وقود المستقبل

محمد التفراوتي5 يناير 2023آخر تحديث :
وقود المستقبل

آفاق بيئية : يورج هاس*

برلين ــ أصبح الهيدروجين الأخضر الموضة الشائعة في أيامنا هذه. أثناء مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (مؤتمر الأطراف 27) الذي استضافته مِـصـر، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز أن ألمانيا ستستثمر أكثر من 4 مليارات يورو (4.3 مليار دولار أميركي) في إنشاء سوق للهيدروجين الأخضر. وفي الولايات المتحدة، جعلت إدارة الرئيس جو بايدن الهيدروجين “النظيف” حجر الزاوية في قانون خفض التضخم، الذي يقدم إعانات الدعم لأشكال الطاقة المتجددة. والصين أيضا تستثمر بكثافة في التحليل الكهربائي حتى أن بعض المراقبين يخشون بالفعل أن تستحوذ على السوق بذات الطريقة التي اتبعتها مع الألواح الكهروضوئية. وحتى الشركات مثل شركة التعدين الأسترالية العملاقة Fortescue تراهن على أن تصبح قيمة هذه الصناعة مليارات الدولارات.

عندما تحظى تكنولوجيا بعينها بمثل هذا القدر من الدعاية المثيرة، يميل كثيرون من النشطاء البيئيين إلى الشعور بالتوتر. هل “الهيدروجين النظيف” مجرد وسيلة لغسل ما يسمى الهيدروجين “الأزرق” المتولد من الغاز الطبيعي والهيدروجين “الوردي“، المتولد من الطاقة النووية؟ أهي محاولة لإنتاج حل تكنولوجي سحري يبرر التجاوزات السخيفة مثل سياحة الفضاء والطيران الفرط صوتي، في حين ينبغي للمنتمين إلى الطبقتين المتوسطة والعليا في مختلف أنحاء العالَـم العمل على تقليص استهلاكهم للطاقة والموارد؟ أو أن هذه هي المرحلة التالية من النزعة الاستخراجية، والاستيلاء على أراضي ومياه سكان العالم من ذوي الدخل المنخفض، تحت ستار مكافحة تغير المناخ؟

الإجابة المختصرة على كل هذه التساؤلات هي “أجل”. لكن هذا ليس حتميا ولا يغطي القصة بالكامل. أجل، إن حلم الهيدروجين الأخضر قد يتحول إلى كابوس إذا لم نُـحسِـن التعامل معه. لكنه على الرغم من ذلك يشكل لبنة أساسية لا غنى عنها في جهود انتقال الاقتصاد العالمي من الوقود الأحفوري المدمر للمناخ إلى نماذج مستدامة تقوم بنسبة 100% على مصادر الطاقة المتجددة. قد يكون من الصعب قبول هذا الغموض، لكن الحاجة الملحة إلى تجنب كارثة مناخية تستلزم ما لا يقل عن ذلك.

نظرا لتوفر تطبيقات عديدة محتملة للهيدروجين، تشير تقديرات بعض كبار الخبراء إلى أنه من الممكن أن يزودنا بنحو 20% إلى 30% من استهلاك الطاقة العالمي بحلول منتصف القرن. لكن هذا لا يجعله بالضرورة الاختيار الأكثر فعالية. على سبيل المثال، تحتاج البطاريات الكهربائية إلى مقدار أقل كثيرا من الكيلو واط/ساعة من الطاقة المتجددة لكل كيلومتر لتشغيل السيارات والشاحنات مقارنة بخلايا وقود الهيدروجين أو الوقود الإلكتروني. على نحو مماثل، يُـعَـد استخدام المضخات الحرارية أكثر كفاءة من تحويل غلايات الغاز إلى هيدروجين. ينبغي لنا أيضا أن نولي البدائل العضوية للأسمدة النيتروجينية قدرا أعظم كثيرا من الاهتمام.

لكن هناك العديد من القطاعات الحيوية التي لن تجد سوى أقل القليل من البدائل القابلة للتطبيق الخالية من الكربون اقتصاديا للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بما في ذلك الشحن والطيران لمسافات طويلة، والمواد الكيميائية، وصناعة الصلب. على الرغم من كل هذا الضجيج الإعلامي، من الواضح أن العديد من الصناعات ستحتاج إلى كميات هائلة من الهيدروجين النظيف لتحقيق صافي الانبعاثات صِـفر بحلول عام 2050. لتوضيح حجم التحدي، قدم مايكل ليبريتش، مؤسس شركة بلومبيرج لتمويل الطاقة الجديدة، مؤخرا تقديرا يشير إلى أن مجرد الاستغناء عن الهيدروجين “القذر” ــ المنتج اليوم من الوقود الأحفوري ــ يتطلب 143% من طاقة الرياح والطاقة الشمسية التي ينتجها العالم حاليا.

