزيز الصمود المناخي، تجعلها صعبة القياس وفق المؤشرات التقليدية التي تهيمن عليها مردودية المحصول أو الدخل او الكربون فقط. واكد ان ما لا يقاس غالبا لا يمول ولا يدعم، وهو ما يفسر تهميش هذه النظم رغم فعاليتها البيئية والاجتماعية.
أركان: من الحكامة المحلية الى منطق السوق
خصص مايكل جزءا محوريا من عرضه لمنظومة أركان، مستعرضا تطورها التاريخي عبر ثلاث مراحل كبرى:
المرحلة ما قبل الاستعمار، حيث شكلت شجرة أركان عنصرا مقدسا ومركزيا في حياة المجتمعات الامازيغية، ضمن نظام زراعي رعوي متكامل، تنظمه اعراف محلية تضبط الرعي وجني الثمار وقطع الخشب. وأكد أن الفلاحين كانوا في هذا السياق مهندسي المصداقية يوازنون بين المخاطر المناخية ومتطلبات العيش.
و المرحلة الاستعمارية، إذ جرى تصوير أركان كنظام متدهور، واعتبر الرعي سببا للتصحر، مما أدى الى إضعاف المؤسسات العرفية، وفرض منطق الغابة الاحادية والسلطة المركزية، مع نتائج سلبية على التربة وسبل العيش.
أما المرحلة الحديثة فقد أعيد تسويق أركان كذهب ادأخضر، خاصة مع تصنيف المجال كمحمية للمحيط الحيوي من طرف اليونسكو، وارتفاع الطلب الصناعي على زيت أركان، وهو ما خلق فرصا اقتصادية، لكنه في المقابل زاد من ضغوط التسليع والتكثيف.

تحديات راهنة: المناخ والهجرة
وأوضح مايكل ان منظومة أركان تواجه اليوم حلقة مفرغة تجمع بين الجفاف، تراجع الانتاجية، الهجرة القروية، وتآكل المعارف المحلية. وأكد أن فقدان السكان النشطين يضعف صيانة المدرجات والانظمة الزراعية التقليدية، ويجعل المجال اكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية. وأضاف، مستشهدا بدراسات ميدانية، ان التحويلات المالية للمهاجرين نادرا ما تستثمر في الابتكار الزراعي أو ترميم النظم البيئية.
الكربون ليس كل شيء
و توقف المتدخل عند مسالة تخزين الكربون في حقول أركان الحديثة، معتبرا ان التركيز الحصري على هذه الوظيفة، خاصة في المراحل الاولى من الغرس، لا يعكس القيمة الحقيقية للنظام، ولا يجب ان يستخدم كمبرر لاقصاء باقي الوظائف الغذائية والاجتماعية.
نحو حكامة جديدة لاركان
في خلاصته، شدد مايكل جاكوبسون على أن مستقبل الزراعة الغابوية، ومنظومة أركان خصوصا، رهين بالسياسات والحكامة.
وأكد أن النجاح لا يكمن في فرض حزم تقنية جاهزة، بل في دعم الابتكار الذي يقوده الفلاحون، والاعتراف بهم كمدبرين موثوقين للمخاطر، قادرين على التوفيق بين الانتاج، الصمود، والعدالة المجالية.
وأضاف أن دور العلم يجب ان يتركز على توضيح التوفيق بين الخيارات، ومواكبة التعلم الجماعي، وبناء جسور بين المعرفة المحلية وصنع القرار، مع أولوية الصمود طويل الامد بدل المكاسب السريعة.
يشار ان هذا اللقاء يؤكد على أهمية إعادة التفكير في أنظمة الزراعة الغابوية كخيار استراتيجي لمستقبل المناطق الجافة.

وبالمناسبة تم إجراء حوار سريع على هامش اللقاء لاستجلاء بعض الافكار وذلك وفق التالي :
السؤال الاول:
فيما يتعلق بتطور علم الزراعة الغابوية، وصفتم انتقاله من التركيز على مستوى قطعة الأرض، أي تفاعلات الاشجار والمحاصيل والتربة، الى التفكير على مستوى المشهد الطبيعي وسبل العيش بما يشمل التنوع البيولوجي والكربون والتوفيق بين الخيارات. وبالنظر الى أن المستقبل لا يزال معوقا مؤسسيا، ما هو برأيكم التغيير السياسي او المؤسسي الاكثر أهمية لتمكين هذا النهج متعدد الوظائف بشكل كامل؟
الجواب:
التحدي الرئيسي يظل مؤسسيا. المطلوب هو إدماج الزراعة الغابوية رسميا في الاطر القانونية والاعتراف بها بوضوح داخل كل من السياسات الزراعية والغابوية. وهذا يقتضي أيضا كسر الحواجز بين الوزارات المعنية. بالاضافة الى ذلك، من الضروري تعزيز الحوكمة المحلية ومنح المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني دورا أكبر في اتخاذ القرار بشأن إدارة الاراضي، لأن فعالية هذا النهج ترتبط بقدرة الفاعلين المحليين على تحديد ما هو الانسب لبيئاتهم.
السؤال الثاني
حول تحديات التبني، أكدتم أن التبني هو عملية تعلم وإعادة توظيف وليس نجاحا مطلقا، وأن عدم التبني قد يكون خيارا عقلانيا. استنادا الى دراسة حالة زامبيا، ما الذي ينبغي ان تفعله برامج البحث والارشاد في الزراعة الغابوية بشكل مختلف؟
الجواب:
المشكلة الاساسية ان الابتكارات غالبا ما تقدم من الاعلى الى الاسفل في شكل حزم تقنية جاهزة، على أساس أن الخبراء يعرفون ما هو الافضل. غير ان المزارعين يفهمون أراضيهم أكثر من أي خبير خارجي. في زامبيا مثلا لم تكن خصوبة التربة هي الاولى في اهتمامات المزارعين، بل الفوائد الاخرى للاشجار مثل الدخل والثمار والحطب. وهذا يبرز ضرورة فهم اولويات المزارعين الحقيقية. المطلوب هو أنظمة إرشاد أقوى تربط البحث العلمي بالمزارعين بشكل مباشر، وأن ينبع الابتكار من القاعدة اعتمادا على احتياجاتهم لا على افتراضات خارجية.
السؤال الثالث
في دراسة حالة أركان، يظهر النظام انتقالا من مورد مقدس كانت تديره المجتمعات المحلية الى مورد تسيطر عليه الدولة وتحركه المصالح التجارية، وهو اليوم يواجه تهديدات مناخية. من هم المختصون الرئيسيون الذين ينبغي ان يديروا هذه الانظمة؟ وكيف يمكن للعلم ان يدعمهم؟
الجواب:
الخبراء الحقيقيون في مصداقية هذه الانظمة هم المزارعون وسكان الأرض انفسهم. غير أن التحدي يتمثل في هجرة العديد من الفلاحين وبقاء عدد محدود فقط في القرى، رغم ان من تبقى غالبا ما يكون الاكثر رغبة في مواصلة النشاط الزراعي. الخطر الاكبر هو فقدان المعارف التقليدية المرتبطة بالارض. لذلك يجب الحفاظ على هذه المعرفة ونقلها الى الاجيال الشابة. دور العلم هو دعم هذه المعارف وتوثيقها وربطها بالمعطيات الحديثة حول المناخ والمياه والتربة، لا استبدالها. الفلاح يظل في صلب الحل، والعلم يؤدي دور المساند والمعزز.



