تتمتع بلدان عديدة في الجنوب العالمي بإمكانات عالمية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يمكنها من إنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة منخفضة للغاية. وبعض هذه البلدان، مثل ناميبيا، قامت بالفعل ببناء استراتيجية للتنمية الصناعية تدور حول هذه الميزة التنافسية. ولكن كيف من الممكن أن تصبح التجارة الدولية في الهيدروجين الأخضر ومشتقاته الطريق إلى الرخاء والازدهار؟ وكيف تتمكن البلدان النامية من تجنب فخ النزعة الاستخراجية الخضراء وضمان عدالة التجارة واستدامتها؟

استكشفت سلسلة من المشاورات والدراسات في شيلي، والأرجنتين، والبرازيل، وكولومبيا، وجنوب أفريقيا، والمغرب، وتونس هذه التساؤلات بإسهاب. يساعد تقرير جديد صادر عن مؤسسة هاينريش بول ومنظمة “خبز العالم” في بلورة النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسات، ويسلط الضوء على ضرورة الحرص على عدم إحداث أي ضرر. لمنع حلم الهيدروجين الأخضر من التحول إلى كابوس، يتعين علينا أن نعمل على تطوير القطاع بالاستعانة بتخطيط إقليمي، ووضع معايير وسياسات واضحة، فضلا عن دعم حق المجتمعات المحلية في الموافقة المسبقة المستنيرة. للوفاء بوعد التنمية بعد الوقود الأحفوري وتعزيز الاقتصادات المستدامة، يتعين على الحكومات أن تعمل على ابتكار استراتيجيات صناعية طموحة وواقعية. ويجب أن تكون هذه الاستراتيجيات مدمجة في نهج جهازي شامل لتحقيق التنمية المستدامة وتحول الطاقة. فضلا عن ذلك، نحن في احتياج إلى النظر في كيفية استخدام الهيدروجين ــ وليس فقط من يمكنه تحمل ثمنه.

لن يحدث أي من هذا من تلقاء ذاته. إن تحقيق هدف المستقبل المستدام اختيار سياسي يتطلب القيادة والتعاون. وبوسع بلدان عديدة أن تساعد في جعل التجارة العادلة المستدامة في الهيدروجين الأخضر حقيقة واقعة. على سبيل المثال، تتمتع ناميبيا، وشيلي، وكولومبيا، والبرازيل الآن (في عهد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) بالظروف السياسية المناسبة لإيجاد التوازن بين إنتاج الهيدروجين الأخضر والمعايير البيئية والاجتماعية القوية. بمرور الوقت، من الممكن أن تنضم الأرجنتين وجنوب أفريقيا إلى هذه القائمة لتصبحا من الدول المنتجة.

بصفتها مستوردا ومستهلكا رئيسيا محتملا للهيدروجين الأخضر، ستحتاج ألمانيا إلى تكوين شراكات مع البلدان المنتجة، استنادا إلى معايير بيئية واجتماعية قوية. ونظرا لحكومتها التقدمية، فمن المتوقع أن تتعامل مع شركائها للأمد البعيد ليس فقط كمزودين للطاقة، بل وأيضا كزملاء مسافرين في الرحلة نحو الرخاء المستدام الشامل.

لتحقيق هذه الغاية، يتعين على ألمانيا وغيرها من مستوردي الطاقة أن يعملوا أيضا على دعم البلدان المصدرة في جهودها الرامية إلى توطين خلق القيمة. بهذه الطريقة، يصبح بوسع التجارة الدولية الناشئة في الهيدروجين الأخضر أن تعمل كبشير بنشوء علاقة تجارية جديدة منصفة بين الشمال والجنوب العالميين. هذا مستقبل يستحق القتال من أجله، والطاقة المتجددة تحمل المفتاح إليه.

ترجمة: إبراهيم محمد علي     

* يورج هاس رئيس قسم السياسة الدولية في مؤسسة هاينريش بول.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2023.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!